الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَى اللَّهُ" (15). أى على هَلاكٍ. ولا يَلْزَمُ من الإِذْنِ فى إمْساكِها على وَجْهٍ لا يَضْمَنُ هذا الخَطَرَ، ولا يُفَوِّتُ إمكانَ رَدِّها على صاحِبها، الإذْنُ فيما يَتَضَمَّنُ ذلك، فأمَّا مع غَيْبةِ المالِكِ (16) ووَكِيلِه، فله السَّفَرُ بها إذا كان أحْفَظَ لها؛ لأنَّه [مَوْضِعُ حاجَةٍ](17) فيختارُ فِعْلَ ما فيه الحَظُّ.
فصل:
وإن حَضَرَه الموتُ، فحُكْمُه حُكْمُ السَّفَرِ، على ما مَضَى من أحْكامِه، إلَّا فى أخْذِها معه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما سَبَبٌ لخُرُوجِ الوَدِيعةِ عن يَدِه.
1068 - مسألة؛ قال: (وإِنْ كَانَتْ غَلَّةٌ فخلَطَها فِى صِحَاحٍ، أو صِحَاحًا فَخلَطَهَا فِى غَلَّةٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)
يعنى بالغَلَّةِ المُكَسَّرةَ إذا خَلَطَها بصحاحٍ من مالِه، أو خَلَطَ الصحاحَ بالمُكَسَّرةِ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّها تَتَميَّزُ منها فلا يَعْجِزُ بذلك عن رَدِّها على صاحِبها، فلم يَضْمَنْها، كما لو تَرَكَها فى صندوقٍ فيه (1) أكياسٌ له. وبهذا قال الشَّافعىُّ، ومالكٌ، ولا نَعْلَمُ فيه اختلافًا. وكذلك الحكمُ إذا خَلَطَ دَرَاهِمَ بدَنانِيرَ، أو بيضًا (2) بسُودٍ. وقد حُكِىَ عن أحمدَ، فى مَن خَلَطَ دَرَاهِمَ بيضًا بِسُودٍ: يَضْمَنُها. ولعَلَّه قال ذلك لكَوْنِها تَكْتَسِبُ منها سَوادًا، أو يتغيَّرُ لونُها، فتَنْقُصُ قِيمَتُها، فإن لم يكُنْ فيها ضَرَرٌ، فلا ضَمانَ عليه. واللَّهُ تعالى أعلمُ.
(15) ذكره ابن قتيبة، فى: غريب الحديث 2/ 564. وانظر: تلخيص الحبير 3/ 98، وإرواء الغليل 5/ 383، 384.
(16)
فى ب: "مالكها".
(17)
فى م: "وضع حاجته".
(1)
فى م: "وفيه".
(2)
فى م: "وبيضا".
1069 -
مسألة؛ قال: (ولَوْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَها فِى مَنْزِلٍ، فَأخْرَجَهَا عَنِ الْمَنْزلِ، لِغشَيانِ نَارٍ، أو سَيْلٍ، أو شَىْءٍ الْغالِبُ مِنْهُ التَّوَى (1)، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْه)
وجملةُ ذلك أَنَّ رَبَّ الوَدِيعةِ إذا أمَرَ المُسْتَوْدَعَ بحِفْظِها فى مكانٍ عَيَّنَه، فحَفِظَها (2) فيه، ولم يَخْشَ عليها، فلا ضَمانَ عليه. بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه مُمْتَثِلٌ لأمْرِه، غيرُ مُفَرِّطٍ فى مالِه. وإن خاف عليها سَيْلًا أو تَوًى (3)، يعنى هلاكًا، فأخْرَجَها منه إلى حِرْزِها، فتَلِفَتْ، فلا ضَمانَ عليه. بغير خلافٍ أيضًا؛ لأنَّ نَقْلَها فى هذه الحالِ تَعَيَّنَ حِفْظًا لها، وهو مأمورٌ بحِفْظِها. وإن تَرَكها مع الخَوْفِ فتَلِفَتْ، ضَمِنَها سواء تَلِفَتْ بالأمرِ المَخُوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه فَرَّطَ فى حِفْظِها؛ لأنَّ حِفْظَها نَقْلُها، وَتَرْكُها تَضْيِيعٌ لها. وإن لم يَخَفْ عليها فنَقَلَها عن الحِرْزِ إلى دُونِه، ضَمِنَها؛ لأنَّه خالَفَه فى الحِفْظِ المأْمُورِ به. وإن نَقَلَها إلى دُونِه عند الخَوْفِ عليها، نَظَرْنا؛ فإن أمْكَنَه إحْرازُها بمثْلِه، أو أعْلَى منه، ضَمِنَها أيضًا؛ لتَفْرِيطِه، وإن لم يُمْكِنْه إحرازُها إلَّا بما دُونَه، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ إحْرازَها بذلك أحْفَظُ لها من تَرْكِها (4)، وليس فى وُسْعِه سِوَاه. وإن نَقَلَها إلى مثل ذلك الحِرْزِ لغيرِ عُذْرٍ، فقال القاضى: لا يَضْمَنُها. وهو مَذْهَبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ تَقْيِيدَه (5) بهذا الحِرْزِ يَقْتَضِى ما هو مثلُه، كمَن اكْتَرَى أَرْضًا لزَرْعِ حنْطةٍ، فله زَرْعُها وزَرْعُ مثلِها فى الضَّرَرِ. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىِّ لُزُومَ الضَّمَانِ؛ لأنَّ الأمْرَ بشىءٍ يقتَضِى تَعْيِينَه، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بدَلِيلٍ. وإن نَقَلَها إلى أحْرزَ منه كان حُكْمُه (6) حُكْمَ ما لو أخْرَجَها إلى مثلِه. فإن نَهَاه عن إخْراجِها من ذلك المكانِ، فالحُكْمُ فيه كما لو أَمَرَه بتَرْكِها فيه ولم يَنْهَه
(1) فى م: "البوار".
