الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني في ذكر الأوصاف
قوله: "سألت خالي هند بن أبي هالة" هو هند بن أبي هالة الأسدي التميمي، ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمُّه خديجة بنت خويلد، خلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي هالة، واختلف في اسم أبي هالة، فقيل: نبَّاشُ بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدي، وقيل: غزي بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار بن قصي. وقيل: زرارة بن نباش، وقيل: مالك بن نباش بن زرارة قتل هند بن أبي هالة مع علي بن أبي طالب يوم الجمل، وقتل ابنه هند، ابن هند مع مصعب بن الزبير يوم المختار، وقيل: إن هند بن هند توفي بالبصرة.
كان هند بن أبي هالة فصيحًا بليغًا وصافًا، قاله ابن عبد البر وقال: وصفَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأحسن وأتقن، وقد شرح أبو عبيد وابن قتيبة وصفه لذلك لما فيه من الفصاحة وفوائد اللغة.
قوله: "عن حِلْيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم"، بكسر الحاء المهملة، أي وصفه، حلية الرجل: وصفه.
وقوله: كان فَخْمًا مُفخمًا، أي: فَخْمًا في نفسه، مُفخَّمًا في أعين
الناس، يقال: رجل فخم بكسر الخاء المعجمة، أي عظيم القدر، وفَخُم الرجل فخامة، أي: ضخم، والتفخيم: التعظيم.
وقوله: "يتلألأ وجهه" أي: يلمع، ولألأ البرق: إذا لمع.
وقوله: "تلألأ القمر ليلة البدر" أي: مثل تلألئه، وفيه إشارة إلى أن إشراقه بالمعارف كان مستفادًا من فيض أنوار الحضرة القدسية عليه لمقابلته لها، وإقباله عليها، فإن البدر يشرق بما يفيض عليه من نور الشمس عند مقابلته لها. هذا مختصر قول أبي عبد الله الحكيم (1).
وقوله: "أطول من المربوع، وأقصر من المشذب"، أي: معتدل الطول، والمشذَّب بفتح الذال المعجمة: البائن الطول في نحافة، مأخوذ من الشذَبة بالتحريك، وهو ما يقطع مما يتفرق من أغصان الشجرة.
قال الكميت:
بَلْ أنْتَ في ضِئْضِى النُّضارِ من النَّبْعَةِ إذْ حَظُّ غيرك الشَّذَبُ
وقوله: "عظيم الهامة" أي: الرأس، والهامة بالتخفيف: الرأس، والجمع هام.
وقوله: "رَجِلُ الشعر" يقال: شعر رَجْلٌ وَرِجلٌ: إذا لم يكن شديد الجعودة، كأنه مُشْط متكسِّر قليلًا.
وقوله: "إن انفرقت عقيقته فرق"، أي: شعره، والعقيقة: شعر الرأس.
والوفرة بسكون الفاء: الشعر إلى شحمة الأذن.
(1) هو محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله الحكيم الترمذي، المتوفى سنة 320/ هـ، وهو غير الترمذي صاحب السنن.
ثمَّ الجُمة: بضم الجيم.
ثم اللِّمة بكسر اللام: وهي التي ألمت بالمنكبين.
وقوله: "أزهر اللون"، هو الأبيض المستنير، والزهرة: البياض النَيِّر، وهو أحسن الألوان.
وقوله: "واسع الجبين": الجبين فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، والجبهة: هي المستوى بينهما، ويسمى المسجد.
وقوله: "أزجَّ الحواجب" الزَّجَجُ: قوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداده، قاله في "النهاية" وهما حاجبان، فإذا جمعا، قيل: حواجب، لأن لكل منهما طرفين مقدَّمًا ومؤخَّرًا، أو وضع الحواجب وضع الحاجبين، لأن التثنية جمع.
وقوله: "سوابغ من غير قرن"، القرَن بالتحريك: التقاء الحاجبين، وهذا خلاف ما روت أم معبد، فإنها قالت في صفته:"أزج أقرن"، أي: مقرون الحاجبين، قال في "النهاية":
والأول أصح. أقول: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون القرن خفيفًا جدًا لا يظهر إلا بشدة التأمل كما يشاهد لكثير من الناس، وسوابغ: حال من المجرور وهو الحواجب، أي: إنها دقت في حال سبوغها.
