المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل (46): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدا - الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

[ابن داود الحنبلي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فرضيتهما

- ‌فصل- 1 - : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية

- ‌فصل- 2 - : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية

- ‌فصل- 3 - : دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفعال الصالحين وخلال المتقين

- ‌فصل- 4 - : دليل كون الأمر بالمعروف من أخص الأعمال الصالحة المتقبلة عند الله تعالى

- ‌فصل- 5 - : تحذير المحتسب (الآمر الناهي) والحاكم من التأثر ببغضه للبعض عند الحكم تفاديًا للظلم

- ‌فصل- 6 - : التحذير من الارتداد عن الدين

- ‌فصل- 7 - : التحذير من التفريط في الإنكار على فاعل المنكر

- ‌فصل- 8 - : من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللعن وهو الطرد من رحمة الله

- ‌فصل- 9 - : دليل كون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من شرائع الإيمان أي من شروط تمامه

- ‌فصل- 11 - : وجوب اجتهاد الآمرين الناهين في الأمر والنهي وإن لم يستجب الجمهور إقامة للحجة الإلهية لله على خلقه

- ‌فصل- 12 - : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أخص أوصاف المنافقين

- ‌فصل- 13 - : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أوصاف المؤمنين

- ‌فصل- 14 - : مراتب الجهاد في سبيل الله ثلاثة: جهاد الكفار وجهاد النفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل- 15 - : من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الهلاك في الدنيا فضلًا عن العذاب بالآخرة

- ‌فصل- 16 - : جمع آية في القرآن هي التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي

- ‌فصل -17 - : دليل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه فرض عين في حدود القدر المستطاع

- ‌فصل -18 - : دليل كون المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأمر بطاعة الله والنهي عن معصيته

- ‌فصل -19 - : دليل كون أعلى مراتب الجهاد امتثال أمر الله واجتناب نهيه

- ‌فصل -20 - : دليل كون المقصرين في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خسر

- ‌فصل -21 - : دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل ما يعين المؤمن على تزكية نفسه ومعالجة ترقيها في الطاعات وتطهرها من الدنس

- ‌فصل -22 - : الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل -23 - : ما ورد في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل -24 - : وجوب تبليغ الشرع وأن ذلك يثمر نضارة الوجه

- ‌فصل -25 - : من ذب عن عرض مسلم وهو غائب وقاه الله النار يوم القيامة

- ‌فصل - 26 - : صلاح العباد في طاعة الله وطاعة الله لا تتم إلا بالاجتهاد في القيام بهذا الواجب

- ‌فصل - 27 - : أجمع العلماء على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتوافر خصوص الأمر به ولتوعد الشارع تاركه بأشد العقوبة

- ‌فصل - 28 - : تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكام

- ‌فصل - 29 - : وجوب الإمعان في إنكار البدع المضلَّة حتى تخمد ثم يجب إنكار البدع المضلة، وإقامة الحجة على بطلانها

- ‌فصل - 30 - : قول العز بن عبد السلام: الواجبات والمندوبات ضربان:

- ‌فصل - 31 - : قول العز: من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديان فقد قام بحق نفسه وحق ربه

- ‌فصل - 32 - : بيان آراء العلماء في: هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبية الظن في إزالته

- ‌فصل - 33 - : عدم سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعزلة مادام قادرًا على الأمر والنهي

- ‌فصل - 34 - : من تيقن من وجود منكر بالسوق وكان قادرًا على تغييره لزمه الخروج لتغييره

- ‌فصل - 35 - : في إنكار المنكر أجر عظيم وفي عدم إنكاره الإثم الكبير

- ‌فصل -36 - : إذا تظاهر الناس بالمنكر وجب على كل من يراه أن يغيره في حدود القدر المستطاع

- ‌فصل -37 - : ثبوت عذاب القبر لمن ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم قبول شفاعته

