الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
عُصْبَةٌ هي الجماعة من الرجال ما بين الواحد إلى العشرة. غَداً الغد اليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه لَيَحْزُنُنِي الحزن: ألم في النفس لفقد محبوب أو وقوع مكروه، والخوف: ألم في النفس مما يتوقع من مكروه يَرْتَعْ يقال رتع البعير والإنسان إذا أكلا كيف شاءا والرتوع أكل ما يطيب لهم من الفاكهة والبقول أصل الرتعة الخصب والسعة نَسْتَبِقُ يتكلف كل منا أن يسبق غيره.
هذا بدء القصة الحقيقي. والذي تقدم مقدمتان لها:
(أ) في الكلام على هذا الكتاب الذي هي فيه وأنه نزل باللسان العربي المبين.
(ب) وفي الكلام على رؤيا يوسف، وما كان لها من الأثر في نفس أبيه وما فهمه يعقوب من تأويلها، وسيتلو القصة خاتمة في العبرة منها وما يتعلق بذلك، وهذا ترتيب غريب لم يسبق القرآن بمثله أبدا- وإن كنت في شك فاقرأ القصة في التوراة- ولقد استخدمه أصحاب القصص المحدثون.
روى أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة أو أرسلوا له من يسأله عن نبي كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه حتى عمى
فأنزل الله عليه سورة يوسف محكمة كما في التوراة وكانت هنا أدق وأحكم.
المعنى:
تالله لقد كان في قصة يوسف مع إخوته لأبيه آيات ودلائل على قدرة الله، وحكم ومواعظ للسائلين عنها الراغبين في معرفة حقائقها، وما تشير إليه وهم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ فهذه القصة بظواهرها الغريبة تشير إلى معان دقيقة، إذ حسد إخوته له نتج عنه رميه في الجب وأخذ السيارة له وبيعه في مصر لعزيزها، وقد قلده أمر بيته لأمانته وصدقه فنشأ عن ذلك مراودة امرأته له عن نفسه فاستعصم. ونشأ عن ذلك ظهور أمره، ومعرفة خبره، ولو لم تبالغ في كيدها ليوسف لما ألقى في السجن الذي خرج منه إلى بيت الملك وإدارة الحكم في مصر إلى آخر ما سيأتى.
نعم لقد كان في هذا كله عبر ومواعظ وأسرار لا يفهمها إلا السائلون عنها، هذه آيات ودلائل على أن من يرعاه ربه فلن يشقى أبدا، ومن يهديه فلن يضل أبدا. انظر لهم في وقت قالوا فيه جازمين مقسمين: ليوسف وأخيه بنيامين أحب إلى أبينا منا، يفضلهما علينا جميعا، ونحن له عصبة قوية تقوم له بكل ما يحتاج إليه من أسباب الرزق والحماية والرعاية والكفاية.
إن أبانا إذ أحب يوسف وشقيقه لقد ضل طريق العدل والصواب وضل ضلالا مبينا حيث يحب الولد حبا أكثر لحب أمه، والمراد ضلاله في الحب لا في العقيدة وهذا حكم منهم على أبيهم جائز إذ حب يوسف وأخيه لضعفهما وصغرهما في السن ولموت أمهما، ولما كان يأمله في يوسف من عقل وحكمة، وما فهمه من رؤياه.
ولما استبد بهم الحسد وغلب على عقلهم قالوا بعد التشاور: اقتلوا يوسف حتى لا يلقاه أبوه أبدا أو اطرحوه في أرض بعيدة عنا حتى ينقطع خبره عن أبيه، إن فعلتم ذلك يخل لكم وجه أبيكم وهذا تعبير دقيق يراد به يكمن لكم كل وجهه وإقباله، لا يشارككم فيه أحد.
وتكونوا من بعده قوما صالحين، بهذا زين لهم الشيطان أعمالهم، ومناهم بأنهم إذا ارتكبوا هذا الجرم يتوبون عنه ويصيرون صالحين عند أبيهم وعند ربهم فاحذروا أيها الناس ألاعيب الشيطان.