وقوله: "بينهما عرق يدرّه الغضب؟ " أي: يمتلئ دمًا إذا غضب كما يمتلئ الضرع لبنًا إذا درَّ.
وقوله: "أقنى العِرْنين"، القنا بالقاف والنون في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع حَدَب في وسطه، والعِرْنين: الأنف.
وقوله: "يحسبه من لم يتأمله أشم" الشَّممُ: ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها لإشراف الأرنبة قليلًا.
وقوله: "كث اللحية" الكثاثة في اللحية: أن تكون غير دقيقة ولا طويلة وفيها كثافة، يقال: رجل كث اللحية بالفتح، وقوم كث بالضم.
وقوله: "أدعج" الدَّعَج والدُّعْجة: السواد في العين وغيرها، وقيل: الدَّعَج شِدَّة سواد العين في شِدَّة بياضها.
وقوله: سهل الخدين، أي: سائِل الخدين غير مرتفع الوَجْنَتَيْن.
وقوله: ضليع الفم، أي عظيمه، وقيل: واسعه، والعرب تحمد عظم الفم وتذم صغره، والضليع: العظيم الخلق الشديد.
وقوله: "أشنب" الشَّنَبُ: البياض والبريق والتَّحْدِيد في الأسنان كما يوجد في أسنان الشباب.
وقوله: "مفلّج الأسنان" الفلجُ بالفاء والجيم: فُرْجة ما بين الثنايا والرَّبَاعيات، والفَرَقُ بين الثَّنيَّتيْنِ.
وقوله: "دقيق المسرُبة". بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم الراء: هو الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة.
وقوله: "كأنَّ عنقه جيدُ دُمْيَة" الدُّمْية بضم الدال وسكون الميم وفتح الياء والمثناة تحت، قيل: إنها الصورة المصورة، وجمعها دُمى، لأنها يُتنوَّق في صنعتها ويُبالغ في تحسينها.
وقوله: "معتدل الخلق" أي: متناسب الأعضاء، والحسن عبارة عن تناسب الأعضاء.
وقوله: "بادنًا متماسكًا" البادِن: الضخم، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمينًا، فلما قال: بادنًا، أردفه بقوله: متماسكًا، وهو الذي يمسك بعض أعضائه بعضًا، فهو معتدل.
وقوله: "سواء البطن والصدر" أي مستويهما، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر فيشوش الخلقة.
وقوله: "بعيد ما بين المنكبين" المنكب: مجمع عظم العضد والكتف.
وقوله: "ضخم الكراديس" بالسين المهملة، وهي رؤوس العظام، واحدها كردوس، وقيل: هي ملتقى كل عظمين ضخمين، كالمرفقين والمنكبين، أراد: أنه كال ضخم الأعضاء.
وقوله: "أنور المتجرد"، أي: نَيّرُ لَوْن الجسم، يقال للحسن المشرق اللون: أنور، هو أفعل من النور، يقال: نار فهو نَيِّر، ونار فهو منير.
وقوله: "موصول ما بين اللبة والسُّرة"، اللبة: هي الهزْمَةُ التي فوق الصدر، وفيها تنحرُ الإبل، قاله في "النهاية". وقال الجوهري: واللَّبَّةُ: المنحر، والجمع: اللبَّاتُ، كذلك اللَّببُ، وهو موضع القلادة من الصدر من كل شيء.
وقوله: "شعر الذراعين والمنكبين" أي: هما ذو شعر، كما يقال: أشعر أبناء جِلدَتِه، أي: شاعرهم.
وقوله: "طويل الزندين" هما عظما الذراعين.
وقوله: "رحب الراحة"، واسعها وهي الكف، وجمعها: راح، وقد يكنى بسعتها عن سعة العطاء وكثرته.
وقوله: "شثن الكفين" بالشين المعجمة ثم المثلثة، ثم النون، أي: إنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك فى الرجال، لأنه أشد لقبضهم، ويذم في النساء.
وقوله: "سائل الأطراف" بالمثناة تحت، أي: ممتدها، ورواه بعضهم بالنون عوض اللام، وهو بمعناه: جبريل وجبرين.
