الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دعاؤه صلى الله عليه وسلم لجابر بالبركة في ثمره فبورك له
1786 -
عن جابر بن عبد الله قال: تُوُفِّيَ أبي وعليه دَيْنٌ، فعرضتُ على غُرَمائِهِ أن يَأْخُذوا التَمْرَ بما عليه، فَأَبَوْا، ولم يَرَوْا بأَنَّ فيه وفاءً، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال:"إذا جَدَدتَه فوضعته، فآذِّني" فلما وضعتُه في الِمرْبَدِ، آذَنْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه، ودعا بالبركة، ثم قال:"ادْعُ غُرَماءَكَ، فَأَوْفِهم" فما تركتُ أَحدًا له دَيْنٌ على أبي إلَّا قَضَيْتُه، وفَضَل ثلاثة عشر وَسْقًا، سبعةٌ عجوةً، وستةٌ لَوْنٌ، أو ستةٌ [عجوةٌ] وسبعةٌ [لونٌ] ، فوافيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فذكرتُ له ذلك، فضحك وقال:"ائْتِ أبا بَكْر وعمر، وأخبرْهما" فقالا: قد علمنا إذ صنعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع أن سيكون [ذلك]. رواه البخاري (1).
دعاؤه صلى الله عليه وسلم إذ صارع ركانةَ فغلبه
1787 -
عن أبي أُمامة قال: [كان] رجلٌ من بني هاشم يقال له: رُكَانة، وكانَ من أَفْتَكِ (2) الناسِ وأَشَدِّه، وكان مشركًا، وكان يرعى غَنَمه في وادٍ يقال له: إِضَم، فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم من بيتِ عائشةَ ذاتَ يوم، فَتَوَجَّه قِبَلَ ذلِكَ الوادي، فَلَقِيَهُ رُكَانَةُ، وليس مَعَ الْنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ، فقام إليه رُكَانةُ فقال: يا محمد أنت الذي تَشْتُمُ آلِهَتنا: الْلَّاتَ والْعُزَّى، وتدعو إلى إِلِهكَ العَزيزِ الحكيم؟ ولولا رَحِمٌ بيني وبينك، ما كَلَّمْتُكَ الكلام، حتى أَقْتُلَكَ، ولكن ادْعُ إِلَهَكَ العزيزَ الحكيمَ يُنْجيكَ مني اليومَ، وسأَعْرِض عليك أَمْرًا، هل لك أن أُصارعَكَ وتدعو إلَهَكَ العزيز الحكيمَ يُعِيْنُك عَلَيَّ، وأَنا أَدْعو الْلَّاتَ والْعُزَّى، فإن أَنْتَ صرعتني فَلَكَ عَشْرٌ من غَنَمِي هذه تَخْتَارُها، فقال عند ذلك نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم:
(1) 5/ 196 في الصلح: باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة في ذلك.
(2)
في دلائل النبوة: أقتل.
"نعم إن شِئْتَ" فاتَّحدا، ودعا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلههُ العزيز الحكيم أن يُعِينَهُ على رُكَانَةَ ودعا ركانَةُ الْلَّاتَ والعْزّى: أَعِنِّي اليَوْمَ على محمد، فَأَخَذَهُ الْنبيُّ صلى الله عليه وسلم، فصَرَعَهُ، وجلس على صَدْرِهِ، فقال رُكَانَةُ: قم فلستَ أَنْتَ الَّذي فعلتَ بي هذا، إِنَّما فعله إلَهُكَ العزيزُ الحكيم وخذلت الْلات والعزى، وما وضع أَحد جَنْبِي قبلكَ، فقال له رُكَانَةُ: عد، فإن أَنْتَ صَرَعْتَني، فَلَكَ عَشْرَةٌ أُخرى تَخْتَارُها، فأخذه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ودعا كُلُّ واحد منهم إلهَهُ كما فعلا أول مرة، فصرعه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، فجلس على كَبدِهِ، فقال له رُكَانَةُ:[قم] فلَسْتَ أنتَ الَّذِي فعل بي هذا، إنَّما فعله إلَهُكَ العزيزُ الحكيم، وخذلت اللَّات والعُزَّى، وما وَضَعَ أَحَدٌ جنبي قَبْلَكَ، فقَال لهُ ركانةُ: عد فإن أنت صرعتني، فلَكَ عَشْرَةٌ أُخرى تختارها، فأخذهُ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم الثَّالِثَةَ، ودعا كُلُّ واحدٍ منهما إلَهَهُ، فصرعَه نَبيُّ الله صلى الله عليه وسلم[الثالثة]، فقال له ركانة: لْستَ أَنتَ الَّذي فَعلتَ بي هذا وإِنَّمَا فعَلهُ العَزيزُ الحكيمُ، وخذلت اللَّات والعُزَّى، فدُونَكَ ثلاثين شاةً من غنمي فاخترها، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ما أُرِيدُ ذلك، ولكن أدعوك إلى الإسلام يا ركانة، وأتعس بك أنْ تَصِيرَ إلى النَّارِ، إِنَّكَ إن تُسْلِم تَسْلَم" فقال [له ركانة]: لا، إلا أن تُرِيَني آيَةً، فقال له نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم:"اللهُ عليك شَهيد إِنْ أنا دعوتُ ربي فأريتُكَ آيةً لتجيبَني إلى ما أَدْعُوكَ إليه؟ " قال: نعم وقريبًا منهم شجرة سمر، ذات فروع وقضبان، فأَشَارَ إليها نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وقال لها:"أَقْبلي بإذْنَ اللهِ"، فانْشَقَّت باثنَتَيْن، فَأَقْبَلَتْ على نِصْفِ ساقها وقُضبانها وفروعها، حتى كانت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين رُكانة، فقال له رُكانَةُ: أَرَيتَني عظيمًا، فمُرْها فلْتَرْجِع، فقال له نبيُّ الله:["عليك الله] شهيد إِنْ أنا دعوتُ رِبِّي عز وجل أَمرْتها فرجعت [أَتُجيبني إلى ما أَدْعُوكَ إليه؟ " قال نعم، فأمرها فرَجَعَتْ] بقُضْبانِها وفُروعِها حتَّى الْتَأَمَتْ بشِقِّها، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَسْلِمْ تَسْلَمْ" فقال له ركانة: ما بي إِلَّا أَنْ أَكونَ رأيتُ عظيمًا، ولكني أَكْرَهُ أن تَتَحدَّثَ نِسَاءُ المَدِينَةِ وصِبيانُهُم أني أَجَبْتُكَ لرُعْبٍ
دخل قلبي منك، ولكن قد عَلِمَتْ نساءُ أهلِ المدينة وصبيانُهم: أنه لم يَضَعْ جنبي أحدٌ قط، ولم يدْخُل قَلْبي رُعْبٌ ساعَةً ليلًا ولا نهارًا، ولكن دُونَكَ فاخْتَرْ غنمك، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ليس لي حاجَةٌ إلى غَنَمِك إذ أَبَيْتَ أن تسلم" فانطلق نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم راجِعًا، وأقبل أبو بكر وعمر يلتمسانِه في بيتِ عائِشةَ، فأخْبَرَتْهُما أَنَّهُ توَّجه قِبَلَ وادي إضَم، وقد عرفا أَنَّه وادي رُكَانَة لا يَكَادُ يُخْطِئُه، فخرجا في طلبِهِ، وأَشْفَقا أن يلقاه رُكَانَةُ فَيَقْتُلَه، فجعلا يصعدان على كل شَرَفٍ ويَتَشَرَّفَانِ مَخْرَجًا له، إذ نظرا إلى نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم مُقْبلًا، فقالا: يا نَبيَّ الله، كيف تخرج إلى هذا الوادي وَحْدَكَ، وقد عَرَفْتَ أَنَّه جِهَةُ رُكَانَةَ، وأنه من أَفْتَكِ النَّاسِ وأَشَدِّه تَكْذِيبًا لك؟ فضحك إليهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثم قال:"أليس يقول اللهُ عز وجل: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] إِنَّه لم يكن يَصِلُ إليَّ واللهُ مَعِي" فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُهما حَدِيثَه، والذي فعل به، والذي أراه، فعَجبا من ذلك، فقالا: يا رسول الله، أَصَرَعْتَ رُكَانَةَ؟ فلا والذي بَعَثَكَ ما نَعْلَمُ أَنَّه وَضَعَ جَنْبَهُ إِنْسَانٌ قَطُّ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنِّي دعوتُ ربي فَأَعَانَني عليه، وإِنَّ ربي عز وجل أَعانَني ببضْعِ عشرة، وبِقُوَّةِ عشرة". في سنده أبو عبد الملك. قال البيهقي: أبو عبد الملك هذا علي بن يزيد الشامي وليس بالقوي، إلا أن معه ما يؤكد حديثه والله أعلم (1).
وركانة بضم الراء، وهو ركانة بن عبد يزيد، بن هاشم، بن عبد المطلب، بن عبد مناف، بن قصي الهاشمي المطَّلبي، أسلم بعد ذلك. قال ابن عبد البر: من مسلمي الفتح، وكان من أشد الناس، وهو الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يصارعه، وذلك قبل إسلامه، ففعل، وصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثًا. من حديثه: أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وخُلُقُ هذا الدِّين الحَيَاءُ"، وتُوُفِّيَ رُكَانَةُ في أَوَّلِ خلافةِ معاوية سنة اثنتين وأربعين.
(1) رواه البيهقي في دلائل النبوة.