المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل -22 - : الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

[ابن داود الحنبلي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فرضيتهما

- ‌فصل- 1 - : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية

- ‌فصل- 2 - : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية

- ‌فصل- 3 - : دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفعال الصالحين وخلال المتقين

- ‌فصل- 4 - : دليل كون الأمر بالمعروف من أخص الأعمال الصالحة المتقبلة عند الله تعالى

- ‌فصل- 5 - : تحذير المحتسب (الآمر الناهي) والحاكم من التأثر ببغضه للبعض عند الحكم تفاديًا للظلم

- ‌فصل- 6 - : التحذير من الارتداد عن الدين

- ‌فصل- 7 - : التحذير من التفريط في الإنكار على فاعل المنكر

- ‌فصل- 8 - : من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللعن وهو الطرد من رحمة الله

- ‌فصل- 9 - : دليل كون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من شرائع الإيمان أي من شروط تمامه

- ‌فصل- 11 - : وجوب اجتهاد الآمرين الناهين في الأمر والنهي وإن لم يستجب الجمهور إقامة للحجة الإلهية لله على خلقه

- ‌فصل- 12 - : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أخص أوصاف المنافقين

- ‌فصل- 13 - : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أوصاف المؤمنين

- ‌فصل- 14 - : مراتب الجهاد في سبيل الله ثلاثة: جهاد الكفار وجهاد النفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل- 15 - : من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الهلاك في الدنيا فضلًا عن العذاب بالآخرة

- ‌فصل- 16 - : جمع آية في القرآن هي التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي

- ‌فصل -17 - : دليل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه فرض عين في حدود القدر المستطاع

- ‌فصل -18 - : دليل كون المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأمر بطاعة الله والنهي عن معصيته

- ‌فصل -19 - : دليل كون أعلى مراتب الجهاد امتثال أمر الله واجتناب نهيه

- ‌فصل -20 - : دليل كون المقصرين في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خسر

- ‌فصل -21 - : دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل ما يعين المؤمن على تزكية نفسه ومعالجة ترقيها في الطاعات وتطهرها من الدنس

- ‌فصل -22 - : الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل -23 - : ما ورد في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل -24 - : وجوب تبليغ الشرع وأن ذلك يثمر نضارة الوجه

- ‌فصل -25 - : من ذب عن عرض مسلم وهو غائب وقاه الله النار يوم القيامة

- ‌فصل - 26 - : صلاح العباد في طاعة الله وطاعة الله لا تتم إلا بالاجتهاد في القيام بهذا الواجب

- ‌فصل - 27 - : أجمع العلماء على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتوافر خصوص الأمر به ولتوعد الشارع تاركه بأشد العقوبة

- ‌فصل - 28 - : تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكام

- ‌فصل - 29 - : وجوب الإمعان في إنكار البدع المضلَّة حتى تخمد ثم يجب إنكار البدع المضلة، وإقامة الحجة على بطلانها

- ‌فصل - 30 - : قول العز بن عبد السلام: الواجبات والمندوبات ضربان:

- ‌فصل - 31 - : قول العز: من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديان فقد قام بحق نفسه وحق ربه

- ‌فصل - 32 - : بيان آراء العلماء في: هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبية الظن في إزالته

- ‌فصل - 33 - : عدم سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعزلة مادام قادرًا على الأمر والنهي

- ‌فصل - 34 - : من تيقن من وجود منكر بالسوق وكان قادرًا على تغييره لزمه الخروج لتغييره

- ‌فصل - 35 - : في إنكار المنكر أجر عظيم وفي عدم إنكاره الإثم الكبير

- ‌فصل -36 - : إذا تظاهر الناس بالمنكر وجب على كل من يراه أن يغيره في حدود القدر المستطاع

- ‌فصل -37 - : ثبوت عذاب القبر لمن ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم قبول شفاعته

- ‌فصل -38 - : الأحاديث والآثار الواردة في ذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل -39 - : تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاص لوجوه أربعة

- ‌فصل- (40): إبطال زعم البعض أن السكوت عن المنكر مقام من مقامات الرضا بالقضاء:

- ‌فصل- (41): من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نزع هيبة الطاعة:

- ‌فصل- (42): توعد الله المذلين للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بإحباط عملهم في الدنيا والآخرة:

- ‌فصل- (43): من أخص أوصاف المنافقين الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وأن من أمارات الساعة فساد المسلمين بإمرتهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف:

- ‌الباب الثاني: أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل- (1): شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (خمسة):

- ‌فصل - (2): أخص أوصاف المؤمنين الدالّة على صحة عقيدتهم:

- ‌فصل - (3): الركن الثاني للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر]

- ‌فصل - (4): الإنكار على السلطان إذا عطل الحدود في حدود القدر المستطاع:

- ‌فصل - (5): دفع التعارض بين أمر خواض الأمة السلطان الجائر بالمعروف ونهيه عن المنكر وبين تحريم تعريض النفس للتهلكة:

- ‌فصل - (6): سقوط وجوب أمر خواص العلماء الحكام ونهيهم عند توقع ضر لا يطاق:

- ‌فصل - (7): تحريم فرار المسلمين من عدوهم إذا كانوا ضعفهم:

- ‌فصل - (8): جواز أمر خواص الأمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو تيقنوا القتل إذا تيقنوا رفع المنكر:

- ‌فصل - (9): إباحة أمر السلطان ونهيه خواص الأمة عندما لا يخافون إيذاءًا لغيرهم نتيجة لنهيهم:

- ‌فصل - (10): كيفية الإنكار على السلطان تكون بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف وذكر العاقبة في الدنيا والآخرة:

- ‌فصل - (11): وجوب وعظ خواص الأمة السلطان سرًا أفضل منه جهرًا:

- ‌فصل - (12): وجوب نصح الولد للوالد بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف:

- ‌فصل - (13): وجوب نهي أهل الذمة من المنكر كزواج كتابي مسلمة أو عرضهم الخمر ولحم الخنزير للبيع بين المسلمين:

- ‌فصل - (14): الشروط الواجب توفرها في المنكّر حتى يجب النهي عنه:

- ‌فصل - (15): الشرط الثالث من شروط المنكر:

- ‌فصل - (16): أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبني على الظنون

- ‌فصل - (17): الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد

- ‌فصل - (18): وجوب التزام كل مقلد لمذهب بأحكام مذهبه وكراهة تقليده غيره إلاّ لضرورة

- ‌فصل - (19): ضروب الموجب للإنكار:

- ‌فصل - (20): الركن الرابع من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل - (21): درجات النهي عن المنكر الدرجة الأولى: التعرف

- ‌فصل - (22): الدرجة الثانية: في الأمر النهي عن المنكر التعريف:

- ‌فصل - (23): الدرجة الثالثة للنهي عن المنكر النهي بالوعظ

- ‌فصل- (24): ما ينبغي على الآمر الناهي استخدامه في الوعظ من ذكر آيات وأحاديث وقصص:

- ‌فصل - (25): الدرجة الرابعة من درجات النهي عن المنكر:

- ‌فصل - (26): الدرجة الخامسة من درجات النهي عن المنكر التغيير باليد:

- ‌فصل - (27): وللمنكر كسر آلة اللهو وكسر وعاء الخمر:

- ‌فصل - (28): وجوب إنكار المنكر المستتر

- ‌فصل- (29): إختلاف الرواية عن أحمد في وجوب تحريق بيوت تجار الخمر:

- ‌فصل - (30): كراهة النظر إلى التصاوير وإباحة حكها من على الجدران:

- ‌فصل (31): لا ضمان في تحريق الكتب كالتي فيها الأحاديث المفتراة على رسول الله:

- ‌فصل - (32): في الدرجة الخامسة أدبان

- ‌فصل- (33): الدرجة السادسة من درجات النهي عن المنكر التهديد والتخويف:

- ‌فصل (34): الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل بلا شهر سلاح:

- ‌فصل - (35): الدرجة الثامنة للنهي عن المنكر الاستعانة بأعوان من أهل الخير لإزالة المنكر:

- ‌فصل- (36): وترتيب درجات النهي عن المنكر مقتبسة من إشارات بعض آيات التنزيل:

- ‌الباب الثالث: طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين

- ‌فصل- (1) طبقات المنهيين:

- ‌فصل (2): أقسام التائبين الذين تأثروا بالموعظة:

- ‌فصل (3): المتقاعسون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل (4): غربة الآمرين الناهين ين أهل الفساد:

- ‌فصل (5): ابتلاء الله الفقهاء ببعض العصاة لهم:

- ‌فصل (6): ذل المؤمن لغربته بين الفساق:

- ‌فصل (7): معاداة العصاة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:

- ‌فصل (8): حسد الفساق للعلماء وتمنيهم إضلالهم:

- ‌(فصل): وجوب إيثار الآمر الناهي رضي رب العباد على رضى العباد:

- ‌الباب الرابع: بيان ما يستحب من الأفعال والأقوال والأحوال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل (1): الآمر بالمعروف والنهين عن المنكر القائم في حدوده بمنزلة الطبيب الذي يسقى الدواء الكريه الذي يرجو به الشفاء للمريض من دائه

- ‌فصل (2): يستجيب للآمر الناهي العلم والورع وحسن الخلق:

- ‌فصل (3): تأكد ورع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالإغراض عما في أيدي الناس

- ‌فصل (4): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بحسن الخلق:

- ‌فصل (4) [مكرر]: في ذم الغضب

- ‌فصل (5): فضيلة كظم الغيظ:

- ‌فصل (6): أساليب إذهاب الغضب:

- ‌فصل (7): استحباب الغضب عند انتهاك حرمات الله:

- ‌فصل (8): وجوب حذر الغاضب عند انتهاك حرمات الله من الشوائب الدنيوية

- ‌فصل (9): استحباب الحلم والعفو للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر

- ‌فصل (10): أحاديث من مدح الرفق وذم تاركه:

- ‌فصل (11): تأكد استحباب الرفق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر

- ‌فصل (12): وجوب حذر الآمر الناهي من رفق المداهنة لبلوغ غرض دنيوي

- ‌فصل (13): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بالحلم والعفو

- ‌فصل (14): على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يقابل إساءة المأمورين بالإحسان

- ‌فصل (15): عفو الناهي عن المسيء يورثه عزًا

- ‌فصل (16)

- ‌فصل (17): استحباب الأناة والتثبت للآمر الناهي

- ‌فصل (18): ويستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر قصد نصح جميع الأمة

- ‌فصل (19): ومما يستحب للآمر بالمعروف أن يكون قصده رحمة الخلق والنفقة عليهم:

- ‌فصل (20): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر العورات والعيوب:

- ‌فصل (21): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مغتمًا مما ظهر من معصية أخيه المسلم

- ‌فصل (22): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون غيورًا على إخوانه المسلمين أي غيورًا على دمائهم وأموالهم وأعراضهم

- ‌فصل (23): ومما يستحب (أو يجب) على كل مسلم أن يهجر المجاهرين بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية للإجتماع على وجوب ترك الأرض التي يجاهر فيها بالمعاصي

- ‌فصل (24): استحباب هجر المجاهر بالمعصية على جهة التأديب

- ‌فصل (25): استحباب هجر من ترك الفرائض من باب التغرير بترك السلام على تارك الصلاة وشارب الخمر

- ‌فصل (26): هجران أهل البدع والمتظاهرين بالمعاصي فرض كفاية

- ‌فصل (27): على الآمر الناهي أن يسلك مع العصاة والفساق مسالك بحسب مراتبهم في مخالفة أوامر الله

- ‌فصل (28): تباين درجات الهجر بحسب أحوال المهجورين فإن كان الهجر يضعف شرهم وجب الهجر كأسلوب للزجر وإن كان يزيد من شرهم وجبت مخالطتهم وتغريرهم

- ‌فصل (29): تباين درجات الهجر بحسب درجات اعتقاد وسلوك الجماهير:

- ‌فصل (30): الهجر أسلوب شرعي للزجر لتكون كلمة الله هي العليا

- ‌فصل (31): لا فرق بين وجوب هجر ذي الرحم والأجنبي إذا كان الهجر لتعدي حق الله:

- ‌فصل (32): عدم جواز الهجر المسلم للتهمة مداومة للصفاء والمحبة

- ‌فصل

- ‌فصل (33): هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله كبيرة:

- ‌فصل (34): قال ابن مفلح رحمه الله ولا هجرة مع السلام

- ‌فصل (35): استحباب التقرب إلى الله بحب أهل الطاعة وبغض أهل المعصية:

- ‌فصل (36): استحبالب تواضع الآمر الناهي في أمره ونهييه بلا افتخار أو تعاظم

- ‌فصل (37): استحباب استعانة الآمر الناهي بالله والاعتصام به وخاصة عند عجزه عن مجاهدة نفسه وعن القيام بحقوق الله

- ‌فصل (38): استحباب طلب الآمر الناهي إعانة الله

- ‌فصل (39): استحباب تحلي الآمر الناهي بالصبر والاحتمال:

- ‌فصل (40): صبر النبي على أذى قريش عشرين عامًا وعفوه عنهم بعد أن أظفره الله بهم

- ‌فصل (41): يبتلي المرء على قدر دينه والمرء يبتلي على قدر دينه وقوة يقينه

- ‌فصل (42): إذا تحقق المصاب من أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه والمصاب إذا علم وتحقق أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه

- ‌فصل (43): وعد الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم لهم:

- ‌فصل (44): من أخص آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌فصل (45): وجوب تحمل الآمر الناهي الصبر المترتب على أمره ونهيه:

- ‌فصل (46): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدًا

- ‌فصل (47): وقوع المحن على قدر قوى الآمرين الناهين ومراتبهم:

الفصل: ‌فصل -22 - : الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فلا تخف في الله لومة لائم، لعلك أن تظفر بالغنائم استعمل الشجاعة في النهي عن المنكر، تنل المطلب الأعلى من الكنز الأكبر، فللَّه در أقوام فهموا معنى الوجود، وتأملوا عين المقصود، واشتغلوا بطاعة الملك المعبود، فقاموا بالأمر بالمعروف من غير قيود.

متنبهين للنهي عن المنكر والخلق رقود، متيقنين للصبر على ما ينالون من الأقوال والأفعال، ملازمين الرضا عن الله في كل الأحوال، قد شمروا لذلك عن سوق العزائم، فسبقوك وأنت في الغفلة نائم.

‌فصل -21 - : دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل ما يعين المؤمن على تزكية نفسه ومعالجة ترقيها في الطاعات وتطهرها من الدنس

قال سفيان الثوري وغيره في قوله -تعالى-: {وقولوا للنَّاس حسنًا} أي مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر.

وقال ابن عباس في قوله -تعالى-: {أليس منكم رجلٌ رشيدٌ} أي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.

وقال بعض المفسرين في قوله -تعالى-: {لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته} يعني القرآن {ويزكيهم} أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكوا أنفسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم.

‌فصل -22 - : الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وأما الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأدلة وجوبه وتأكيد استحبابه فكثيرة نورد منها طرفًا يسيرًا سوى ما تقدم وما يأتي من ذلك في أبواب الكتاب والله الموفق للصواب.

ص: 66

فمن أمثلتها: ما ثبت في صحيح مسلم، ومسند أحمد، والسنن الأربعة وغيرها من حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان بن الحكم، فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك.

فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) هذه رواية مسلم.

ورواية الترمذي مثلها إلا أنه قال فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة فقال: يا فلان ترك ما هنالك فقال: هذا حديث حسن.

وفي رواية أبي داود قال: يا مروان خالفت السنة أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج فيه وبدأت بالخطبة قبل الصلاة.

فقال أبو سعيد: من هذا؟ فقال: فلان ابن فلان.

فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه.

وفي رواية النسائي لم يذكر العيد والخطبة ولكن لفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رأى منكم منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ ومن لم يستطع منكم أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ وذلك أضعف الإيمان.

قول (أبي سعيد) رضي الله عنه: (أما هذا فقد قضى ما عليه) فيه تصريح بالإنكار.

وقد يقال: كيف تأخر أبو سعيد رضي الله عنه عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟

قال بعضهم: يحتمل أنَّ أبا سعيد رضي الله عنه لم يكن حاضرًا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة فأنكر عليه الرجل ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام.

ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول ولكنه خاف على نفسه أو غيره من حصول فتنة بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئًا، لاعتقاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز في مثل هذا بل مستحب- كما سيأتي بيانه في أثناء الكتاب، أو أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد ثم جاء في

ص: 67

الحديث الآخر الذي في الصحيحين في باب صلاة العيدين أن أبا سعيد هو الذي جبذ بيد مروان حين رآه يصعد المنبر. وكانا جاءا معًا فرد عليه مروان مثل ما رد هنا.

قال النواوي: فيحتمل أنهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد.

قوله صلى الله عليه وسلم: (فليغيره).

قال النواوي رحمه الله: هذا أمر إيجاب بإجماع الأمة. فقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو من النصيحة التي هي الدين، ومن أجله بعث الله رسله، وأنزل كتبه، ووصف هذه الأمة وفضلها -لأجله- على سائر الأمم التي أخرجت للناس.

وقوله: (فإن لم يستطع فبلسانه) يعني إن غلب على ظنه أنه إن غير بيده يسبّب منكرًا أشد منه كف يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة، وهذا هو المراد بهذا الحديث.

وقوله: (فبقلبه) معناه فليكرهه بقلبه وذلك هو الذي في وسعه وطاقته.

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد القوي -في نظمه-:

وأضعفه بالقلب ثم لسانه

وأقواه إنكار الفتى الجلد باليد

فتضمن هذا الحديث: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث مراتب ليس إلا:

الأولى: إزالة المنكر باليد وذلك يكون لمن كان له سلطان يخاف، وإلا قد يأمر وينهي باليد من كان حقيرًا بين الناس ويأمر كثيرًا فيفضي إلى شر وقد يفضي إلى تقاتل- كما سيأتي الكلام عليه في الباب الثاني.