وقوله: "خمصان الأخمصين" الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء، والخمصان: المبالغ منه، أي: إن ذلك الموضع من أسفل قدمه شديد التجافي عن الأرض. وسئل ابن الأعرابي عنه فقال: إذا خمص الأخمص بقدر لم يرتفع جدًا ولم يستو أسفل القدم جدًا، فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدًا، فهو ذم، فيكون المعنى: أن أخمصه معتدل الخمص، بخلاف الأول.
وقوله: "مسيح القدمين"، أي: مَلساوَانِ لَيِّنتانِ ليس فيهما تَكسُّرٌ ولا شِقاق، فإذا أصابهما الماء نبا عنهما.
وقوله: "إذا زال زال قلعًا"، يروى بالفتح والضم، فبالفتح هو مصدر بمعنى الفاعل، أي: يزول قالعًا لرجله من الأرض، وبالضم هو إما مصدر أو اسم، وهو بمعنى الفتح. وعن الهروي قال: قرأت على الحرف في كتاب "غريب الحديث" لابن الأنباري: قَلعًا بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهري، وهو كما جاء في حديث آخر: كأنما ينحطُّ من صبب، والانحدار من الصبب، والتقلُّع من الأرض، قريب بعضه من بعض، أراد: أنه كان يستعمل التثبت ولا يبين منه في هذه الحال استعجال ومبادرة شديدة.
وأما قوله في حديث آخر: "إذا مشى تقلَّع" أي: قوة مشية، كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعًا قويًا، لا كمن يمشي اختيالًا، ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي النساء ويوصفن به.
وقوله: "كأنما ينحطُّ من صبب"، أي: في موضع منحدر.
وفي رواية: "كأنما يهوي من صبوب"، يروى بالفتح والضم، فالفتح: اسم لما يصب من الإنسان من ماء وغيره كالطهور، والضم جمع صبب، وقيل: الصَّببُ والصَّبُوب: تَصوُّبُ نهرٍ أو طريق.
وقوله: "إذا التفت التفت جميعًا"، أراد: أنه لا يسارق النظر، وقيل: أراد: لا يلوي عنقه يَمنة ويَسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف، ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر حميعًا.
وقوله: "خافض الطرف" خفض الطرف: غضُّهُ، والخفض ضد الرفع، وخفض الطرف أجمع للحواس، ولهذا استحب للمصلي أن ينظر في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى قدميه.
وقوله: "جل نظره الملاحظة"، هي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأما الذي يلي الأنف، فالموق والماق.
وقوله: "يسوق أصحابه"، أي: يقدِّمهم أمامه ويمشي خلفهم تواضعًا، ولا يَدَع أحدًا يمشي خلفه.
وقوله: "كان متواصل الأحزان"، أي لاهتمامه بأمر الدين والآخرة، والإقبال على أحوال الإنسان بعد الموت. قال الله تعالى:{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 67، 68] والفكرة: التأمل، والاسم: الفكر والفكرة، والمصدر: الفكر بالفتح، والهاء فيه للمبالغة "كالهاء في (دين القيمة) و (خليفة).
وقوله: "يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه"، الأشداق: جوانب الفم، وإنما يكون ذلك لرُحب شِدْقيه، والعرب تمدح بذلك، ورجل أشدق: بيِّن الشَّدْق، فأما حديثه الآخر: أبغضكم إليَّ الثرثارون المتشدقون، فهم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل: أراد بالمتشدق: المستهزئ بالناس يلوي شدقيه بهم وعليهم.
وقوله: "ويتكلم بجوامع الكلم"، أي: كلامه كثير المعاني قليل الألفاظ.
وقوله: "فصلًا" أي: بيِّن ظاهر، يفصل بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى:{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} ، أي: فاصل قاطع.
وقوله: "دمثًا"، أراد: أنه كان لين الجانب في سهولة، وأصله من الدمث، وهي الأرض السهلة الرخوة.
وقوله: "ليس بالجافي ولا المهين"، أي: ليس بالغليظ الخلقة والطبع، وليس الذي يجفو أصحابه، والمهين، يروى بضم الميم وفتحها فالضم على الفاعل من أهان، أي: لا يهين من صحبه، والفتح على المفعول من المهانة: الحقارة، وهو مهين، أي حقير.