- ‌فصل -38 - : الأحاديث والآثار الواردة في ذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل -39 - : تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاص لوجوه أربعة

- ‌فصل- (40): إبطال زعم البعض أن السكوت عن المنكر مقام من مقامات الرضا بالقضاء:

- ‌فصل- (41): من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نزع هيبة الطاعة:

- ‌فصل- (42): توعد الله المذلين للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بإحباط عملهم في الدنيا والآخرة:

- ‌فصل- (43): من أخص أوصاف المنافقين الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وأن من أمارات الساعة فساد المسلمين بإمرتهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف:

- ‌الباب الثاني: أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل- (1): شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (خمسة):

- ‌فصل - (2): أخص أوصاف المؤمنين الدالّة على صحة عقيدتهم:

- ‌فصل - (3): الركن الثاني للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر]

- ‌فصل - (4): الإنكار على السلطان إذا عطل الحدود في حدود القدر المستطاع:

- ‌فصل - (5): دفع التعارض بين أمر خواض الأمة السلطان الجائر بالمعروف ونهيه عن المنكر وبين تحريم تعريض النفس للتهلكة:

- ‌فصل - (6): سقوط وجوب أمر خواص العلماء الحكام ونهيهم عند توقع ضر لا يطاق:

- ‌فصل - (7): تحريم فرار المسلمين من عدوهم إذا كانوا ضعفهم:

- ‌فصل - (8): جواز أمر خواص الأمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو تيقنوا القتل إذا تيقنوا رفع المنكر:

- ‌فصل - (9): إباحة أمر السلطان ونهيه خواص الأمة عندما لا يخافون إيذاءًا لغيرهم نتيجة لنهيهم:

- ‌فصل - (10): كيفية الإنكار على السلطان تكون بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف وذكر العاقبة في الدنيا والآخرة:

- ‌فصل - (11): وجوب وعظ خواص الأمة السلطان سرًا أفضل منه جهرًا:

- ‌فصل - (12): وجوب نصح الولد للوالد بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف:

- ‌فصل - (13): وجوب نهي أهل الذمة من المنكر كزواج كتابي مسلمة أو عرضهم الخمر ولحم الخنزير للبيع بين المسلمين:

- ‌فصل - (14): الشروط الواجب توفرها في المنكّر حتى يجب النهي عنه:

- ‌فصل - (15): الشرط الثالث من شروط المنكر:

- ‌فصل - (16): أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبني على الظنون

- ‌فصل - (17): الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد

- ‌فصل - (18): وجوب التزام كل مقلد لمذهب بأحكام مذهبه وكراهة تقليده غيره إلاّ لضرورة

- ‌فصل - (19): ضروب الموجب للإنكار:

- ‌فصل - (20): الركن الرابع من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل - (21): درجات النهي عن المنكر الدرجة الأولى: التعرف

- ‌فصل - (22): الدرجة الثانية: في الأمر النهي عن المنكر التعريف:

- ‌فصل - (23): الدرجة الثالثة للنهي عن المنكر النهي بالوعظ

- ‌فصل- (24): ما ينبغي على الآمر الناهي استخدامه في الوعظ من ذكر آيات وأحاديث وقصص:

- ‌فصل - (25): الدرجة الرابعة من درجات النهي عن المنكر:

- ‌فصل - (26): الدرجة الخامسة من درجات النهي عن المنكر التغيير باليد:

- ‌فصل - (27): وللمنكر كسر آلة اللهو وكسر وعاء الخمر:

- ‌فصل - (28): وجوب إنكار المنكر المستتر

- ‌فصل- (29): إختلاف الرواية عن أحمد في وجوب تحريق بيوت تجار الخمر:

- ‌فصل - (30): كراهة النظر إلى التصاوير وإباحة حكها من على الجدران:

- ‌فصل (31): لا ضمان في تحريق الكتب كالتي فيها الأحاديث المفتراة على رسول الله:

