الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم، فى دُرَّةَ بنت أبى سَلَمةَ:"إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حِجْرِى، مَا حَلَّتْ لِى، إنَّها ابْنَةُ أخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، أرْضَعَتْنِى وأَبَاهَا ثُوَبْيَةُ". مُتَّفَقٌ عليه (3). ولأنَّ الأُمَّهاتِ والأخواتِ منصوصٌ عليهنَّ، والباقِياتُ يَدْخُلْنَ فى عُمُومِ لفظِ سائرِ المُحَرَّماتِ. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا.
1146 - مسألة؛ قال: (ولبَنُ الفَحْلِ مُحَرّمٌ)
معناه أَنَّ المرأةَ إذا أرْضَعَتْ طِفلًا بلَبَنٍ ثَابَ (1) من وَطْءِ رَجُلٍ، حُرِّمَ الطِّفْلُ على الرجلِ وأقارِبِه، كما يُحَرَّمُ وَلَدُه من النَّسَبِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ من الرجلِ كما هو من المرأةِ، فيصيرُ الطفلُ وَلَدًا للرجلِ، والرجلُ أباه، وأولادُ الرجلِ إخوتَه، سواءٌ كانوا من تِلْكَ المَرْأةِ أو من غيرِها، وإخْوةُ الرجلِ وأخَواتُه أعمامُ الطفْلِ وعَمَّاتُه، وَآباؤُه وأمَّهاتُه أجْدادُه وجَدَّاتُه. قال أحمدُ: لَبَنُ الفَحْلِ أن يكونَ للرَّجُلِ امْرأتانِ، فتُرْضِعَ هذه صَبِيَّةً وهذه صَبِيًّا، لا يُزَوّجُ هذا من هذا. وسُئِلَ ابنُ عباسٍ عن رجلٍ له جارَيَتانِ، أرْضَعَتْ إحداهُما جاريةً والأُخْرَى غُلامًا، فقال: لا، اللِّقاحُ واحدٌ (2). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا تفسيرُ لَبَنِ
= 1/ 474. والنسائى، فى: باب ما يحرم من الرضاع، وباب تحريم بنت الأخ من الرضاع، من كتاب النكاح. المجتبى 6/ 82، 83. وابن ماجه، فى: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 623. والدارمى، فى: باب ما يحرم من الرضاع، من كتاب النكاح. سنن الدارمى 2/ 156. والإمام مالك، فى: باب رضاعة الصغير، وباب جامع ما جاء فى الرضاعة، من كتاب الرضاع. الموطأ 2/ 601، 607. والإمام أحمد، فى: المسند 1/ 275، 290، 329، 339، 6/ 44، 51، 66، 72، 102، 178.
(3)
أخرجه البخارى، فى: باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض. . .، من كتاب الشهادات، وفى: باب: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِى أَرْضَعْنَكُمْ. . .} ، وباب:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِى فِى حُجُورِكُمْ. . .} ، وباب:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} ، من كتاب النكاح، وفى: باب المراضع من المواليات، من كتاب النفقات. صحيح البخارى 3/ 222، 7/ 12، 14، 15، 87. ومسلم، فى: باب تحريم الربيبة وأخت المرأة، من كتاب الرضاع. صحيح مسلم 2/ 1072، 1073.
كما أخرجه أبو داود، فى: باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، من كتاب النكاح 1/ 474. وابن ماجه، فى: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 624. والإِمام أحمد، فى: المسند 6/ 291، 428.
(1)
ثاب: رجع.