وقوله: "يعظم النعمة وإن دقت"، أي: وإن صغرت سواء كانت من نعم الله تعالى عليه أو من صنيع الناس، فطبيعي للمنعم عليه أن يرى صغير النعم عظيمًا، وللمنعم بالعكس، قال:
زاد معروفك عندي كرمًا
…
أنَّه عندك مستورٌ حقير
وتناسيت كأن لم تأته
…
وهو عند الله مشكور كبير
وقوله: "لم يذم ذواقًا" الذواق: المأكول والمشروب، فعال بمعنى مفعول، من الذوق يقع على المصدر والاسم، يقال: ذقت الشيء أذوقه ذوقًا وذواقًا، وما ذقت ذواقًا، أي: شيئًا.
وقوله: "فإذا غضب أعرض وأشاح" بالشين المعجمة والحاء المهملة، قال الجوهري: وأشاح بوجهه: أعرض، وعلى هذا فإنما جاز العطف لاختلاف اللفظ، وقيل: معناه: مالَ وانقبضَ.
وقوله: "جُلَّ ضحكه التبسُّم"، أي: معظمه، وجلُّ كل شيءٍ بالضم: معظمه.
وقوله: "يفتر عن مثل حب الغمام"، يعني: البرد، شبه به ثغره في بياضه وصفائه وبرده.
وقوله: "ووجدته قد سأل أباه" - يعني علي بن أبي طالب -، وقد اجتمع في رواية الحسن عن أخيه عدة نكت.
منها: أنه اجتمع فيه رواية ثلاثة من الصحابة بعضهم عن بعض، ورواية أخوين أحدهما عن الآخر، عن أبيهما.
ومنها: أنه من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر، فإنَّ الحسن أكبر من الحسين.
ومنها: أنه رواية ثلاثة من ولد أبي طالب بعضهم عن بعض.
ومنها: أنه رواية ثلاثة من الأئمة بعضهم عن بعض، فإن الحسين رضي الله عنه طلبه أهل الكوفة وأعطوه عهودهم بالإمامة.
ومنها: أن رجال سنده أشرف الرجال نسبًا، الحسن والحسين، أبوهما أول هاشمي ولد بين هاشميين، وأمهما سيدة نساء العالمين، وجدهما سيد الخلق أجمعين، وجدتهما سيدة النساء كافة بعد مريم، وعمهما جعفر ذو الجناحين، وعم أبيهما سيد الشهداء، وخالهما إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، له ظئر يتمم رضاعه في الجنة.
ومنها: أنهم ثلاثة ماتوا شهداء كلهم: علي والحسين كما علم، والحسن مات مسمومًا.
ومنها: أنه رواية ثلاثة من أهل البيت بعضهم عن بعض.
وقوله: "كان دخوله لنفسه مأذونًا له فيه"، إما من الاستئذان المشروع إذا أراد الرجل أن يدخل، وإما من أذن الله تعالى له في دخوله، وأنه كان لا يدخل إلا بإذن من الله تعالى.
وقوله: "جزأ دخوله ثلاثة أجزاء"، أي جزأ الزمان الذي يكون فيه في بيت نفسه ثلاثة أجزاء، والجزء: النصيب والقطعة من الشيء، وجزأت الشيء: قسمته، وهذه الأجزاء الثلاثة أربعة في الحقيقة، لأن الجزء الذي لنفسه مقسوم بينه وبين الناس، وذلك لأن الناس متقاربون في الفهم، فلم يكن مجلسه العام يحتمل إلا الكلام الجلي، وأما الأمور الكلية، وقواعد الشريعة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخص له الخاصة أهل الفهم خلوة في جزء نفسه، ثم الخاصة بعد وهمها لها وإحكامها يرجع بها على العامة بطريق التعليم والتفهم، لا بطريق الإلقاء دفعة واحدة، فيفهم منها القاصر الفهم خلاف المعنى المقصود، ويؤدي ذلك إلى خبط عظيم.
وقوله: "فمنهم ذو الحاجة"، أي: ذو المسألة والمسألتين من المسائل الدينية.
وقوله: "يدخلون روَّادًا ويخرجون أدلة على الخير"، أي: يدخلون عليه طالبين للعلم، وملتمسين الحكم من عنده، ويخرجون أدلة هداة للناس، والرواد: جمع رائد، مثل: زائر وزوار، وأصله: الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث، وقد راد يرود ريادًا.
وقوله: "ولا يتفرَّقون إلا عن ذوّاق" ضرب الذَّواقَ مثلًا لما ينالون عنده من الخير، أي: لا يتفرقون إلا عن علم وأدب يتعلَّمونه، يقوم لأنفسهم وأرواحهم مقام الطعام والشراب لأجسادهم.