قال قائل منهم- الله أعلم باسمه ولا حاجة لنا في معرفته- قال: لا تقتلوا يوسف فهو أخوكم، ولكن إذا أردتم التخلص منه حقا فألقوه في غيابات البئر (وهي ما يغيب عن النظر من قعره أو حفرة بجانبه) يلتقطه بعض السيارة (وهم المسافرون الذين يسيرون في الأرض للتجارة) فيتم لكم غرضكم وهو إبعاده عن أبيه حتى يخلو لكم وجهه إن كنتم فاعلين الصواب فهذا هو الصواب.
عبارة القرآن الكريم تؤيد أن يوسف- عليه السلام كان يتمتع بقسط وافر من محبة أبيه، وكان أبوه يفهم أن هذا يغضب إخوته خصوصا بعد الرؤيا فما كان يستريح إذا غاب يوسف عنه لحظة ولو مع إخوته، وكانوا يفهمون حرص أبيهم على يوسف.
قال إخوة يوسف، وقد رأوا ما رأوا: يا أبانا مالك لا تأمنا عليه؟ وأى شيء عرض لك من الشبهة حتى لا تأمنا على يوسف «يكاد المريب أن يقول خذوني» والحال
إنا له لناصحون ومخلصون إخلاصا أكيدا مؤكدا، وانظر إلى عبارتهم المؤكدة بأن واسمية الجملة، وتقديم له، واقتران الخبر باللام. كل ذلك يؤيد ما قلناه من أنهم يشعرون بما في نفس أبيهم بالنسبة لهم وليوسف، يا أبت أرسله معنا في الغد يرتع كما يشاء ويطيب له من أكل الفاكهة والبقول في الهواء الطلق ويلعب معنا في وقت سرور ونشاط، ولا تخف إنا له لحافظون حفظا مؤكدا كما ترى من عبارتهم.
ماذا يفعل الأب؟ إنه لموقف حرج جدا، طلب أبناؤه مرافقة أخيهم لهم في الرعي والنزهة. إنه لطلب جميل، ولكن ماذا يفعل يعقوب؟ وهو يعلم ما عندهم بالنسبة لأخيهم، وما يعلمه بالإجمال من رعاية الله للصغير يوسف، قبل طلبهم على مضض ومع إظهار الكثير من الألم لفراق يوسف.
قال: إنى ليحزنني ذهابكم به وفراقه لي على أى صورة!! وأخاف أن يعتدى عليه بعض أفراد الذئب وأنتم عنه غافلون.
ماذا يجيبون على أبيهم وتخوفه من الذئب؟ أيقولون له لا تحزن؟
وإنما طمأنوه من ناحية الذئب، قالوا تالله لئن أكله الذئب وهو معنا، جماعة قوية وعصبة فتية، إنا إذن لخاسرون وخائبون في ادعائنا أننا عصبة قوية ولا يصح الاعتماد علينا في شيء.
تلك هي المؤامرة التي دبرت ليوسف، وبقي تنفيذها.
فلما ذهبوا به من عند أبيهم، وأمكنهم إقناعه واقتنع هو في الظاهر فقط ولأمر ما سلم في فلذة كبده يوسف، وأجمعوا أمرهم في أن يجعلوه في غيابة الجب المعروف عندهم ليذهب حيث شاء فيستريحوا ويخلو لهم وجه أبيهم نفذوا ما أجمعوا عليه وألقوه في الجب.
ولكن الله العالم البصير الرحمن الرحيم، لا يترك مظلوما يتخبط بل هو معه وناصره وحافظه ومطمئنه، أوحى إلى يوسف: لا تخف فالله معك، وسيظهرك عليهم، ويذلهم لك ويحقق رؤياك، ويسجد لك سجود خضوع إخوتك الأحد عشر وأبوك وأمك (قيل هي أمه أو خالته وأمه ماتت) وربك القوى لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لهول الموقف لا يشعرون.