المرتبة الثانية: إزالته باللسان، وهذه دون الأولى، فهذه يتصف بها العلماء، لأنهم أهل اللسان فيدعون من يتعاطى المنكر ويأمرونه وينهونه باللسان، ويستدلون على ذلك.

المرتبة الثالثة: من لم يكن له سلطان، ولا هو من أهل العلم بل هو ضعيف الإيمان

ص: 68

ويرى منكرًا لا يقدر على إزالته لا بيد ولا بلسان فينكر بقلبه فذو السلطان له يد يمكن أن يقيم دين الله -تعالى- بيده (فله) الجهاد بالسيف واللسان والطعن بالخطى والسنان.

وقد يمكن ذلك لمن له جاه أو هو رئيس قومه أو قريته ومن يكون مطاعًا ومن لم يمكنه ذلك انتقل إلى المرتبة الثانية -وهي أدنى من الأولى- الأمر باللسان، وهذه المرتبة يمكن للعلماء أن يقوموا بها، لأن لهم من السلطان على الكلام وتبيين دين الله ما لم يكن لغيرهم فيمكنهم أن يقيموا الأدلة والبراهين عليه، وهم الحكام بالعلم على سائر الخلق، وهم ورثة الأنبياء، ومن كان منهم قاضيًا عالمًا في حقه اليد واللسان، وليس ذلك مخصوصًا بأحد دون أحد، بل من أمكنه أن ينكر باليد ولم ينكر فقد عصى، ومن أمكنه أن يمكر باللسان ولم ينكر فقد عصى، ومن لم ينكر بقلبه فقد عصى.

وصفة الإنكار بالقلب أن يعبس عند رؤية المنكر ويكره ذلك بقلبه كراهية شديدة.

قال القاضي أبو يعلى: ويجب فعل الكراهة للمنكر كما يجب إنكاره، لأن الشارع أوجب فعل الكراهة بالقلب بقوله:(فإن لم يستطع فبقلبه) انتهى.

فقوله صلى الله عليه وسلم: (وذلك أضعف الإيمان).

قال النواوي: معناه -والله أعلم- أقله ثمرة- انتهى.

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أبواب الإيمان فلا يجوز لأحد السكوت عنه أصلًا، لأنه واجب بأمر الله ورسوله- والله أعلم.

قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله: هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر أو يأمر من يفعله، وينزع الغصوب ويردها إلى أهلها بنفسه، (أو بأمره إذا أمكنه).

وسيأتي - في الباب الرابع- من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا-: (أنه يصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد لا ينجو منها إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق) الحديث.

فإن تعاطى (ذلك الأمر بنفسه) فهو أولى من أن يأمر غيره بفعله.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير المناكر بنفسه أحيانًا-.

ص: 69

ففي صحيح مسلم، وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال:(يعمد أحدكم إلى جمرةٍ من نار فيطرحها في يده) فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا، والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي المعنى أحاديث كثيرة.

وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال:(دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بعود كان في يده).

وسيأتي الحديث بأتم من هذا في الباب الرابع -إن شاء الله -تعالى-.

قال أبو بكر أحمد بن محمد المروزي: قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد رحمه الله: كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: باليد واللسان وبالقلب وهو أضعف.

وقال -أيضًا- في رواية أبي صالح: التغيير باليد ليس بالسلاح ولا بالسيف.

قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: فظاهر هذا يقتضي جواز الإنكار باليد إذا لم يفض للقتل والقتال. والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفي الصحيحين، ومسند أحمد وسنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا الجلوس فإذًا أعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله. قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

ص: 70

قوله: (إياكم والجلوس) بالنصب على التحذير.

و(أبيتم) بالباء الموحدة. والله أعلم.

وفي مسند أحمد، وغيره من حديث أبي شريح خويلد، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: هاني بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(إياكم والجلوس على الصعدات، فمن جلس منكم على الصعيد فليعطه حقه. قلنا: يا رسول الله، وما حقه؟ قال: غض البصر، ورد التحية، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر).

وفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- عن جابر رضي الله عنه حديث بيعة العقبة بطوله وفيه (فواعدناه يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم شعب العقبة.

فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين حتى توافينا. فقلنا: يا رسول الله (علام) نبايعك؟ فقال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم

الحديث وفي آخره: فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط على ذلك الجنة).

وفي المسند -أيضًا- من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: (بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا، وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، لا أخاف في الله لومة لائم).

ورواه أحمد -أيضًا- من طريق آخر بلفظ: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر لمن هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم

) مختصر.

وفي رواية له: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع بحب المساكين وأن أدنو منهم، وأن أنظر

ص: 71

إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن أتكلم بالحق ولا تأخذني في الله لومة لائم، وأن لا أسأل الناس شيئًا.

وكذلك رواه البيهقي.

وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والموطأ، وسنن النسائي من حديث أبي الوليد عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:(بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم).

وفي رواية قال: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا ليس عندكم فيه من الله برهان).

رواه ابن ماجه بغير الزيادة.

ولفظ الإمام أحمد، عن عبادة أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعناه على السمع والطاعة، في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله، ولا نخاف لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (والمنشط والمكره) بفتح الميم فيهما- أي في السهل والصعب.

قال العلماء: معنى ذلك أنه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية.

و(الأثرة) بفتح الهمزة والمثلثة، وقيل: بضم الهمزة وإسكان المثلثة، وبكسر الهمزة وإسكان المثلثة -وهي الاستتار والاختصاص بأمور الدنيا- كما سيأتي- في الباب السادس.

وقوله: (وعلى أن نقول الحق أينما كنا (لا نخاف في الله لومة لائم) أي نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر في كل زمان ومكان لا نداهن فيه أحدًا ولا نخاف ولا نلتفت إلى لومة لائم.

ص: 72

قوله في الرواية الأخرى: (كفرًا بواحًا) بفتح الموحدة بعدها واو ثم ألف مفتوحتين ثم حاء مهملة أي ظاهرًا جهارًا لا يحتمل تأويلًا.

يقال: باح الشيء يبوح بواحًا جهر به، ويروى بالراء. وقيل: صراحًا.