- ‌فصل - (32): في الدرجة الخامسة أدبان

- ‌فصل- (33): الدرجة السادسة من درجات النهي عن المنكر التهديد والتخويف:

- ‌فصل (34): الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل بلا شهر سلاح:

- ‌فصل - (35): الدرجة الثامنة للنهي عن المنكر الاستعانة بأعوان من أهل الخير لإزالة المنكر:

- ‌فصل- (36): وترتيب درجات النهي عن المنكر مقتبسة من إشارات بعض آيات التنزيل:

- ‌الباب الثالث: طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين

- ‌فصل- (1) طبقات المنهيين:

- ‌فصل (2): أقسام التائبين الذين تأثروا بالموعظة:

- ‌فصل (3): المتقاعسون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل (4): غربة الآمرين الناهين ين أهل الفساد:

- ‌فصل (5): ابتلاء الله الفقهاء ببعض العصاة لهم:

- ‌فصل (6): ذل المؤمن لغربته بين الفساق:

- ‌فصل (7): معاداة العصاة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:

- ‌فصل (8): حسد الفساق للعلماء وتمنيهم إضلالهم:

- ‌(فصل): وجوب إيثار الآمر الناهي رضي رب العباد على رضى العباد:

- ‌الباب الرابع: بيان ما يستحب من الأفعال والأقوال والأحوال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل (1): الآمر بالمعروف والنهين عن المنكر القائم في حدوده بمنزلة الطبيب الذي يسقى الدواء الكريه الذي يرجو به الشفاء للمريض من دائه

- ‌فصل (2): يستجيب للآمر الناهي العلم والورع وحسن الخلق:

- ‌فصل (3): تأكد ورع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالإغراض عما في أيدي الناس

- ‌فصل (4): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بحسن الخلق:

- ‌فصل (4) [مكرر]: في ذم الغضب

- ‌فصل (5): فضيلة كظم الغيظ:

- ‌فصل (6): أساليب إذهاب الغضب:

- ‌فصل (7): استحباب الغضب عند انتهاك حرمات الله:

- ‌فصل (8): وجوب حذر الغاضب عند انتهاك حرمات الله من الشوائب الدنيوية

- ‌فصل (9): استحباب الحلم والعفو للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر

- ‌فصل (10): أحاديث من مدح الرفق وذم تاركه:

- ‌فصل (11): تأكد استحباب الرفق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر

- ‌فصل (12): وجوب حذر الآمر الناهي من رفق المداهنة لبلوغ غرض دنيوي

- ‌فصل (13): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بالحلم والعفو

- ‌فصل (14): على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يقابل إساءة المأمورين بالإحسان

- ‌فصل (15): عفو الناهي عن المسيء يورثه عزًا

- ‌فصل (16)

- ‌فصل (17): استحباب الأناة والتثبت للآمر الناهي

- ‌فصل (18): ويستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر قصد نصح جميع الأمة

- ‌فصل (19): ومما يستحب للآمر بالمعروف أن يكون قصده رحمة الخلق والنفقة عليهم:

- ‌فصل (20): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر العورات والعيوب:

- ‌فصل (21): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مغتمًا مما ظهر من معصية أخيه المسلم

- ‌فصل (22): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون غيورًا على إخوانه المسلمين أي غيورًا على دمائهم وأموالهم وأعراضهم

- ‌فصل (23): ومما يستحب (أو يجب) على كل مسلم أن يهجر المجاهرين بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية للإجتماع على وجوب ترك الأرض التي يجاهر فيها بالمعاصي

- ‌فصل (24): استحباب هجر المجاهر بالمعصية على جهة التأديب

- ‌فصل (25): استحباب هجر من ترك الفرائض من باب التغرير بترك السلام على تارك الصلاة وشارب الخمر

- ‌فصل (26): هجران أهل البدع والمتظاهرين بالمعاصي فرض كفاية

- ‌فصل (27): على الآمر الناهي أن يسلك مع العصاة والفساق مسالك بحسب مراتبهم في مخالفة أوامر الله

