الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يوم الفتح بوضوء واحد (ومسح على خفيه) فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه.
قال: (عمدًا صنعته يا عمرا)
ونظائر هذا كثير في السنة. وقد بوب النواوي - أيضًا - على مثل ذلك فقال: باب وعظ الإنسان من هو أجل منه.
وأورد حديث ابن عباس الآتي في فضل الرفق من رواية البخاري عند قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالمعروف}
ثم قال: (وأما الأحاديث بنحو ما ذكرنا فأكثر من أن تحصر، وأما ما يفعله كثير من الناس من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، وتوهمهم أن ذلك حياء فخطأ صريح وجهل قبيح، فإن ذلك لير بحياء، وإنما هو خور ومهانة وضعف وعجز، فإن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلاّ بخير، وهذا يأتي بشر، فليس بحياء، وإنما الحياء عند العلماء الربانيين والأئمة المحققين خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق).
انتهى والله أعلم.
وأما ترك الإنكار على ذي الشيبة إكرامًا له وتوقيرًا (فلا) شاهد معصية من شيخ فيستحي منه لشيبته أن ينكر عليه، لقوله.صلى الله عليه وسلم:(إن من إجلال (الله) إكرام ذي الشيبة المسليم
…
). فهذا الحياء حسن. وأحسن منه أن يستحي من الله فلا يضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالقوي يؤثر الحياء من الله على الحياء من الناس.
فصل - (13): وجوب نهي أهل الذمة من المنكر كزواج كتابي مسلمة أو عرضهم الخمر ولحم الخنزير للبيع بين المسلمين:
ويتعلق بهذا من المأمورين بالمعروف والمنهيين عن المنكر أهل الذمة، قال ابن مفلح: (وإن فعلوا أمرًا محرمًا عندنا مما فيه ضرر وغضاضة على المسلمين، يمنعون منه
ويدخل فيه نكاح كتابي مسلمة، ويدخل فيه ما ذكره القاضي أبو يعلى - في جزء له: أنهم إن تبايعوا بالربا في سوقنا منعوا، لأنه عائد بفساد نقدنا. وظاهر هذا أنا لا نمنعهم في غير سوقنا والمراد إن اعتقدوا حله وظاهر هذا بل صريحه أن الأشهر منعهم مطلقًا، لأنهم كالمسلمين، في تحريم الربا عليهم كما ذكروه في باب الربا. ويدخل فيه ما ذكره القاضي في هذا الجزء أنه لا يجوز أن يتعلموا الرمي وكذا يمنعون مما يتأذى المسلمون به كإظهار الخمر والخنزير وأعيادهم وصليبهم وضرب الناقوس وغير ذلك إن أظهروا بيع مأكول في نهار رمضان، كالشواء ونحوه يمنعون منه).
قال أبو القاسم الخرقي- في كتاب الغصب-: (ومن أتلف لذمي خمرًا أو خنزيرًا فلا غرم عليه وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه).
وقال صاحب الرعاية الكبرى: ولا يعرض أحد لخمر ذمي سترها وأخفاها في بيعها وشرائها وشربها.
قال الشيخ موفق الدين بن قدامة: وجملة ذلك أنه لا يجب ضمان الخمر والخنزير سواء كان متلفه مسلمًا أو ذميًا لمسلم أو ذمي (نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهريق مسكرًا لمسلم أو لذمي خمرًا أو خنزيرًا فلا ضمان عليه وكذلك الخنزير) وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجب ضمانها إذا أتلفهما على ذمي.
قال أبو حنيفة: إن كان مسلمًا بالقيمة، وان كان ذميًا بالمثل، لأن عقد الذمة إذا عصم عينًا قومها كنفس الآدمي وقد عصم خمر الذمي، بدليل أن المسلم يمنع من إتلافها فيجب أن يقومها، ولأنها مال لهم يتمولونها، بدليل ما روي عن عمر أن عامله كتب إليه، أن أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب إليه عمر، ولوهم بيعها وخذوا منها عشر ثمنها، وإذا كانت مالًا لهم وجب ضمانها كسائر أموالهم.
