الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ لا تطمع ببصرك إلى ما عند غيرك من حطام الدنيا أَزْواجاً مِنْهُمْ أصنافا منهم وَاخْفِضْ جَناحَكَ المراد ألن جانبك وتواضع لهم، مأخوذ من خفض الطائر جناحه على فرخه إذا غطاه به وضمه إليه الْمُقْتَسِمِينَ جماعة من قريش اقتسموا الطريق ليصدوا عن سبيل الله، وقيل: اقتسموا للقرآن فقال بعضهم هو سحر، وبعضهم. هو شعر، وبعضهم هو كهانة، وقيل هم أهل الكتاب عِضِينَ جمع عضة والمراد فرقوه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل فرقوا أقوالهم فيه فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ المراد بلغ الرسالة للجميع، وأظهر دينك ولا تخش أحدا، وأصل الصدع الشق ومنه تصدع البناء وتصدع القوم تفرقوا يَضِيقُ صَدْرُكَ المراد تتألم وتتحرج الْيَقِينُ الموت لأنه متيقن الوقوع.
هكذا السور المكية المبدوءة بأحرف هجائية تبدأ غالبا بالكلام على القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم، وتختتم بالحديث عنهما ألا ترى إلى سورة هود ويوسف وإبراهيم وها هي ذي سورة الحجر.
المعنى:
وتالله لقد آتيناك يا أيها الرسول سبع آيات هي المثاني، والقرآن العظيم، ولقد اختلف العلماء في
المراد بالسبع المثاني فقال البعض: هي الفاتحة وقد روى الشيخان ذلك التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والفاتحة تثنى في كل صلاة بقراءتها في كل ركعة، وقيل سميت بذلك لأن فيها الثناء على الله- سبحانه وتعالى، وقال البعض السبع المثاني هي السبع الطوال: البقرة. وآل عمران. والنساء. والمائدة. والأنعام. والأعراف. والأنفال.
والتوبة: بناء على أنهما سورة واحدة، وسميت مثاني لأن القصص والأحكام والحدود ثنيت فيها وكررت، وقيل المراد بالسبع المثاني جميع القرآن. ويكون عطف والقرآن العظيم من باب الترادف أو عطف الصفات والموصوف واحد اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر 23] .
ولقد آتيناك وأنزلنا عليك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، وهذا شرف كبير. وفضل عظيم، وجاه عريض، ومن يعطى هذا لا يطمح ببصره طموح راغب إلى ما متعنا به أزواجا من الكفار وأصنافا منهم، وكيف يطمع في عرض زائل، وحطام فان وقد أعطى القرآن العظيم؟! روى عن أبى بكر- رضى الله عنه-. من أوتى القرآن فرأى أن أحدا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى فقد صغر عظيما، وعظم صغيرا،
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم «ليس منّا من لّم يتغنّ بالقرآن»
أى: يستغنى به.
وهذا توجيه سام وأدب عال من الله- سبحانه- لعباده المؤمنين، وتربية لنفوسهم بعيدة الأثر، فليس أضر على الإنسان من طموحه إلى من هو فوقه في الدنيا وعرضها بل انظر إلى من دونك تسترح فإذا أعطيت مع هذا القرآن فكفى به شرفا، وليست الآية تدعو إلى عدم العمل. كلا فليس في ديننا رهبانية ولا كسل بل هو دين العمل والقصد الحسن، وفي الآية إشارة إلى ما في القرآن من الخير والفلاح، وأنه لا يغرنا تقلب الذين كفروا في البلاد بل هو متاع قليل ومأواهم جهنم وبئس المصير.
ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا، ويقول القرطبي: ولا تحزن على ما تمتعوا به في الدنيا فلك في الآخرة أفضل منه.
واخفض جناحك للمؤمنين، نعم وألن جانبك لهم، وتواضع معهم، فلو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر يا سبحان الله هذه تعاليم إلهية تلقى للنبي صلى الله عليه وسلم الذي شهد له القرآن بأنه على خلق عظيم ليعمل بها كل رئيس أراد أن تلتف حوله قلوب جماعته، فلينظر حكامنا وقادتنا إلى تعاليم القرآن.
وقل لهم: إنى أنا النذير المبين فقط، فليس لي من الأمر شيء وإنما علىّ البلاغ والتبشير والإنذار، وعلى الله كل شيء بعد هذا.
ولقد آتيناك ونزلنا عليك القرآن مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، نعم أهل الكتاب اقتسموا القرآن فجعلوا بعضه حقا لأنه موافق لهواهم، وبعضه باطلا لأنه مخالف لهواهم! وقال بعضهم هذه السورة لي، وقال الآخر وهذه السورة لي، ترى أنهم اقتسموا القرآن وجعلوه فرقا، ويجوز أن يراد بالقرآن
كتبهم التي يقرءونها، وقد آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ويكون هذا من باب التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال قومه إنه سحر، أو شعر، أو كهانة.
وبعضهم يقول: المقتسمون هم القرشيون الذين اقتسموا الطريق ووقف كل منهم على باب يحذر الناس من اتباع النبي ويقولون عن القرآن إنه سحر وصاحبه ساحر، وهو كذب، وصاحبه كذاب، وهو شعر وصاحبه شاعر، ولعل المعنى إنى أنا النذير المبين إنذارا بعذاب ينزل بكم كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن فرقا وأنواعا.
فاقسم بربك لنسألنهم جميعا يوم لا ينفع مال ولا بنون، عما كانوا يعملون وسنجازيهم عليه الجزاء الوافي حتى يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا.
وإذا كان الأمر كذلك، وقد نفذ النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه التوجيهات وعمل بها فاصدع أيها النبي بما تؤمر.
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة للجميع، والجهر بها فقد مضت مرحلة الإسرار في الدعوة.
فاصدع بالذي تؤمر به وفرق به جمعهم، واجهر بدعوتك فسينشق بها حائطهم وسيصدع جدارهم، وأعرض عن المشركين، ولا تبال بهم فالله عاصمك منهم، ومؤيدك بروح من عنده، وكافيك شر المستهزئين بك المجاهرين لك في العداوة والبغضاء، وقد صدق الله وعده ونصر عبده، ونال كل من زعماء الشرك وقادة الباطل حتفهم على أسوأ صورة في غزوة بدر وما بعدها.
هؤلاء المستهزئون بك يستحقون أكثر من ذلك فهم الذين يجعلون مع الله إلها آخر، ويشركون به من لا يملك ضرا ولا نفعا فسوف يعلمون عاقبة عملهم ونتيجة شركهم.
ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، وتتحرج نفسك بما يعملون ولكن الدواء الناجح الذي به تطمئن القلوب وتهدأ النفوس، حتى تستعذب في سبيل الله كل عذاب، وتعده من أكبر النعم وتمام التطهير لها.
هذا الدواء هو التسبيح والتقديس والركوع والسجود، والإكثار من العبادة والاتصال بالله إذ هذه مطهرات للنفس مقويات للروح ومتى قويت الروح ضعفت النفس المادية التي تشعر بالألم والتعب والنصب إذا عملت في سبيل الله.
وهذا علاج نفيس يجب أن يتحلى به كل داعية إلى الله، وعامل في سبيل الله.
ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عالج ألم ابنته وتعبها من الرحى بعلاج التسبيح والتحميد والتكبير.
واعبد ربك أيها الرسول حتى يأتيك الأمر اليقين، وتلقى ربك، وإذا كان هذا هو توجيه الله للنبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فأين نحن؟! أين نحن؟! اللهم وفقنا واهدنا إلى سواء السبيل.