- ‌فصل (28): تباين درجات الهجر بحسب أحوال المهجورين فإن كان الهجر يضعف شرهم وجب الهجر كأسلوب للزجر وإن كان يزيد من شرهم وجبت مخالطتهم وتغريرهم

- ‌فصل (29): تباين درجات الهجر بحسب درجات اعتقاد وسلوك الجماهير:

- ‌فصل (30): الهجر أسلوب شرعي للزجر لتكون كلمة الله هي العليا

- ‌فصل (31): لا فرق بين وجوب هجر ذي الرحم والأجنبي إذا كان الهجر لتعدي حق الله:

- ‌فصل (32): عدم جواز الهجر المسلم للتهمة مداومة للصفاء والمحبة

- ‌فصل

- ‌فصل (33): هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله كبيرة:

- ‌فصل (34): قال ابن مفلح رحمه الله ولا هجرة مع السلام

- ‌فصل (35): استحباب التقرب إلى الله بحب أهل الطاعة وبغض أهل المعصية:

- ‌فصل (36): استحبالب تواضع الآمر الناهي في أمره ونهييه بلا افتخار أو تعاظم

- ‌فصل (37): استحباب استعانة الآمر الناهي بالله والاعتصام به وخاصة عند عجزه عن مجاهدة نفسه وعن القيام بحقوق الله

- ‌فصل (38): استحباب طلب الآمر الناهي إعانة الله

- ‌فصل (39): استحباب تحلي الآمر الناهي بالصبر والاحتمال:

- ‌فصل (40): صبر النبي على أذى قريش عشرين عامًا وعفوه عنهم بعد أن أظفره الله بهم

- ‌فصل (41): يبتلي المرء على قدر دينه والمرء يبتلي على قدر دينه وقوة يقينه

- ‌فصل (42): إذا تحقق المصاب من أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه والمصاب إذا علم وتحقق أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه

- ‌فصل (43): وعد الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم لهم:

- ‌فصل (44): من أخص آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل (45): وجوب تحمل الآمر الناهي الصبر المترتب على أمره ونهيه:

- ‌فصل (46): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدًا

- ‌فصل (47): وقوع المحن على قدر قوى الآمرين الناهين ومراتبهم:

الفصل: ‌فصل (46): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدا

‌فصل (46): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدًا

.

المشهد الأول: القدر: وهو أن يعلم أن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد، والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار، فإن الكل أوجبته مشيئة الله فما شاء كان ووجب وجوده ومالم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وإذا شهد هذا، استراح وعلم أنه كائن لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت.

المشهد الثاني: مشهد "الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة. وعلم إن لم يصبر اختيارًا على هذا -وهو محمود - صبر اضطرارًا على أكثر منه وهو مذموم.

المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته لم يعدل عنه إلا لغبش في بصيرته. فإنه مازاد الله عبدًا يعفو إلا عزًا. كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم بالتجربة والوجود. وما أنتقم أحد لنفسه إلا ذل، هذا وفي الصفح والعفو والحلم من الحلاوة والطمأنينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.

المشهد الرابع: وهو مشهد الرضا وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة، سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله. فإذا كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته رضيت بما نالها في الله. وهذا شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره. ومتى تسخط به أو تشكي منه كان دليًلا على كذبه في محبته والواقع شاهد بذلك والمحب الصادق كما قال منشد:

من أجلك جعلت خدي أرضًا .. للشامت والحسود حتى ترضى

ومن لم يرضى بما يصيبه في سبيل رضا وحبوبه فلينزل عن جرة المحبة وليتأخر فليس من ذا الشأن.