ولنا أن جابرًا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) متفق على صحته وما حرم بيعه لا لحرمته لم تجب قيمته كالميتة، ولأن ما لم يكن مضمونًا في حق المسلم لم يكن مضمونًا في حق الذمي كالمرتد، ولأنها غير متقومة فلا تضمن كالميتة. ودليل أنها غير متقومة في حق المسلم فكذلك في حق الذمي
فإن تحريمها ثبت في حقهما وخطاب النواهي يتوجه إليها، فما ثبت في حق أحدهما ثبت في حق الآخر ولا نسلم أنها معصومة بل متى ظهرت حلت إراقتها ثم لو عصمها ما لزم تقويمها فإن نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون (من) غير متقومين.
وقولهم: (إنها مال عندهم ينتقض بالعبد المرتد فإنه مال عندهم. وأما حديث "عمر" فمحمول على أنه أراد ترك التعرض لهم وإنما أمر بأخذ عشر أثمانها، لأنهم لم ذا تبايعوا وتقابضوا حكمنا لهم بالملك ولم ننقضه. وتسميته أثمانًا مجاز كما سمى الله - تعالى - ثمن "يوسف" ثمنًا. فقال:{وشروه بثمن بخس .... } انتهى.
قال أبو العباس بن تيمية: وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فإنهم يعاقبون بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم.
قال ابن مفلح: (وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور ولم نجد فيه خلافًا) انتهى.
وسيأتي الكلام على ذلك مكانه - في الباب الخامس - والله أعلم.
ثم قال ابن قدامة: (وأما قول الخرقي: وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه فلأن كل ما اعتقدوا حله في دينهم مما لا أذى للمسلمين فيه من الكفر وشرب الخمر واتخاذه ونكاح ذوات المحارم لا يجوز لنا التعرض لهم فيه إذا لم يظهروه، لأننا التزمنا لم قرارهم عليه في دارنا فلا نعرض لهم فيما التزمنا تركه، وما أظهروه من ذلك تعين إنكاره عليهم فإن كان خمرًا جاز إراقته، وإن أظهروا صليبًا أو طنبورًا جاز كسره. وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين).
قال ابن عبد القوي - في نظمه:
وإن جهر الذمي بالمنكرات في الشريعة يزجر دون محق ثم قال ابن قدامة رحمه الله: (فصل وإن غصب من ذمي خمرًا لزمه ردها، لأنه لا يقر على شربها وإن غصبها من مسلم لم يلزمه ردها ووجب إراقتها، لأن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا فأمره بإراقتها).
وإن أتلفها أو تلفت عنده لم يلزمه ضمانها لأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
(إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه).
ولأن ما حرم الانتفاع به لم يجب ضمانه كالميتة والدم. فإن أمسكها في يده حتى صارت خلا (لزم ردها على صاحبها لأنها صارت خلا على حكم ملكه فلزم ردها إليه فإن تلفت ضمنها له، لأنها مال للمغصوب منه تلف في يد الغاصب. وإن أراقها فجمعها إنسان فتخللت عنده لم يلزمه رد الخل، لأنه أخذها بعد إتلافها وزوال اليد عنها) انتهى.
وفي كتاب الغصب من شرح الخرقي لعلي بن محمد بن أبي بكر الأصبهاني مسائل: منها إذا أتلف المسلم لذمي ما لا حرمة له كالخمر والخنزير ونحوهما لا يضمنه، لقوله صلى الله عليه وسلم:(إنّ الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه) وأنه يحرم الانتفاع بها فهي كالميتة.
ومنها: أنه يمنع المسلم من الإنكار على الذمي فيما أخفوه من دينهم، لأن عقد الأمان وأخذ الجزية إنما كان لإقرارهم على ما يعتقدونه بخلاف ما إذا أظهروه لأنهم التزموا إخفاءه ومقصود "الخرقي" ما لم يكن فيه أذى للمسلمين كشرب الخمر ونكاح ذوات المحارم لأننا التزمنا إقرارهم عليه إلاّ إذا كان فيه أذى للمسلمين فإنه لا يمنع المسلم من الإنكار عليهم كما تقدم.