والمراد بالكفر -هنا- المعاصي فإذا كانت كذلك حل قتالهم ومعنى قوله (ليس عندكم فيه لله برهان) أي تعلمونه من دين الله.

فمعناه: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم (ولا تعترضوا) عليهم إلا أن تروا منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم). والله أعلم.

وروى أبو منصور الديلمي -في مسنده الفردوس- من حديث أبي هريرة مرفوعًا "ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا".

وفي مسند الإمام أحمد من حديث المقدام بن معديكرب الكندي أنه جلس مع عبادة ابن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي فتذكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة كذا وكذا في شأن الأخماس. فقال عبادة:

إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى جنب بعير من المغنم فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة بين أنملتيه. فقال: (إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في الله تعالى، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، إنه لينجي صاحبه من الهم والغم).

ورواه النسائي- بلفظ آخر.

ورواه صاحب الفردوس ولفظه: "جاهدوا في الله القريب والبعيد في الحضر والسفر،

ص: 73

فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي صاحبه من الغم والهم، فأقيموا حدود الله على القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم".

وروى الطبراني، وغيره من حديث العباس بن سالم أن عمر قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنًا من حديد. قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير سديد لا تأخذه في الله لومة لائم".

وقال لقمان لابنه: يا بني قل الحق ولو كان مرًا [وعلى نفسك] ولا تبال بمن غضب. وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من (أمته) حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بهديه، ثم إنها تخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون).

زاد مسلم: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

قال أبو رافع: فحدثت به عبد الله بن عمر فأنكره علي.

فقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده فانطلقت معه. فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابن عمر.

قوله: (حواريون) يعني أصحابًا أخصاء.

وقيل الحواري: الناصر المختص بالرجل المصافي له.

وقوله: (تخلف) بضم اللام- أي تحدث.

وقوله: (ليس وراء ذلك حبة خردل).

قال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله: (مراده لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده

ص: 74

أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل.

قال أبو عبد الله القرطبي: وهذا الحديث لا يخالف ما رويناه في حديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".

لأن الأدنى غير الأضعف، فإن الأدنى اسم لما يتباعد عن معاني القرب وإن كان مرجعه في العقبى البقاء. والأضعف اسم لما يظهر لوجه القربة فيه ويخلص له ولكن يكون من نوعه ما هو أقوى وأبلغ عنه.

وبسط الكلام في شرحه. انتهى.

وقوله: (فنزل بقناة).

وقال النواوي: هو بالقاف المفتوحة وآخره تاء التأنيث وهو غير منصرف- واد من أودية المدينة.

وقيل: (بفنائه) بالفاء المكسورة وبالمد، وآخره هاء الضمير قبلها همزة- وهو ما بين أيدي المنازل والدور.

و(هديه) طريقته وسنته.

وأبو رافع هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه "أسلم" على الصحيح. والله أعلم.

وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان -في صحيحه- من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حقره شيء فتوضأ وما كلم أحدًا. قالت: ثم خرج فلصقت بالحجرات، أسمع ما يقول فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:(يا أيها الناس إن الله عز وجل يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم) فما زاد عليهم حتى نزل.

ورواه أبو القاسم إسماعيل -في الترغيب والترهيب- وغيره.

قوله: (حفزه) أي يدفعه من خلفه، والليل يحفز النهار أي يسوقه قاله الجوهري.

ص: 75

فلولا أن الأمر بالمعروف فرض لما منع الله -تعالى- إجابة الدعاء، والعطية، والنصر بتضييعه. والله أعلم.

وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).

ورواه أحمد، وعنده ابن مسعود قال: جمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون قال عبد الله: فكنت آخر من أتاه. فقال: (إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح عليكم

) فذكره وزاد قال مؤمل: "ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير ردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه".

ورواه أبو نعيم -في الحلية- بلفظ. قال انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم معه أربعون رجلًا، فقال:(إنه مفتوح لكم ومنصورون ومصيبون فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر فهو ينزع بذنبه).

ورواه الترمذي من حديث عائشة. وقال: حديث صحيح.

وروى أبو بكر البيهقي -في شعب الإيمان من حديث أبي ذر رضي الله عنه: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نغلب عن ثلاثة، أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن".

وروى الإمام أحمد وابن حبان -في صحيحه- واللفظ له، والدارقطني، والبيهقي، وابن أبي الدنيا، وأبو القاسم الأصبهاني من حديث البراء بن عازب. قال: جاء

ص: 76

أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة. فقال:(إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: اعتق النسمة، وفك الرقبة، قال: يا رسول الله أو ليستا واحدة فقال: لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها).

والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق ذلك (فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر) فإن لم تطق ذلك (فكف لسانك إلا عن خير)(المنحة) -بكسر الميم- العطية والمراد بها- (ههنا) منحة الشاة. وله معنيان: أحدهما أن يهب له أصلها فيملكه إياها. والثاني أن يهب له لبنها.

و(الوكوف) الغزيرة اللبن، التي لا ينقطع لبنها من وكف البيت والدمع إذا تقاطر والله أعلم.

وروى الأصفهاني عن القاسم بن مخول النهدي عن أبيه رضي الله عنه في حديث طويل قال: قلت يا رسول الله أوصني. قال: (أقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم شهر رمضان وحج البيت واعتمر، وبر والديك، وصل رحمك، وأقر الضيف، ومر بالمعروف وانه عن المنكر، وزل مع الحق حيث زال).

وفي الصحيحن، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث معاوية بن سويد بن مقرن. قال: دخلت على البراء بن عازب فسمعته يقول: (أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم

) الحديث.

(وله روايات أخر).

ص: 77

قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: لحقوق بعض المكلفين على بعض أمثلة كثيرة: منها التسليم عند القدوم والانصراف وتشميت العاطس، وعيادة المريض، ومنها الإعانة على البر والتقوى وعلى كل مباح، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف سعي في جلب مصالح المأمور، والنهي عن المنكر سعي في درء مفاسد المنهي وهذا هو النصح لكل مسلم، وقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم جريرًا على النصح لكل مسلم.

