الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سفر له فإذا جماعة على طريق فقال: ما هذه الجماعة؟ فقالوا: أسد قطع الطريق. قال: فنزل فمشي إليه حتى بعده ونحاه علي الطريق، ثم قال: ما كذب علك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما يسلط علي ابن آدم من لم يخف الله قال: أن ابن آدم لم يخف غير الله لم يسلط الله عليه غيره.
وروي عن محمد بن صالح. قال: (كنت عند حماد بن سلمة وليس في البيت إلا حصير هو جالس عليها، ومصحف يقرأ فيه، ومطهره يتوضأ منها فبينما أنا عنده إذ دق الباب، فإذا هو محمد بن سليمان، فإذا له فدخل وجلس بين يديه. ثم قال: ما لي إذا رأيتك امتلأت منك رعبًا؟ قال: لأنه- عليه الصلاة والسلام قال: (إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإن أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء).
ثم عرض عليه أربعين درهمًا. قال: تأخذها وتستعين بها قال: ارددها إلي من ظلمته بها. قال: والله ما أعطيتك إلا مما ورثته. قال: لا حاجة لي فيها. قال: فتأخذها فتقسمها. قال: لعلي إن عدلت في قسمتها. أن يقول بعض من لم يرزق منها أنه لم يعدل في قسمها فيأثم فازوها عني).
وأما إذا كان غرض الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر العلو في الناس بإقامة رياسته، ليعظموه أو يبذلوا له ما يريد من الأموال، انعكس عليه مقصوده وتعسرت الأسباب دونه، قلت بركته، وتناقصت هيبته في الدنيا ولم يكن له في الآخرة من نصيب.
قال الله - تعالي -: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا .. } .
أي لا يريدون رفعة وتكبرًا علي المؤمنين ولا يجزعون من ذل الدنيا ولا يتنافسون في عزها.
فصل (2): يستجيب للآمر الناهي العلم والورع وحسن الخلق:
ومما يستجيب للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالمًا ورعًا حسن الخلق.
أما العلم فليكن عالمًا بمواقع الأمر والنهي وحدوده، ومجاريه، ويقتصر علي حد الشرع فيه، ليدفع به جهل الجاهلين وإلا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
وقد روي أبو محمد الخلال - بإسناده عن أسامه بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لأحد أن يأمر بالمعروف حتى يكون فيه ثلاث خصال: عالمًا بما يأمر عالمًا بما ينهي رفيقًا فيما يأمر ورفيقًا فيما ينهي).
فقد حلف أبو الفرج - بن الجوزي - في بعض مصنفاته - بالله العظيم - أما أحدًا أخطأه العلم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح في دينه ودنياه، ولم يدعه الجهل يرشد إلي خير.
وجاء فضل العلم في غير ما وضع من القرآن الكريم، ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد عد شيخ مشايخنا - عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه - أول شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون الآمر عالمًا بما يأمر وبما ينهي.
وكذلك قال غيره.
قال ابن مفلح: فهذا يقتضي أنه لا إنكار إلا مع العلم.
وقال بعضهم: وإنما يدرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعلم، لأن العلم يرشد إلي مواضع بذل المعروف، والفرق بينه وبين المنكر، وترتيبه في وضعه مواضعه، فلا يضع الغضب موضع الحلم وعكسه، ولا العجلة موضع الإناة والتؤدة وعكسه، بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها وموضع كل خلق بابن آدم يضعه، وأين يحسن استعماله، فالعلم أكبر العون علي نيل كل مطلوب من خير الدنيا والآخرة. والآمر الناهي بغير علم مسددة عليه سبيل الهدي والفلاح، مغلقة عنه أبوابها، لأن العلم هو الركن الأعظم والسنن الأقوم. وأما الورع فهو التوقف في كل شيء وترك الإقدام إلا بإذن الشرع، فذلك العز
الأكبر والغنى الخالص والملك العظيم والفخر الجليل واليقين الصافي والتوكل الشافي الصحيح.
فالورع أساس العبادة ونتيجة الزهد الذي عليه مبني الإرادة. وقد تظاهرت الأدلة من الكتاٍب والسنة علي استجابه مطلقًا.
قال الله تعالي: {
…
وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم}.
وقال تعالي: {إنَّ ربَّك لبا لمرصاد} .
وفي الصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث النعمان بن البشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقي المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
وروي هذا الحديث بألفاظ متعددة متقاربة. لكن اقتصرت هنا علي لفظ الصحيحين.
قال العلماء: (وهذا أحد أحاديث الإسلام التي عليها مداره مجمعين علي جلالته وعظم موقعه).
قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه وعلي حديث (إنما الأعمال بالنيات).
وحديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه علي صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها.
وإنه ينبغي أن يكون حلالآ وأنه ينبغي ترك الشبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه.
و(استبرأ) أي حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي فصان عرضه عن كلام الناس فيه والله أعلم.
وفي الصحيحين- أيضًا- من حديث أنس بن مالك- رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد ثمرة في الطريق. فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).
وروي الترمذي والنسائي وابن حبان- في صحيحه عن الحسن بن علي- رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دع ما يريبك إلي ما لا يريبك).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه الطبراني بنحوه من حديث وائلة بن الأسقع. وزاده. قيل: فمن الورع؟ قال: "الذي يقف عند الشبهه".
قال العلماء: معناه أترك ما تشتك فيه وخذ ما لا تشتك فيه.
وروي الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث عطية بن عروة السعدي مرفوعًا. "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به (حذرًا لما به بأس) ".
قال الترمذي: حديث حسن.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وفي المعاجم الثلاثة للطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا "أفضل العبادة والفقه وأفضل الدين الورع".
وروي- أيضًا- في الكبير من حديث ابن عباس مرفوعًا: "فضل العلم أفضل من فضل العبادة، وملاك الدين والورع".
وروي أبو القاسم إسماعيل في الترغيب والترهيب بسنده عن علقمة بن مرثد بن سلمان الفارسي مرفوعًا: "جلساء الله- تعالي- غدًا أهل الورع والزهد.
وبسنده، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا. قال الله- تعالي- لموسي عليه السلام لم يتقرب إليَّ المتقربون بمثل الورع. وبسنده عن عتبه بن ضمرة بن حبيب- رحمة الله عليه- قال: لا يعجبنكم صلاة كل امرئ ولا صيامه ولكن انظروا إلي ورعه فإن كان ورعًا، مع ما رزقه الله من العبادة فهو عند الله حقًا.
وروي الإمام أحمد- في كتاب الزهد- بسنده، عن الحسن البصري- رحمة الله عليه- إنه كان يقول: إن من أفضل العمل بعد الفرائض الورع والتفكر.
وبسنده، عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: فضل العلم خير من فضل العمل وخير دينكم الورع.
ورواه الطبراني- في الأوسط- من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا وكذلك البزار.
قال المنذري: إسناده حسن.