(2)
فى م: "فحفظ".
(3)
فى م: "وتوى".
(4)
فى أ، م:"تركه".
(5)
فى أ، م:"تقيده".
(6)
فى ب: "حكمها".
عن إخْراجِها منه، إلَّا فى (7) أنَّه إذا خافَ عليها فلم يُخْرِجْها حتَّى تَلِفَتْ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، يَضْمَنُ؛ لما ذكَرْنا فى التى قبلَها. والثانى، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه مُمْتَثِلٌ لقولِ صاحِبِها. وفى أنَّهُ إذا أخرَجها لغيرِ عُذْرٍ ضَمِنَها، سواءٌ أخْرَجها إلى مثلِه أو دُونَه أو فَوْقَه؛ لأنَّه خالَفَ صاحِبَها لغيرِ فائدةٍ. وهذا ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن نَهَاه عن نَقْلِها من بيتٍ، فنَقَلها إلى بيتٍ آخرَ من الدارِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ البَيْتَيْنِ من دارٍ واحدةٍ حرْزٌ واحدٌ، وطريقُ أحدِهما طَرِيقُ الآخَرِ، فأشْبَهَ ما لو نَقَلها من زاوِيَةٍ إلى زاويةٍ. وإن نَقَلَها من دارٍ إلى دار أُخْرَى، ضَمِنَ. ولَنا، أنَّه خالفَ أمْرَ صاحِبِها بما لا مَصْلحةَ فيه، فيَضْمَنُ، كما لو نَقَلَها من دارٍ إلى دارٍ. وليس ما فَرَّقَ به صحيحًا؛ لأنَّ بُيُوتَ الدارِ تَخْتَلِفُ، فمنها ما هو أقربُ إلى الطريقِ، أو إلى موضعِ الوَقُودِ، أو إلى الانْهِدَامِ، أو أسْهَلُ فَتْحًا، أو بابُه أسْهَلُ كَسْرًا، أو أضعَفُ حائِطًا، وأسْهلُ (8) نَقْبًا، أو لكَوْنِ المالكِ يَسْكُنُ به، أو يَسْكُنُ فى غيرِه، وأشْباه هذا ممَّا يُؤثِّرُ فى الحِفْظِ أو فى عَدَمِه، فلا يجوزُ تَفْوِيتُ غَرَض رَبِّ الوَديعةِ من تَعْيِينِه من غير ضرورةٍ. وإن خاف عليها فى مَوْضِعِها، فعليه نَقْلُها، فإن تَرَكَها فتَلِفَتْ ضَمِنَها؛ لأنَّ نَهْىَ صاحِبِها عن إخْراجِها إنَّما كان لحِفْظِها، وحِفْظُها ههُنا فى إخْراجِها، فأشْبَهَ ما لو لم (9) يَنْهَهُ عنْ إخْراجِها. فإن قال: لا تُخْرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فأَخْرَجَها منْ غير خَوْفٍ ضَمِنَها، وإن أخْرَجَها عندَ خَوْفِه عليها، أو تَرَكَها فتَلِفَتْ (10)، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ نَهْيَه مع خَوْفِ الهلاكِ نَصٌّ فيه، وتَصْرِيحٌ به، فيكونُ مأْذُونًا فى تَرْكِها فى تلك الحال، فلم يَضْمَنْها؛ لِامْتثالِه أمْرَ صاحِبِها، كما لو قال له: أَتْلِفْها. فأتْلَفَها. ولا يَضْمَنُ إذا أخْرَجها؛ لأنَّه زِيادَةُ خيرٍ وحِفْظٍ، فلم يَضْمَنْ به، كما لو قال له: أتْلِفْها. فلم يُتْلِفْها حتَّى تَلِفَتْ.
(7) سقط من: أ.
(8)
فى م: "أو أسهل".
(9)
سقط من: م.
(10)
فى م: "لتلفت".