قلت وسيأتي الحديث في الباب الرابع والله أعلم. ومناه تحمل الشهادة وأداؤها عند الحكام. ومنها حكم الحكام والأئمة والولاة بإنصاف المظلومين من الظالمين.

وذكر بعد ذلك أشياء كثيرة من الحقوق يضيق هذا (المقام) بذكرها. والله أعلم.

وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس من الأنصار فقال: (إن أبيتم إلا أن تجلسوا فاهدوا السبيل، وردوا السلام، وأعينوا المظلوم) هذا لفظ أحمد.

ولفظ الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من الأنصار وهم جلوس في الطريق فقال: (إن كنتم لابد فاعلين فردوا السلام، وأعينوا المظلوم، واهدوا السبيل) وقال: حديث حسن.

وروى الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شهدت مع عمومتي حلف المطيبين وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه).

ورواه ابن حبان في صحيحه -وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي- في تاريخه -والحرث بن أبي أسامة في مسنده- وغيرهم. ويروى في بعض طرقه. قال: أي ابن عوف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شهدت حلفًا في دار ابن جدعان بين هاشم وزهرة ولو

ص: 78

دعيت له اليوم لأجبت ما أحب أن نقضته ولي حمر النعم على أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر وأن نأخذ للمظلوم من الظالم).

قوله: (حلفًا) جمع حليف. وأصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم:(لا حلف في الإسلام) وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم، وصلة الأرحام فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم:(وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة).

وهذا التحالف كان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فرآه واجبًا عليه إذ كان من الفرائض (التي) بعث بها. والله أعلم.

أخبرنا شيخنا الحافظ شمس الدين شيخ القراء المجودين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الجزري بقراءتي عليه قال: أخبرنا القاضي الرئيس عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان الأنصاري. قال أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد السعدي. قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر البغدادي، والعلامة أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري. قال أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البرمكي الفقيه. قال: أبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي قال: حدثنا أبو سليمان إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قال: قلت: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه عن الظلم فذلك نصره إياه).

ورواه البخاري، وأحمد، والترمذي، وغيرهم من حديث أنس -أيضًا- بلفظ:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو قال: تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره".

ص: 79

وفي رواية نحوه. قالوا: كيف ينصره ظالمًا؟ قال: يأخذ فوق يده".

ورواه مسلم في جملة حديث.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

قال الإمام أبو بكر البيهقي: ومعنى هذا أن الظالم مظلوم من جهته كما قال تعالى: {ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه} فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ويدفع الظلم عنه، كذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ليدفع ظلمه عن نفسه وإنما أمر كلَّ واحد بنصرة أخيه المسلم إذا رآه يظلم وقدر على نصره، وكذلك إذا كان ظالمًا يرده بأي وجه قدر عليه.

وفي مسند أحمد، وغيره من حديث جابر رضي الله عنه قال: اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار. فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا آل المهاجرين، ونادى الأنصار يا آل الأنصار فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذا) دعوى الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر فقال: لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالمًا كان أو مظلومًا، إن ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فإنه له نصر).

أما تسميته صلى الله عليه وسلم لذلك دعوى الجاهلية فهو كراهة (منه لذلك) لأنه مما كان عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا وكانت تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل فجاء الإسلام بإبطاله وفصل القضايا بالأحكام الشرعية- والله أعلم.

وروى الإمام أحمد -بسنده- عن المقدام أبي كريمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أيما مسلم أضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا فإن حقًا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله).

وروى أبو بكر البيهقي -بسنده- عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا على أيدي سفهاءكم).

ص: 80

وبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن داود عليه السلام قال فيا يخاطب ربه عز وجل يا رب أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك قال: يا داود أحب عبادي إليّ تقي القلب تقي الكفين لا يأتي إلى أحد سوءًا ولا يمشي بالنميمة تزول الجبال ولا يزول أحبني وأحب من يحبني ويحببني إلى عبادي. قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي. يا داود إنه ليس من عبد يعين مظلومًا أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبت قدميه يوم تزول الأقدام).

وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن النسائي من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(على كل مسلم صدقة- قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت إن لم يستطع قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة).

قوله: (يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) مرفوع في المواضع الثلاثة وقوله: (يعين ذا الحاجة الملهوف) فالملهوف يطلق على المتحير، وعلى المضطر وعلى المظلوم المستغيث.

وقوله: (يمسك عن الشر فإنها صدقة) أي صدقة على نفسه، والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله -تعالى- كان له أجر على ذلك، كما أن للمتصدق بالمال أجرًا.

وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:(يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ونصوم ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) الحديث هذا لفظ مسلم وأحمد، وفي رواية لأحمد عن أبي سلام، قال: قال لي أبو ذر قلت: يا رسول الله من أين أتصدق وليس لي

ص: 81

مال؟ قال: (إن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله. وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك من جماعك زوجتك أجر .. ) الحديث.

قال أهل اللغة: (الدثور) -بضم الدال وبفتحها- (جمع) دثر، وهو المال الكثير. و (البضع) -بضم الباء الموحدة- هو الفرج. والبضع والمباعضة اسم (الجماع) وقوله:(تصدقون) بتشديد الصاد والدال.

وقوله: (وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة) فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والثواب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين، ولا يتصور وقوعه نفلًا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل.

ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل، لما ثبت في صحي البخاري وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل:(وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه .. ) الحديث.

وقد قال إمام الحرمين أبو المعالي عن بعض العلماء: إن ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة. ذكره النواوي. والله أعلم.

وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث حذيفة بن اليمان. قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: (أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقلت أنا أحفظه كما هو. قال: هات، إنك لجريء. وكيف؟ قلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فقال عمر: ليس هذا [ولكن] أريد التي تموج كموج البحر. قال: قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا.

قال: فيكسر الباب أم يفتح؟ قلت: بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا.

ص: 82

(قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أنَّ دون غد الليلة إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط).

قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فقال: عمر، وفي رواية لمسلم وأحمد، قال حذيفة: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال: فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره. قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن تموج كموج البحر؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه).