(2)
أخرجه الترمذى، فى: باب ما جاء فى لبن الفحل، من أبواب الرضاع. عارضة الأحوذى 5/ 89، 90.=
الفَحْلِ. وممَّن قال بتَحْرِيمه علىُّ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهدٌ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والقاسمُ، وعروةُ، ومالكٌ، والثَّوْرىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وإليه ذَهَبَ فقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ والعراقِ والشامِ، وجماعةُ أهْلِ الحديثِ. ورَخَّصَ فى لبنِ الفَحْلِ سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وأبو سَلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وعَطاءُ ابن يَسارٍ (3)، والنَّخَعِىُّ، وأبو قِلَابةَ. ويُرْوَى (4) ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وجماعةٍ من أصحابِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم غيرِ مُسَمّينَ؛ لأنَّ الرَّضاعَ من المرأةِ لا من الرَّجُلِ. ويُرْوَى عن زَيْنبَ بنت أبى سَلَمةَ، أنَّها أرْضَعَتْها أسماءُ بنتُ أبى بكرٍ، امرأةُ الزُّبَيْرِ، قالت: وكان الزبيرُ يَدْخُلُ عَلَىَّ وأنا أمْتَشِطُ، فيأخذُ بقَرْنٍ من قُرُونِ رَأْسِى، فيقول: أقْبِلِى علىَّ فحَدِّثِينِى. أرَاه والدًا، وما وَلَدَ فهم إخْوَتِى، ثم إنَّ عبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ أرْسَلَ إلىّ يَخْطُبُ أُمَّ كُلْثُومٍ ابنتِى، على حَمْزةَ بن الزُّبَيْرِ، وكان حَمْزةُ للكَلْبِيَّةِ فقلتُ لرَسُولِه: وهل تَحِلُّ له، وإنّما هى ابنةُ أُخْتِه (5)؟ فقال عبدُ اللَّه: إنَّما أردْتِ بهذا المَنْعَ لما قِبَلَكِ، أمَّا ما وَلَدَتْ أسماءُ فهم إخْوَتُكِ، وما كان من غيرِ أسْماءَ فليسوا لكِ بإخْوةٍ، فأرْسِلِى فسَلِى عن هذا، فأرْسَلَتْ فسألتْ (6)، وأصحابُ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم متوافِرُون، فقالوا لها: إنَّ الرَّضاعةَ من قِبَلِ الرَّجُلِ لا تُحَرِّمُ شيئًا. فأنْكَحَتْها إيَّاهُ، فلم تَزَلْ عندَه حتى هَلَكَ عنها (7). ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أَنَّ أفْلَحَ أخا أبى القُعَيْس، اسْتَأْذَنَ
= والبيهقى، فى: باب يحرم من الرضاع. . .، من كتاب الرضاع. السنن الكبرى 7/ 453. وسعيد بن منصور، فى: باب ما جاء فى ابنة الأخ من الرضاعة. السنن 1/ 240.
(3)
عطاء بن يسار المدنى الفقيه، مولى ميمونة أم المؤمنين، ثقة، توفى سنة ثلاث ومائة. العبر 1/ 125.
(4)
فى الأصل: "وروى".
(5)
فى أ، ب، م:"أخيه".
(6)
سقط من: م.
(7)
تقدم تخريجه فى صفحة 493.
علىَّ بعدَما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فقلتُ: واللَّهِ لَا آذَنُ له حتى أسْتَأْذِنَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَإنَّ أخَا أبى القُعَيْسِ ليس هو أرْضَعَنِى، ولكنْ أرْضَعَتْنِى امرأةُ أبى القُعَيْسِ، فدَخَلَ علىَّ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه إن الرجلَ ليس هو أرْضَعَنِى، ولكنْ أرْضَعَتْنِى امرأتُه. فقال:"ائْذَنِى لَهُ، فَإنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ". قال عُرْوَةُ: فبذلك كانت عائشةُ تأخُذُ بقولِ: حَرِّمُوا (8) من الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ (9) من النَّسَبِ. مُتَّفَقٌ عليه (10). وهذا نَصٌّ (11) قاطعٌ فى مَحَلِّ النِّزاعِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَه. فأمَّا حديث زَيْنَبَ، فإن صَحَّ فهو حُجّةٌ لنا، فإنَّ الزُّبَيْرَ كان يَعْتَقِدُها (12) ابْنَتَه، وتَعْتَقِدُه أباها، والظَّاهرُ أن هذا كان مشهورًا عندَهم، وقولُه مع إقْرارِ أهلِ عَصْرِه (13)، أوْلَى من قولِ ابْنِه وقولِ قومٍ لا يُعْرَفُونَ.