وقوله: "من غير أن يطوي عن أحد منهم بِشرَه"، هو طلاقة الوجه وبشاشته.
وقوله: "لكل حال عنده عَتادٌ"، بالعين المهملة، والتاء فوق، والدال المهملة، أي: ما يصلح لكل ما يقع من الأمور، قاله في "النهاية".
وقوله: "فصار لهم أبًا"، أي: مثل الأب في الشفقة والحنوّ ووجوب تعظيمه عليهم.
وقوله: "ولا تُؤبَنُ فيه الحُرَمُ"، بالباء الموحدة، أي: لا يذْكرنَ بقبيح، كان يُصانُ مجلسه عن رَفث القول، يقال: أَبَنتُ الرجل أَبِنُهُ وأَبُنُهُ: إذا رميته بخلة سوء، فهو مأبون، مأخوذ من الأبَن وهي العُقد تكون في القِسِيِّ تُفسدها وتعابُ بها.
وقوله: "ولا تُنثى فَلتاتُه"، أي: لم يكن في مجلسه فلتات فتحفظ وتحكى، والفلتات جمع فلتة، والفلتات: الزلات.
وقوله: "ليس بفظّ ولا غَليظ" رجل فظ، أي: سيء الخلق.
وقوله: "ولا سخَّاب" بالسين المهملة والخاء المعجمة: هو الصياح واضطراب الأصوات للخصام.
وقوله: "ولا فحاش"، الفحش: كل سوء جاوز الحد.
والعيَّاب بالعين والياء المثناة تحت: الذي يذكر عيوب الناس، وفعَّال ها هنا ليس للمبالغة، بل للنسب، كقوله: وليس بذي سيف وليس بنبَّال.
وقوله: "ولا يعيره"، أي: لا يذكر له ما يلحقه من ذكره عار، والعار: العيب والسُّبَّة. قال الجوهري: يقال: عيَّرهُ كذا من التَّعيير، والعامة تقول: عيَّره بكذا. قال النابغة.
وعيَّرتني بنو ذُبيانَ رَهبتُهُ
…
وهل عليَّ بأن أخشاكَ من عارِ
وقوله: "كأنما على رؤوسهم الطير" وصفهم بالسكون والوقار، أنهم لم يكن فيهم طيش ولا خِفَّةٌ، لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن.
وقوله: "ولا يطلب الثناء إلا من مكاف"، قيل: معناه: مقتصد في ثنائه ومدحه، وقيل: إلا من مسلم، وقيل: إلا من مكافٍ على يد سبقت من النبي صلى الله عليه وسلم إليه.
وقوله: "ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز"، أي: يميل عن الحق والصواب، فحينئذ يقطعه بردعه عنه، أو مفارقة المجلس.
وقوله: في حديث علي: "ليس بالطويل المُمَّغِط" بتشديد الميم وفتحها وكسر الغين المعجمة وبالطاء المهملة، أي المتناهي الطول، وأصله منمغط، والنون للمطاوعة، فقلبت ميمًا وأدغمت في الميم، ويقال بالعين المهملة أيضًا.
وقوله: "لم يكن بالمُطهَّم ولا بالمكلثم" المطهَّم: المنتفخ الوجه، وقيل: الفاحش، وقيل: النحيف الجسم، وهو من الأضداد، والمكلثم: وهو من الوجوه: القصير الحنك، الداني الجبهة، المستدير مع خفة اللحم، أراد: أنه كان أسِيلَ الوجه ولم يكن مستديرًا.
وقوله: "أهدب الأشفار"، وفي رواية:"هدب الأشفار"، أي: طويل شعر الأجفان، والشُّفر بضم الشين المعجمة: حرف جَفنِ العين الذي ينبت عليه الشعر.
وقوله: "جليل المشاش"، أي: عظيم رؤوس العظام الليِّنة التي يمكن مضغها.
والكَتَد بفتح المثناة فوق وكسرها: مجتمع الكتفين وهو الكاهل.
وقوله: "أجرد ذو مسرُبة"، الأجرد: الذي ليس على بدنه شعر، ولم يكن كذلك، وإنما أراد أن الشعر كان في أماكن من بدنه كالمسربة والساعدين والساقين، فإن ضد الأجرد الأشعر، وهو الذي على جميع بدنه شعر.
