الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
غَفْلَةٍ غفل عن الشيء من باب دخل، وغفلة أيضا وأغفله عنه غيره وقد تستعمل فيمن تركه إهمالا وإعراضا كما هنا، ومنه قيل أرض غفل أى لا علم بها ورجل غفل لم يجرب الأمور مُعْرِضُونَ من أعرض عنه بمعنى أضرب وولى عنه لاهِيَةً ساهية. معرضة. متشاغلة عن التأمل والتفهم النَّجْوَى التناجي والتسار في القول أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ أتتبعونه أَضْغاثُ أَحْلامٍ هي الرؤيا الكاذبة، التي لا يكون لها تأويل، والأضغاث، جمع ضغث والأصل فيه يطلق على قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها والرؤيا الكاذبة مختلطة غير منتظمة فلا تأويل لها افْتَراهُ اختلقه من تلقاء نفسه الْمُسْرِفِينَ المبالغين في الكفر والظلم.
المعنى:
لقد صدق عامر بن ربيعة حين جاءه رجل، كان أكرم مثواه في يوم، وقال له أى لعامر: إنى استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واديا ما في العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك فقال عامر: لا حاجة لي في قطعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ.
افتتح الله هذه السورة بما يوقف الأطماع، ويحدد الاتجاه، وبما يوقفنا على ما كان عليه المشركون المشار إليهم في الآية، وإن كان لفظ الآية يتناول الناس جميعا.
اقترب للناس زمان حسابهم، وقرب الوقت الذي فيه يحاسبون على أعمالهم، والحال أنهم في غفلة، وهم معرضون عن الذكر الحكيم.
يا للعجب! يقترب الحساب، والناس عنه غافلون، وله ناسون وتاركون، شغلتهم أموالهم وأهلوهم، وهم معرضون ومضربون عما فيه خيرهم، وبه سعادتهم في الدنيا والآخرة إن هذا لعجيب!! هذا أمر في الناس جميعا، وداء أصاب العالم أجمع، ولكن الأوصاف الآتية تجعلنا نتجه بالكلام ناحية المشركين المعاصرين للنبي خاصة فهم الذين لا يأتيهم ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون.
نعم ما يأتيهم ذكر وقرآن من ربهم محدث يتلوه جبريل على النبي سورة بعد سورة وآية بعد آية، فالقرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجما تبعا للحوادث، والقرآن أى: هذا الصوت الذي يسمع بالأذن، والحروف التي ترى بالعين هو حادث بلا شك، وأما القرآن بمعنى كلام الله- سبحانه- النفسي فهو قديم قدم باقى الصفات القدسية.
وقيل: الذكر هو ما يذكرهم به المصطفى صلى الله عليه وسلم ويعظهم به، وكونه من ربهم فهو موافق لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [سورة النجم آية 3] ولا شك أن ذكره ووعظه حادث فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ [سورة الغاشية آية 21] .
ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في حال استماعهم وهم يلعبون ويلهون.
لاهية قلوبهم، ومعرضة عن ذكر الله، متشاغلة بالدنيا وزخرفها الكاذب عن الدين وعن ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، وتهدأ النفوس.
وأسروا النجوى، وهل النجوى تكون في غير السر؟ إنها لا تكون إلا سرا، والمراد أنهم كتموا التناجي قاصدين، وبالغوا في إخفائه ليبحثوا عما يطفئون به نور الله، ويبطلون به رسالة رسول الله! ولكن هيهات لهم ذلك!
وأسروا النجوى وقال الظالمون منهم: ما هذا إلا بشر مثلكم فكيف يكون رسولا إليكم؟ وهو لا يتميز في شيء عنكم.
أفتأتون السحر؟ ومحمد لم يأت إلا بالسحر فكيف تجيئون إليه وتتبعونه؟ والحال أنكم تبصرون الأمور على حقيقتها، ولستم غفلا.
ولكن الله أطلع رسوله على ما تناجوا به، وقالوه في السر العميق، وأمره أن يقول لهم: ربي يعلم القول مطلقا سواء جهرتم به أو أسررتم، وسواء كان في السماء أم في الأرض فإنه يعلم السر وأخفى، وهو السميع لكل ما يسمع العليم بطوايا النفوس وخطرات القلوب.
وصفوا رسول الله بأنه ساحر وأن ما يقوله سحر، إذ خفى عليهم سببه، مع أنه يبهر العقول، ويأتى بالأعاجيب.. ثم أضربوا عن ذلك ووصفوه بأنه أضغاث أحلام مفتراة، لا نسق فيها ولا نظام، ولا أساس لها ولا تأويل، ثم نظروا إلى القرآن وإلى ما قالوه فيه فعدلوا عن الحكم الأول والثاني وقالوا: لا: بل قد افتراه واختلقه من عند نفسه، وإنه كاذب في دعواه أنه من عند الله.
ثم أضربوا عن ذلك، وقالوا: بل هو شاعر يؤثر ببليغ كلامه فيفرق بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه.
أليس في هذا الاضطراب والتردد، والتلون وتغيير الحكم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به، أو عرفوه ولكنهم في حماقة المغلوب ويأس المهزوم رموه بالسحر تارة. والكذب وغيره تارة أخرى.
ثم انتقلوا إلى ناحية أخرى فقالوا: إن لم يكن كذلك فليأتنا بآية غير القرآن كما أرسل موسى بالعصا، وصالح بالناقة، ولقد كان سؤالهم هذا سؤال تعنت، ويعلم الله أنهم لا يؤمنون ولو نزل عليهم ما طلبوا وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا [سورة الأنعام آية 111] .
اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال فقال الله مجيبا لهم:
ما آمنت قبلهم قرية من القرى بعد إجابتهم إلى ما اقترحوا، وقد أهلكناهم بسبب