الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المنى فافتقد طيب النفس فهانت عليه نفسه واستحقرها، فعلته المهانة، وصغر قدره وتلاشت قيمته.
وأنشدوا:
وإذا لم يكن من الذل بد
…
فالق بالذل إن لقيت كبارا
ليس إجلال الكبار بذل
…
إنما الذي أن تجل الصغارا
فصل (37): استحباب استعانة الآمر الناهي بالله والاعتصام به وخاصة عند عجزه عن مجاهدة نفسه وعن القيام بحقوق الله
ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مستعينًا بالله -تعالى- معتصمًا به عند عجز النفس عن إحتمال الأمر والنهي، وعند عجزه عن المجاهدة لنفسه عن القيام بحقوق الله-عز وجل ألأن الاستعانة طلب المعونة والتأييد والتوفيق.
قال الله تعالى: {ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم}
وقال تعالى: {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}
قال بعض العارفين: الاعتصام بالله حسن الاستقامة بدوام الاستعانة، وهذا اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولجوء وعبادة، فالاستعانة بالله والاعتصام به هو العمدة في الهداية والعدة في مباعدة الغواية والوسيلة إلى الرشاد وطريق السداد وحصول المراد.
وفي صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قدر الله وماشاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).
قال العلماء: المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالة.
وقوله: إحرص -بكسر الراء.
وقوله: أحمد، وجامع الترمذي فلي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حين كان رديفه فقال فيه:" .. وإذا استعنت فاستعن بالله" وهذا منتزع من قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين} وهي كلمة عظيمة جامع يقال: إن سر الكتب الإلهية يرجع إليها وتدور عليها. والله أعلم.
قال تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح عليه السلام حين كذبه قومه {وقالوا مجنون .. } {فدعا ربَّه أني مغلوب فانتصر} أي ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك.
قال تعالة: {ففتحنا أبواب السماء بمار منهمر} أي كثير ونبعت الأرض كلها حتى أخذ الله بثأر "نوح" وأغرقهم عن آخرهم ونجى نوحًا وأهله.
قال تعالى: {فلنعم المجيبون} .
أي فنحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه ونجيناه وأهله من الكرب العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق "وجعلنا ذريته هم الباقين}.
وقرأ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وابن الزبير رضي الله عنهم قوله: "ولتكن
منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمررون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابه" ولكن لم تثبت هذه القراءة في سواء المصحف فلا يكون قرآنًا بل قالوها على وجه التفسير. وفيها إشارة إلى الاستعانة بالله فيما يصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر وتجرع مشاقه وأن ذلك سبب لنصره والاستظهار على الأعداء.
كما قال تعالى: { .. ثم بغى عليه لينصرنه الله}
وروى الحافظ أبو نعيم- في الحلية- بسنده عن عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه في الطريق فقلت: حدثني حديثًا أحفظه عنك في مقامي وأوجز قال: أوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام: "ياداود أما وعزتي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهن فرجًا ومخرجًا أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده وأرسخت الأرض من تحته ولا أبالي في أي واد هلك.
وفي استعانة العبد بالله -تعالى- وجد فائدتان:
أحدهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات وإزالة المنكرات.
الثاني: لا بد من معين على مصالح دينه ودنياه ولا يكون ذلك إلا من الله سبحانه وتعالى فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول.
كما قال تعالى: {وما النَّصر إلا من عند الله} يعني هو الذي نصر من أراد بحكمته ولو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم.
من غير احتياج إلى قتالكم، كقوله -سبحانه- بعد أمره المؤمنين بالقتال:{ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} .
وقوله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده}
ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} .
وفي الحديث الصحيح المتقدم قريبًا قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) وكان أيضًا: يعلم أصحابه أن يقولوا: (الحمد لله نستعينه ونستهديه) الحديث.
وفي دعاء القنوت الذي كان عمر وغيره يدعو به: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك
…
)
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيتهن واستهداك فهديته واستعان بك فأعنته واستنصرك فنصرته).
وفي سنن البيهقي ومعجم الطبراني، وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: " ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى عليه السلام حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟ فقلنا بلى يارسول الله، فقال:(قولوا اللهم لك الحمد واليك المشتكى، وأنت المستعان وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وأمر صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك) رواه أحمد، والنسائي وغيرهما فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب النبي عليه السلام لبنيه {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} .
ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها -هذه الكلمات لما قال أهل الإفك ماقالوا و {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} .
وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قال رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون} .
ولما دخلوا على عثمان بن عفان رضي الله عنه وضربوه: جعل يقول -والدماء
تسيل عليه: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعينك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني".
وروى أبو بكر بن السني وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا مع النبص لى في غزوة فلقي العدو فسمعته يقول: (يامالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين).
وروى أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أبي طلحة: ولقد رأيت الرجال تصرع وقال عمر بن الخطاب في أول خطبة خطبها على المنبر: ألا إن العرب جمل أنف قد أخذت في خطامه، ألا وإني حامله على المحجة مستعيناً بالله - تعالى عليه - في مصالح دينه ودنياه.
كما قال الزبير بن العوام رضي الله عنه في وصيته لابنه عبد الله: إن عجزت فاستعن بمولاي، فقال له ابنه: يا أبت من مولاك؟ قال: الله -تعالى- قال: فما وقعت في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه.
ولما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله إنه ليسوء، يعني الموت.
قال خالد: أجل فأستعين بالله عز وجل.
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير -عند موته: إني أستعين الله على مصرعي هذا فالملهوف إذا صدق في الإستعانة به - سبحانه- وحده، كاشفًا للكرب يخلصه منها.
ولبعضهم:
فاستعن بالله واستعنه
…
فإنه خير مستعان
ومن كلام بعض المتقدمين: يارب عجبت لمن يعرفكن كيف يرجو غيرك عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك.
وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليهما- لا تستعين بغير الله يكلك الله إليه. انتهى.
كما قيل:
من استعان بغير الله في طلب
…
فإن نصرته عجز وخذلان