قال حذيفة وحدثته أن بينك وبينه بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر. قال أكسرًا لا أبا لك. فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قال لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثًا ليس بالأغاليظ.

قال أبو خالد: فقلت لسعد بن طارق: يا أبا مالك: ما أسود مربادًا إذا؟ قال: قال سده البياض في سواد. قال قلت فما الكوز مجخيًا؟ قوله: (إنك لجريء) بجيم مفتوحة وهمزة في آخره اسم فاعل من الجرأة وهي الإقدام على الصعب. وقيل: جريء غير مستحي.

(وفتنة الرجل في أهله) هو ما يعرض له معهم من سوء محبته لهم وشحه عليهم وشغله بهم أو لتفريطه (بما يلزم من القيام بحقوقهم).

وقوله (تكفرها الصلاة والصيام والصدقة).

ونقل ابن مفلح عن ابن هبيرة أنها المفروضات ثم أضيف إليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وجعل بمنزلتها.

وقوله في الرواية الأخرى: تعرض الفتن على القلب كالحصير. قال الحميدي في

ص: 83

بعض الروايات: والمعنى فيها أن الفتن تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس. يقال (حصره القوم) إذا أحاطوا به وضيقوا عليه.

وقال الليث حصير الجنب عرق يمتد معترضًا على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلوب بإحاطة هذا العرق بالبطن.

وقوله: (عودًا عودًا) هو بضم العين وفتحها، أي مرة بعد مرة.

وقوله: (فأي قلب أشربها) يقال: أشرب القلب هذا الأمر إذا دخل فيه وقبله وسكن فيه.

وقوله: (نكتة سوداء) أي نكت فيه أثر أسود. وهو دليل السخط وكذلك قال حالة الرضا نكتت فيه نكتة بيضاء. قوله: (مربادًا) بميم مضمومة، وراء ساكنة، وموحدة مفتوحة، وهمزة مكسورة، ودال مهملة مشددة منصوبة منونة وهو الذي في لونه إلى ربده.

وهو بين السواد والغبرة وقوله [كالكوز مجخيًا] بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة- يعني مائلًا. وفسره بعض الرواة بأنه المنكوس -كما تقدم-.

ومعنى الحديث: أن القلب إذا افتتن خرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات وخرج منه نور الإيمان كما يخرج الماء من الكوز إذا مال، والله أعلم.

وروى الحكيم الترمذي، وأبو موسى محمد بن أبي بكر المديني في الترغيب والترهيب -بسنديهما عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال:(خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في صفة بالمدينة فقام علينا. فقال: (إني رأيت البارحة عجبًا رأيت رجلًا من أمتي أتاه ملك الموت يقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه ورأيت رجلًا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك حتى قال لي في العاشرة: ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة حتى قال: ورأيت رجلًا من أمتي ثمان عشرة مرة) والحديث مطول).

ورواه أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني في الترغيب والترهيب -أيضًا- وفيه تقديم وتأخير.

ص: 84

وكان أبو العباس ابن تيمية يعظم شأن هذا الحديث، وكذلك غيره من العلماء رضي الله عنهم.

وفي الترغيب والترهيب للأصبهاني بسنده، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم على بينة من ربكم ما لم تظهر فيكم سكرتان سكرة الجهل وسكرة حب العيش وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله فالقائمون يومئذ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار).

ورواه أبو كبر ابن أبي الدنيا من طريق آخر ولفظه: "أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل أنتم اليوم على بينة من ربكم ثم تظهر فيكم السكرتان سكرة الجهل، وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك، القائمون يومئذ بالإيمان سرًا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولهم أجر خمسين. قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا، بل منكم".

ورواه الحافظ أبو نعيم -في الحلية- وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الأمثال- من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: "أنتم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في الله، ثم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون في الله القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا بل منكم".

ورواه أبو نعيم -أيضًا- من حديث عائشة مرفوعًا: "غشيتكم السكرتان سكرة حب العيش وحبُّ الجهل فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر والقائمون بالكتاب وبالسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار".

ورواه -أيضًا- من حديث عروة عن أبيه مرفوعًا: "غشيتكم السكرتان، سكرة الجهل

ص: 85

وسكرة حب العيش، فعند ذلك لا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر".

وروى الإمام أحمد -في المسند- من حديث بنت أبي لهب رضي الله عنها قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر. فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال: صلى الله عليه وسلم: (خير الناس أقرؤهم وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم).

رواه الحافظ أبو نعيم -في كتابه معرفة الصحابة- من حديث شريك، عن سماك، عن زوج درة، عن درة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: (أتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم لرحمه).

هكذا رواه عثمان بن أبي شيبة عن شريك خالفه الهيثم بن جميل وأحمد بن عبد الملك الحراني. فروياه عن شريك عن عبد الله بن عميرة عن زوج درة عن درة وهي بنت أبي لهب بن عبد المطلب.

ورواه الإمام ابن أبي الدنيا- في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيهقي في الزهد، وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الثواب- والله أعلم.

وروى ابن خزيمة- في صحيحه، وأبو القاسم الأصبهاني بسنديهما عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم. فقال رجل من القوم: يا رسول الله هذا من أشد ما أتيتنا به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإحالة القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة).

قوله: (الميسم) بالمثناة التحتية- هي العلامة أي على كل عضو موسوم بالصنع صنع الله.

وقيل: منسم بالنون بالمراد به العظم والله أعلم.

وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن النسائي، والبيهقي، وصحيحي

ص: 86

الحاكم، وابن حبان، والمعجم الكبير للطبراني بألفاظ مختلفة، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله. قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق. قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك).

هذا لفظ الصحيحين، وأحمد.

ورواه الأصبهاني من حديث أبي الدرداء عويمر. قال: (قلت: يا نبي الله إن مع الإيمان عملًا؟ قال: يرضخ مما رزقه الله. قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: قلت: يا رسول الله إن كان عيبًا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يعين صانعًا أو يصنع لأخرق. قال: قلت: يا نبي الله إن كان أخرق ولا يستطيع أن يعين مغلوبًا؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؟ قال: ليمسكن أذاه عن الناس. قلت: يا نبي الله إذا فعل ذلك يدخل الجنة؟ قال: ما من مسلم أو مؤمن يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة).