المشهد الخامس: مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل إساءة المسيء بالإحسان فيحسن إليه كما أساء هو إليه. ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد

ص: 509

أهدى إليه حسناته ومحاها صحيفته وأثبتها في صحيفة من أساس إليه فينبغي أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك وههنا ينفع استحضار مسالة اقتضاء الهبة الثواب وهذا المسكين قد وهبك حسناته فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبة وتأمن رجوع الواهب فيها.

وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم ويهونه عليك - أيضًا علمك بأن الجزاء من جنس العمل فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك. فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك ياقبلها بما قابلت به إساءة عبده إليك. فهذا لابد منه وشاهده في السنة من ـوجوه كثيرة لم تأملها.

المشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب" وهو مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له. وألذ وأطيب وأعون على مصالحه، فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ماهو أهم عنده" وخير له منه. فيكون بذلك مغبونًا والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس وأعمال الفكر من إدراك الانتقام؟

المشهد السابع: مشهد الأمن فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام آمن ما هو شر من ذلك وإذا انتقم واقعه الخوف ولابد فإن ذلك يزرع العداوة والعاقل لا يأمن عدوه ولو كان حقيرًا.

لا تحقرن صغيرًا في تقلبه

إن الذبابة تدمي الأسد

فكم من حقير أردى عدوه الكبير؟ فإذا غفر ولم ينتقم ولم يقابل أمن من تولد العداوة أو زيادتها. ولابد أن حلمه وعفوه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه ويكف من جزعه بعكس الانتقام والواقع شاهد بذلك - أيضًا-.

المشهد الثامن: مشهد الجهاد وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأقام دين الله وإعلاء كلماته.

وصاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم ثمن فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها فلا حق له على من آذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على الله.

وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ولهذا منه النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين

ص: 510

من سكنى مكة - أعزها الله- ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار. ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله.

ولما عزم الصديق رضي الله عنه على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم، قال عمر بن الخطاب بمشهد من الصحابة رضي الله عنهم: تلك دماء وأموال ذهبت في الله وأجورها على الله ولا دية لشهيد فاتفق الصحابة على قول عمر ووافقه عليه الصديق فمن قام لله حتى أوذي في الله - حرام عليه الانتقام - كما قال لقمان لابنه: {وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} .

المشهد التاسع: مشهد النعمة وذلك من وجوه.

أحدها: أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلومًا يترقب النصر ولم يجعله ظالمًا يترقب المقت والأخذ فلو خير العاقل بين الحالتين -ولابد من إحداهما - لأختار أن يكون مظلومًا.

ومنها: أن يشهد نعمة الله عليه في التكفير بذلك من خطاياه فإنه ما أصاب المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به خطاياه فذلك-في الحقيقة- دواء يستخرج به منه داء الخطايا والذنوب ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها وأسقامه .. ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء فهو مغبون سفيه. فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته من كان على يديه وانظر إلى شفقه الطبيب الذي ركبه لك وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته.

ومنها أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها فنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر، فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده. وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين هينة، وأنهما بالنسبة لمصيبة الدين في الحقيقة نعمة والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين. ومنها: توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة.

وفي بعض الآثار: إنه يتمنى أناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء. هذا وإن العبد يشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض فالعاقل يعد هذا دخرًا ليوم الفقر والفاقه. ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئًا.

ص: 511

المشهد العاشر: مشهد الأسوة وهو مشهد شريف لطيف جدًا، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله، وأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه فإنهم أشد امتحانًا بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور.

ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم وشأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله وقد قال له ورقة بن نوفل: " لتكذبن ولتخرجن ولتؤذين وقال له: ما جاء أحد بمثل ما جاءت به إلا عودي. وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم صلى الله عليه وسلم.

أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده الأمثل فالأمثل.

ومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء وأي الجهال لهم، وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابًا سماه "محن العلماء".