قال أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله فيما إذا أظهر واحد منهم الأكل في شهر رمضان بين المسلمين ينهون عنه، فإن هذا من المنكرات في دين الإسلام كما ينهون عن إظهار شرب الخمر ولحل لحم الخنزير. انتهى.
وقد روي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان ينهى النصارى أن يدخلوا الخمر فسطاط المسلمين وجماعتهم وأمرهم أن يجعلوا خمرهم خارجًا من الفسطاط ونهاهم أن ينقلوها من قرية إلى قرية.
قال العلما، : (وإن ترك أهل الذمة التمييز على المسلمين في أحد أربعة أشياء، لباسهم وشعورهم وركوبهم وغير ذلك ألزموا به وإذا تبايعوا الربا في أسواقنا. فالأشهر من مذهب الإمام أحمد منعهم مطلقًا، لأنهم كالمسلمين في تحريم الربا عليهم.
وإذا فعلوا محرمًا عندهم غير محرم عندنا لم نتعرض لهم ولم نعتزلهم وندعهم على فعلهم، سواء أسروه أو أظهروه وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد وغيرهم، لأن الله - تعالى - منعنا من قتالهم والتعرض لهم بما التزموا به من الجزية. والصغار هو جريان أحكام المسلمين ومن المقصود إقامة أمر الإسلام وهو حاصل لا بأمر دينهم المبدل المغير ولأن الإنكار عليهم والتعرض لهم فيه يفتقر إلى دليل.
والأصل عدمه، لأن من كان منهم فاسقًا في دينه قد يترتب عليه شيء من أحكام الدنيا فلا تصح شهادته مطلقًا ولا وصيته إلى غيره ولا وصية غيره إليه - ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية.
قال أصحاب أحمد - رحممم الله -: ولا يمنعون أهل الذمة من نكاح محرم بشرطين:
أحدهما: أن يرتفعوا إلينا.
والثاني: أن يعتقدوا حله في دينهم، لأن ما لا يعتقدون حله ليس من دينهم فلا يقرون عليه كالزنا والسرقة وغير ذلك.
قال أبو عبد الله بن مفلح: وهذا الحكم من أصحابنا في هذه المسألة بهذا التعليل دليل على أن كل أمر محرم عندنا إذا فعلوه غير معتقدين حله يمنعون منه. ويوافق هذا المعنى قولهم: لا يلزم الإمام إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه خاصة سواء كان الحد واجبًا عليهم في دينهم (أم لا استدلالًا بفعله عليه الصلاة والسلام في رجمه اليهوديين الزانيين ولأنه محرم في دينهم) وقد التزموا حكم الإسلام، وذلك أن تحريمه عندنا مع اعتقادهم تحريمه يصير منكرًا فتتناوله أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأنهم التزموا الصغار وهو جريان أحكام الإسلام عليهم إلاّ فيما اعتقدوا إباحته، وما ذكر من إنكار ما هو محرم عليهم عندنا مع اعتقادهم تحريمه أعم من أن يكون التحريم عامًا لنا ولهم أو عليهم خاصة في ملتهم وقررت شريعتنا تحريمه عليهم، وذلك لاتفاق الملتين على تحريمه كما لو كان التحريم عامًا (لنا ولهم لعدم أثر اختصاصهم بالتحريم، إذ لا يشترط في إنكار المحرم أن يكون التحريم عامًا) للفاعل ولغيره، وعلى هذا نمنعهم من تبايعهم الشحوم المحرمة عليهم في دينهم لأكلها أو لغيره، لأن تحريمها باق عليهم عند الإمام أحمد رحمه الله قال ابن مفلح: جزم به في كتاب الروايتين - وفيه نظر وهذا نص على أنه لا يجوز لنا أن نطعمهم شيئًا من هذه الشحوم وعلى هذا تحرم إعانتهم على ذلك والشهادة فيه. واختار أبو الوفا ابن عقيل: نسخ تحريم هذه الشحوم - قال ابن مفلح: جزم به في كتاب