وقوله: "شَثن الكفَّينِ"، أي: يميلان إلى الغلظ، وقد تقدم ذكره.
وقوله: "وأصدق الناس لهجة"، أي: لسانًا، واللهجة: اللسان.
وقوله: "وألينهم عريكة" أي: طبيعة، والعريكة: الطبيعة، يقال: فلان لين العريكة: إذا كان سلسًا مطاوعًا منقادًا، قليل الخلاف والنفور.
وقوله: "من رآه بديهة"، أي: مفاجأة وبغتة، يعني: من لقيه قبل الاختلاط به هابه لوقاره وسكونه، فإذا جالسه وخالطه بَانَ له حسن خلقه.
قوله: "في حديث مقاتل لعيسى عليه السلام: يا ابن الطاهر البكر البتول" تهييج له على امتثال ما يؤمر به، والقيام به، فإن الابتداء في الخطاب بمثل هذه الصفات الطاهرة المنعم بها عليه توجب ذلك، والبتول من النساء: العذراء المنقطعة عن الأزواج، ويقال: المنقطعة إلى الله تعالى عن الدنيا، والطاهر بغير هاءٍ: من الحيض، وبالهاء: من النجاسة والعيوب، فهي من الحيض طاهر، ومن النجاسة والعيوب طاهرة.
وقوله: "أنا خلقتك"، أي: لا غيري، والآية: العبرة والبرهان، لأن تولّدَه على خلاف المعتاد، برهان على برهان، وكان خلقه على هذا المثال مقابلًا لخلق حواء، لأن حواء خلقت من آدم من غير أم، وعيسى خلق من أم من غير أب، وآدم خلق من غير أب وغير أم، وسائر الناس خلقوا من أم وأب، فتمت بخلق عيسى عليه السلام القسمة العقلية.
وقوله: "فإياي فاعبد"، أي: لا تعبد معبودًا سواي.
وقوله: "بلغ من بين يديك"، أي: بني إسرائيل، لأنه بعث إليهم.
وقوله: "صدقوا النبي الأمي صاحب الجمل"، أي العربي، لأن الجمال أكثر مال العرب، فلذلك خص بالذكر.
والهراوة: القضيب، كان صلى الله عليه وسلم يمسك العصا بيده ويصلِّي إليها، وتحمل بين يديه، فنسب إليها.
وقوله: "الصلت الجبين"، أي: الواسع الجبين، وقيل: الأملس، وقيل: البارز.
و"الأنجل العينين": أي: واسعهما، والنجل بالتحريك: سعة شق العين.
والتراقي: جمع ترقوة، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر من جانبيه، وهما ترقوتان.
وقوله: "بيت من قصب"، أي: لؤلؤ مجوف واسع، كالقصر المنيف.
والصخب: الصياح، مثل السخب، تبدل الصاد سينًا.
والنصب: التعب.
وقوله: "يكفله في آخر الزمان"، أي: في آخر زمان احتياجه إلى من يكفله بما يحتاج إليه من المؤن قبل نبوته، فإذا نبئ دخل في حكم حفظ الله تعالى ورعايته، وجعل رزقه تحت ظل رمحه.
وقوله: "كلامه القرآن"، أي: كتابه الذي يأتي به.
وقوله: "من تسنيم" علم للعين بعينها، سميت بذلك، لأنها أرفع شراب أهل الجنة.
قوله: في حديث وهب بن منبه: "أوحى الله إلى شعيا" هو شعيا صاحب صديقة الملك، آخر من ملك من ولد داود، كان الملك في داود وبينه إلى آخر أيام صديقة أربعمائة سنة وثلاثًا وخمسين سنة، وشعيا: هو الذي بشر يعيسى ومحمَّد صلى الله عليه وسلم، ويقال: إن بني إسرائيل قتلوا شعيا بعد موت صديقة، فسلَّط الله عليهم عدوهم فشرَّدهم وأفناهم قال ابن إسحاق: نشروه بالمنشار، وأقام الشام خرابًا ليس فيه غير السامرة سبعين سنة، والملك لأهل بابل.
وقوله: "إني قضيت على نفسي" هذا الأسلوب أوقع عند السامع، فلذلك خوطبوا به، لأنه أدعى لطلب الجواب وسماعه بإقبال القلب.