(الرضخ) الصدقة اليسيرة.

و(الأخرق) الذي لا يحسن كسبًا ولا يستطيع. وقيل الأخرق الذي لا رزق له ولا سياسة عنه والخرقان للنساء كذلك.

وقيل الأخرق الجاهل بما يجب أن يعمله.

وقيل الجاهل هو الأحمق والله أعلم.

وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) هذا لفظ مسلم ولفظ أبي داود: قال يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة. وتسليمه على من لقي صدقة وأمره بالمعروف

ص: 87

صدقة ونهيه عن المنكر صدقة. وإماطة الأذى عن الطريق صدقة. وبصعد أهله صدقة ويجزي من ذلك كله ركعتان من الضحى.

زاد في رواية: قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته فيكون له صدقة؟ قال: أرأيت إن وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟ .

وحكى صاحب الأطراف رواية أبي داود للنسائي، وروى الحديث بلفظ آخر. وقال أهل اللغة: السلامى- بضم السين المهملة، وتخفيف اللام، وفتح الميم- المفصل.

وفي صحيح مسلم، وسنن النسائي -أيضًا- من حديث عبد الله بن فروخ، أنه سمع (عائشة) رضي الله عنها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين وثلاثمائة مفصل، فإنه يمشي -يومئذ- وقد زحزح نفسه عن النار).

قال أبو توبة الربيع بن نافع، وربما قال:(يمسى) يعني بالمهملة. وفي رواية- بعد قوله: (عن منكر) - أو علم خيرًا أو تعلمه.

قوله: (مفصل) بفتح الميم وكسر الصاد.

و(فروخ) - بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره خاء معجمة -أعجمي لا ينصرف- والله أعلم.

وروى الترمذي، وابن حبان -في صحيحه- من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك م دلوك في دلو أخيك لك صدقة).

قال الترمذي: حديث حسن.

ورواه ابن حبان بلفظ: (ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس. قيل: يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى

ص: 88

عن الطريق وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك).

وقد تقدم بعض روايات هذا الحديث.

ورواه البزار، والطبراني من حديث ابن عمر. ولفظه:(إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة. وإن أمرك بالمعروف صدقة وإرشادك الضال يكتب لك به صدقة).

(أرض الضلال) يعني المضلة.

(والإماطة) الإزالة.

(والأذى) كل ما يتأذى منه في الطريق دق أو جل. قاله أهل اللغة وروى الحافظ أحمد البيهقي، عن ليلى امرأة بشير بن معبد المعروف بابن الخصاصية عن زوجها بشير رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحدًا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها في شهر وأن لا تكلم أحدًا فلعمري لأن تكلم فتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر خير من أن تسكت).

وروى أبو حفص عمر بن شاهين، م طريق عبد الرحمن بن عمر بن جبلة. قال: حدثتنا حبة بنت شماح قالت: حدثتني بهية، عن أبيها. قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: (إسباغ الوضوء، والصلاة لوقتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر بالمعروف ما استطعت وأن تلقى الله عز وجل ولسانك (رطب) من ذكره).

وروى الحافظ ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان عليه سلطان فأراد أن يذله نزع الله ربقة الإسلام من عنقه حتى يعود فيكون فيمن يعزه).

ص: 89

أمرنا رسول الله ألا يغلبونا على ثلاث: أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعلم الناس السنن ورواه الإمام أحمد -في المسند- بأتم من هذا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا. فقال: (إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وليس بمقبول منه (توبة) حتى يسد ثلمته التي ثلم وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يعزه، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغلبونا على أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن).

(الربقة) بكسر الراء وفتحها- واحدة الربق وهي عرى في حبل الشد إليهم والله أعلم.

وروى الإمام أحمد -في المسند- من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة فأما المعروف فيبشر أصحابه ويوعدهم الخير وأما المنكر فيقول: إليكم وما يستطيعون له إلا لزامًا).

وروى الطبراني -في المعجم الأوسط- من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة وأول من يدخل الجنة أهل المعروف).

وروى علي بن معبد -في كتاب الطاعة والمعصية- بسنده، عن يحيى بن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثه في بحر لجي). قال الحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي: ولا أدري من يحيى بن عطاء فهو مرسل أو معضل انتهى.

ص: 90

وروى أبو منصور شهردار الديلمي في كتاب الفردوس من حديث جابر مرفوعًا بنحوه. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن وهيب بن الورد مولى بني مخزوم رحمه الله قال: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم فقال: يرحمك الله ما الذي أخفي من عملي؟ قال ما يظن بك أنك لم تعمل حسنة قط إلا أداء الفرائض. قال يرحمك الله فما الذي أعلن من عملي؟ قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده وقد اجتمع الفقهاء على قول نبي الله صلى الله عليه وسلم: {واجعلني مباركًا أين ما كنت} وما بركته تلك؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أين ما كان.

وروى ابن أبي الدنيا أيضًا بسنده عن العلاء بن عبد الرحمن الجهني رحمة الله عليه. قال: حدثني الذي سمع عليًا. قال: الجهاد على أربع شعب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين. فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ومن صدق في المواطن قضى ما عليه. ومن شنى الفاسقين وغضب لله غضب الله له، قال: فقام الرجل إلى علي رضي الله عنه فقبل رأسه.

وبسنده عن الحسن بن علي بن حسن عن أبيه عن جده قال كان يقال: لا يحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره.

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنعش حقًا بلسانه جرى (الله) له أجره حتى يأتي يوم القيامة فيوفيه الله ثوابه

). ورواه الطبراني في مكارم الأخلاق.

وفي رواية لأحمد: (ما من رجل ينعش بلسانه حقًا فعمل به بعده إلا جرى عليه أجره إلى يوم القيامة ثم وفاه الله -تعالى- ثوابه يوم القيامة).

ورواه البيهقي -في شعب الإيمان-.

قوله (ينعش) أي يقول ويذكر.

وروى أبو الفتح نصر بن إبراهيم -في كتاب الحجة- بسنده- عن عبد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لمقام أحدكم

ص: 91