الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل - 30 - : قول العز بن عبد السلام: الواجبات والمندوبات ضربان:
وسائل/ مقاصد وشرف الوسيلة تابع لشرف مقصدها
قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما وسائل، والثاني مقاصد. وللوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أدنى المقاصد هي أدنى الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتيب المصالح والمفاسد وكذلك يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالتوسل إلى معرفة الله ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي في الجهاد.
أفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات، والتوسل إلى الصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين والكسوفين.
وكلما قويت الوسائل في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف المأمور به. رتبته - في الفضل والثواب - مبنية على رتبة الفعل المأمور به، فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف، وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق في أدنى مراتب الأمر بالمعروف).
لقوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).
(وكذلك النهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر المنهي عنه. ورتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة مفسدة الفعل المنهي عنه، ثم تترتب رتبة على رتب المفاسد إلى أن تنتهيا إلى أصغر الصغائر. فالنهي عن الكفر بالله أفضل من كل نهي في باب النهي عن المنكر.
ولا يخفى أن وسائل المكروه مكروهة، والمندوب مندوبة، والمباح مباحة).
فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المحرم إلا به فهو محرم، وكذلك المندوب والمكروه.
قال العلماء رضي الله عنهم: كل ما وجب على المرء العمل به او تركه فإن الأمر واجب.
فمن ترك ما يلزمه فعله أو تعليمه شرعًا بلا عذرٍ ظاهرٍ وجب الإنكار عليه مثل: المحافظة على الوضوء وعلى حدوده، ومثل الصلاة في تمام ركوعها وسجودها والمحافظة على أوقاتها، ومثل: إخراج الزَّكاة في وقت وجوبها وكذلك صوم شهر رمضان، وكذلك الحج ونحو ذلك من الفرائض على نحو ما أوجب الله ورسوله فواجب عليك أن تأخذ نفسك بالعمل بذلك، ثم عليك أن تأمر جميع أهلك وولدك، ثم جميع من علمت منه تضييع ذلك أو شيئًا منه.
وأما ما كان فعله نافلة فإن أمرك به نافلة ترجو من الله - تعالى - الثواب على ذلك وأنت غير حرج في ترك الأمر به إلا إذا سألت سائل عن شيء من الخلال التي هي نافلة وأنت عالمٌ بها فحينئذٍ عليك نصيحته فتنكر على من ترك الإنكار المطلوب مع قدرته عليه.
وقال أبو عبد الله بن مفلح - في كتابه الآداب -: (والإنكار في ترك الواجب وفعل الحرام واجب وفي ترك المندوب وفعل المكروه مندوب، وعزاه إلى أصحاب أحمد وغيرهم).
وينبغي الاحتياط في جلب المصالح ودفع المضار؛ لأنَّ المصالح التي أمر الشرع بتحصيلها ضربان: أحدهما: مصالح الإيجاب، والثاني مصالح الندب، والمفاسد التي أمر الشرع بدرئها ضربان: أحدهما مفاسد الكراهة، والثاني: مفاسد التحريم، والشرع يحتاط لدرء مفاسد الكراهة والتحريم كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب، فإذا كانت المصلحة بين الإيجاب والندب فالاحتياط حملها على الإيجاب لما في ذلك من تحقق براءة الذمة، فإن كانت - عند الله - واجبة فقط [حصل على ثواب نيَّة الواجب] وإن كانت مندوبة فقد حصل على مصلحة الندب وعلى ثواب نية الواجب فإن أمرهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة.
وإذا دارت المفسدة بين الكراهة والتحريم فللاحتياط تحمل على التحريم فإن كانت مفسدة التحريم محققة فقد؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ باجتنابها.
وإن كانت منفية فقد اندفعت مفسدة المكروه، وأثيب على قصد اجتناب المحرم، فإنَّ اجتناب المحرم أفضل من اجتناب المكروه كما أن فعل الواجب أفضل من فعل المندوب.
قال ابن عبد السلام وغيره والله أعلم.
قال أبو حامد الغزالي: (واعلم أنَّ المنكر ينقسم إلى محظور، ومكروه فإذا قلنا: منكر مكروه، فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام، إلا إذا لم يعلم الفاعل على أنه مكروه، فيجب ذكره له فإنَّ الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه إلى من لا يعرفه. وإذا قلنا منكر محظور، أو قلنا: منكر مطلقًا فيزيد به المحظور، ويكون السكوت عليه مع القدرة محظورًا. فمن ذلك إسارة الصلاة بترك الطمأنينة في أركانها فهو منكر مبطل للصلاة عند جمهور العلماء بنص حديث - المسيء في صلاته - فيجب النهي عن ذلك، إلا الحنفي الذي يعتقد أنه لا يمنع صحة الصلاة، إذ لا ينفع النهي معه، ومن رأى ذلك شيئًا فسكت على فهو وشريكه، هكذا ورد به الحديث وقد ورد في الغيبة ما يدل عليه وهو أن المستمع شريك للقائل، وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة لا يراها، أو انحراف عن القبلة، إلا لمن يعلم أنَّ الواجب إصابة الجهة، فكل ذلك يجب إنكاره.
فإن كان المعكتف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في أمثال ذلك، ويشتغل عن التطوع من الصلاة وذكر وغيره، فإن هذا أفضل منه، لأنه فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها).
(وكذلك ينبغي أن توضع الأعمال في مواضعها وأوقاتها على حسب مراد الله - تعالى - منه، فيضع كل عمل موضعه فلا يقدم ما لا يفوت على ما يفوت، ولا يقدم العمل المفضول على الفاضل ولا يراعي الجمعية مطلقًا بل يراعي مراد الرب - تعالى - في العمل ورضاه به