وقوله: "إني قضيت على نفسي أمرًا حتمًا" إشارة إلى ما كان مكتوبًا في الزبور (من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قال بعض المفسرين: هو وراثة أمة محمد صلى الله عليه وسلم للأرض المقدسة، أي: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والزبور: زبور داود، والذكر: التوراة، وقيل: اسم جنس لما أنزل على الأنبياء من الكتب، والذكر: اللوح المحفوظ، ولما علم الله تعالى من بني إسرائيل اللجاج والحجاج، صدر ذلك بذكر أفعاله الجارية على غير قياس، ولا يهتدى إلى وجه الحكمة فيها، ليوطنوا أنفسهم على قطع القول بأن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل وراثة، ويعلموا أن الله تعالى يحكم ما يريد.
وقوله: "وأنا الله إلههم يدعونني فلا أستجيب لهم" وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} أن القضاء قسمان: مطلق، ومعلق، فالمطلق وهو المبرم لا بد من وقوعه، وفائدة الأمر بالدعاء فيه تضعيف الثواب والأجر عليه، والمعلق موقوف على نحو الدعاء، وصلة الرحم، والصدقة. ولما كان لكل منهما. مغيبًا عن الخلق، وجب التوجه والدعاء لكل بلاء، فيصادف الإجابة والدفع في المعلق، وتضعيف الثواب في المطلق. وفي جعل هذه الأشياء
المذكورة في أضدادها دليل قاطع على قدرة الله تعالى واختياره واستقلاله.
وقوله: "والملك والحكمة في الرعاء" أي: النبوة؛ فعل مع داود عليه السلام، فإنه لما أمر طالوت بطلبه وجد يرعى غنمًا، فأخذ من الرعاية، وأعطي الملك والنبوة، وبقي في عقبه كما قدمنا ذكره، اجتمعت بنو إسرائيل على داود، ولم تجتمع على ملك قبله.
وقوله: "والنبوة في الأجزاء" أي: كما فعل مع موسى عليه السلام، فإن النبوة فاجأته، وقد كان أجيرًا لشعيب عليهما السلام.
وقوله: "والعز في الأذلاء" أي: كما فعل معهم بعد ذلهم مع فرعون وعليهم له بعد استرقاقه لهم، والعز بغير هاءٍ: الغلبة. قال:
قطاة عزَّها شرك فبانت
…
تجاذبه وقد علق الجناح
ومنه قوله تعالى: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} وكذلك:
قوله: "والقوة في الضعفاء"، فإنهم كانوا بالنسبة إلى قوة فرعون وسلطانه في غاية الضعف، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ. .} الآية [البقرة: 49]، فإن مثل هذا التحكم إنما هو لضعفهم، وكذلك قوله:"والعزة في الأقلاء" فإن موسى عليه السلام كان وحده ليس معه سوى أخيه هارون عليهما السلام، وفرعون معه جنوده وأعوانه وسحرته، فأعز الله تعالى موسى عليه السلام، وخذل فرعون.
وقوله: "والعلم في الجهلة، والحكمة في الأميين"، إشارة إلى العرب فإن العرب كانوا في غاية البعد عن علم النبوة، وهم الأميُّون نسبة إلى الأم لبقائهم على الجهالة الأولى.
وقوله: "فإني باعث لذلك نبيًا أميًا"، إشارة إلى ما تقدم من فعل هذه الأفعال التي كان لهم مثلها، وأن ذلك يتممه ببعثه نبي أمي هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "أعمى من عميان"، أي: لعدم إلفه وإلفهم بالحكمة والكتاب، فهم بالنسبة إلى ذلك كالغريب، والغريب أعمى.
وقوله: "ضالًا من ضالين" أي: عن علم الشرائع المتعلقة بالسمعيات.
وقوله: "أنا الله رب الأرباب. . . إلى آخره"، إشارة إلى جواب سؤال مقدر، كأن قائلًا سأل لما بهذه الأحكام المتباينة: ما باله يفعل هكذا؟ فوقع الجواب بما ترى، ومعناه: أنه المنشئ والخالق والمالك لكل الموجودات، ومن شأن المالك المطلق، التصرف في ملكه كما يشاء، فمق اعترض عليه فهو أحمق.
وقوله: "رفعت السماء فمددتها" أي: جعل ذهابها في جهة العلو مديدًا.