المشهد الحادي عشر: مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له ومعاملته وإيثار مرضاته والتقرب إليه وقرت العين به والأنس به والاطمئنان إليه وسكن إليه وأشتاق إلى لقائه واتخذه وليًا دون ما سواه بحيث فوض إليه أموره كلها ورضي به وبأقضيته وفنى بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكيل عليه عن كل ما سواه، فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له البتة. فضًلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره بتطلب الانتقام والمقابلة. فهذا لايكون إلا من قلب ليس فيه مايغنيه عن ذلك ويعوضه منه فهو قلب جائع غير شبعان. فإذا رأى أي طعام هفت إليه نوازعه وانبعثت إليه دواعيه وأما من امتلأ قلبه بأغلى الأغذية وأشرفها فإنه لا يلتفت إلى ما دونها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. انتهى.

فالآمر الناهي - أيده الله- تعالى إذا عامل الناس بمقتضى هذه المشاهد من إقامة أعذارهم والعفو عنهم والصبر عليهم وترك مقابلتهم، اشتدت محبتهم له وكان ذلك سببًا لنجاتهم الأخروية والدنيوية إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه وتلقي ما يأمرهم وينهاهم عنه أحسن التلقي.

أنا خوا بباب الطبيب طلبًا للشفاء وصبروا رجاء العافية على شرب الدواء فإن ابتلوا صبروا. وإن أعطوا شكروا فالأمر على السواء، ربحوا والله ما خسروا وعاهدوا على الصبر فما غدروا واحتالوا على نفوسهم فملكوا واسروا فخاطبهم ربهم بقوله:{إني جزيتهم اليوم بما صبروا} فينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر حينئذ أن يوطن نفسه على احتمال

ص: 512

ما يصيبه في دين الله تعالى من المكروه ليسهل عليه ما يلحقه من الأذى. ولئلا يدخل نفسه عليه شيئًا من المهلكات أو تستريح إلى من عودها المعارضة للتقوي به فيكلها الله إليه وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من الله وعلامة ذلك أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجري عليه إذ لا يرى الوسائط ونما يرى مسبب الأسباب فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال ومنهم من له دون المثقال.

وروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن مبارك بن فضالة عن الحسن البصري أن رجًلا كان يقال له عقيب كان يعبد الله وكان في ذلك الزمان ملك يعذب الناس بالمثلات فقال عقيب: لو نزلت إلى هذا فأمرته بتقوى الله كان أوجب علي، فنزل من الجبل فقال له: يا هذا اتق الله فقال له لجبار: يا كلب مثلك يأمرني بتقوى الله لأعذبنك عذابًا لم يعذب به أحد من العالمين فأمر به أن يسلخ من قدميه إلى رأسه فسلخ فلما بلغ بطنه أن أنة أوحى الله إليه عقيب اصبر أخرجك من دار الحزن إلى دار الفرح ومن دار الضيق إلى دار السعة فلما بلغ السلخ إلى وجهه صاح فأوحى الله إليه عقيب: أبكيت أهل سمائي وأهل أرضي وأذهلت ملائكتي لئن صحت الثالثة لأصبن عليهم العذاب صبًا فصبر حتى سلخ وجهه مخافة أن يأخذ قومه العذاب.

فجهاد النفس على الصبر والاحتمال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من الصبر في غيره لأن الأمر والنهي أفضل الجهاد وبه صلاح العباد والبلاد إذ تغيير المنكر في غالب الأوقات أميز من عبادة المتعبد في كثير من السنوات فإذا علم العبد ذلك وتأمله بعد النظر فيه فصبر جاءه النصر وحصل له من خيري الدنيا والآخرة ما ليس له حصر.

قال الله تعالى: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء وزلا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} .

وقال تعالى: { .. حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}

وأنشدوا:

إذا تضايق أمرنا ننتظر فرجا

فأضيق الأمر أدناه من الفرج

فإذا اشتد الكرب وعظم وتناهى ووجد الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده أسرع الفرج إلى صاحبه واستجيب دعاه وصار متوكًلا لأن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين.

ص: 513