1147 -
مسألة؛ قال: (والْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا (1)، وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِهَا)
قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجمعَ أهلُ العلمِ على القولِ به (2). وليس فيه بحمدِ اللَّه اختلافٌ، إلَّا أنَّ بعضَ (3) أهلِ البِدَعِ ممَّن لا تُعَدُّ مُخالَفَتُه خِلافًا، وهم الرَّافِضَةُ والخَوَارجُ، لم يُحَرمُوا ذلك، ولم يقولوا بالسُّنَّةِ الثَّابتةِ عن رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهى ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وخَالَتِهَا". مُتَّفَقٌ
(8) فى م: "يحرم".
(9)
فى صحيح مسلم: "تحرمون".
(10)
تقدم تخريجه فى صفحة 493.
(11)
سقط من: الأصل، أ، ب.
(12)
فى م: "يعتقد أنها".
(13)
فى الأصل: "العصر".
(1)
فى م: "وبين عمتها".
(2)
فى ب: "فيه".
(3)
سقط من: ب.
عليه (4). وفى روايةِ أبِى داودَ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، ولَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، ولَا الْمَرْأَةُ عَلى خَالَتِهَا، ولَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، ولَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى"(4). ولأنَّ العِلّةَ فى تَحْرِيمِ الجمعِ بين الأُخْتَيْنِ إيقاعُ العَدَاوةِ بين الأقارِبِ، وإفْضاؤُه إلى قَطعةِ الرَّحِمِ المُحَرَّمِ (5)، وهذا موجودٌ فيما ذكَرْنا. فإن احْتَجُّوا بعُمُومِ قولِه سبحانه:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (6). خَصَّصْناه بما رَوَيْناه. وبَلَغنا أَنَّ رَجُلَيْنِ من الْخَوارجِ أتَيَا عمرَ بن عبدِ العزيزِ، فكان ممَّا أنْكَرَا عليه رَجْمَ الزَّانِيَينِ (7)، وتحريمَ الجَمْعِ بين المرأةِ وعَمتِها، وبينها وبين خالَتِها، وقالا: ليس هذا فى (8) كتابِ اللَّه تعالى. فقال لهما: كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عليكم من الصلاةِ؟ قالا: خَمْسَ صَلَواتٍ فى اليومِ والليلةِ. وسَأَلَهما عن عددِ رَكعاتِها، فأخْبَراه بذلك، وسأَلَهُما عن مِقْدارِ الزَّكاةِ ونُصبِها، فأخْبَراه. فقال: فأيْنَ (9) تَجِدانِ ذلك فى كتابِ اللَّهِ؟ قالا: لا نَجِدُه فى كتابِ اللَّه. قال: فمِن أين صِرْتُما إلى ذلك؟ قالا: فَعَلَه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمونَ بعدَه. قال: فكذلك هذا. ثم لا فَرْقَ بين الخالةِ والعَمَّةِ، حقيقةً أو مجازًا، كعَمَّاتِ آبائِها وخالاتِهِم، وعَمَّاتِ أُمَّهاتِها وخالاتِهِنَّ، وإن عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، من نَسَبٍ كان ذلك أو من (10) رَضَاعٍ، فكلُّ شَخْصَيْنِ لا يجوزُ لأحَدِهِما أن يتزَوَّجَ الآخَرَ، لو كان أحَدُهما ذكرًا والآخرُ أنْثَى لأجْلِ القَرابةِ، لا يجوزُ الجمعُ بينهما، لتَأْدِيَةِ ذلك إلى قَطيعةِ (11) الرَّحِمِ القَرِيبةِ، لما فى الطِّباعِ (12) من التَّنافُسِ والغَيْرةِ بين
(4) تقدم تخريجه فى صفحة 513.
(5)
سقط من: أ.
(6)
سورة النساء 24.
(7)
فى م: "الزانى".
(8)
سقط من: م.
(9)
فى م: "فهل".
(10)
سقط من: ب.
(11)
فى الأصل، ب:"قطع".
(12)
فى الأصل: "ذلك".