وقوله: "ووضعت الأرض فدحيتها"، أي: بسطتها ومهدتها للسكنى، وهو من ذوات الواو، فجاء بالياء للازدواج.
وقوله: "ونصبت الجبال فأرسيتها" أي: ثبتها، من رسا الشيء: إذا ثبت.
وقوله: "وجعل النسيم والأرواح في جوف أهلها" أي: أحيا الأبدان بها، وهي جمع نسمة، وهي النفس والروح، وكل دابة فيها روح، فهي نسمة، والأرواح جمع روح، وهي ما به يصير الحيوان حيًا، لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى.
وقوله: "أدعو عبدي للصدق": أي: هذا النبي الأمي أدعوه لأجل تحقيق الصدق فيما وعدت به من إتمام هذا الأمر الموعود به.
وقوله: "وتابعته بالحق"، أي: بدين الحق.
وقوله: "وأؤيده على البلاغ" أي: أقويه.
وقوله: "وأنزل عليه روحي" أي: جبريل عليه السلام، مثل:{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: 17]، والروح من أعاء جبريل مطلقًا ومضافًا.
وقوله: "يمر على القضيب الزعزاع" أي: المتزعزع، أي: المتحرك فيسكن تحته، والزعزعة: تحريك الشيء.
وقوله: "يحكم بالقسط"، أي: بالعدل.
وقوله: "ويجوز حكمه خلف البحار" أي: يجاوزها لانتشاره وظهوره وغلبته.
وقوله: "أبعثه شاهدًا"، حال مقدرة، أي: على من بعث إليهم، وهم أمة الدعوة.
وقوله: "وأختن به قلوبًا غلفًا"، أي: أطهرها وأزيل ما غلب عليها من الشبه والشرك، فغطاها تغطية الغلفة الحشفة حتى تصير نيرة قابلة للحق.
وقوله: "وأخرج به العميان من الظلمات إلى النور"، أي: أخرج الكفار من الكفر الذي هو كالظلمة، إلى الإيمان الذي هو كالنور.
وقوله: "أفك به الأسارى من الرباط"، أي: أسارى الشهوات من رباط شهواتهم، أو أسارى الكفر من رباط ضلالتهم، أو أسارى المؤمنين من رباط الكفار.
وقوله: "وأهب له"، يقال: وهبه، ووهب منه، ووهب له.
وقوله: "وأجعل السكينة لباسه" أي: الوقار والسكون.
وقوله: "والبر شعاره"، أي: الإحسان علامته.
وقوله: "والتقوى ضميره"، أي: ما عقد عليه نيته وقصده وأعماله بأسرها خالصة.
وقوله: "والحكمة معقودة"، أي: العلم والعمل معقودان عنده فلا ينفك أحدهما عن الآخر.
وقوله: "والصدق والوفاء طبيعته"، أي: طبع عليهما وجبل.
وقوله: "والمعروف خلقه"، أي: النصفة وحسن الصحبة، والمعروف، اسم جامع لكل ما عرف من طاعة وقربة وإحسان.
وقوله: "والحق شريعته"، الحق خلاف الباطل، أي: يدور مع الحق فلا يرد غيره، والشريعة: ما شرعه الله تعالى لعباده، أي: سنه وافترضه عليهم من شريعة الماء مورد الإبل على الماء الجاري.
وقوله: "وأكثر به بعد القلة"، كما جرى، فقال تعالى:{وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86].
وقوله: "وأغني به بعد العيلة"، أي: بعد الفقر كما وقع، فصار رعاء الشاة يتطاولون في البنيان.
وقوله: "وأجمع به بعد الفرقة"، أي: كما وقع، وقال تعالى:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} الآية [الأنفال: 63].
وقوله: "وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس" أي: أظهرت.
وقوله: "يأمرون بالمعروف. . . إلى آخره"، بيان لوجه خيرتهم، وأنهم باجتماع هذه الخصال فيهم صاروا خير الناس، لأنها لم تجتمع في أمة سواهم، بل إن كان فيهم البعض أعوزهم البعض.
وقوله: "ألهمهم التوحيد" أي: قذف بالإسلام في قلوبهم،
وقوله: "ومنقلبهم ومثواهم"، أي: منقلبهم في معاشهم ومتاجرهم، ومثواهم حيث يستقرون ويسكنون.