الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق بصاحب الذنب؟ .
فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فيجب على كل من يراه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص، هذا بفعله، وهذا برضاه. وقد جعل الله -تعالى- بحكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة. قاله ابن العربي).
وهو مضمون الأحاديث، ومقصود قوله:(واتقوا فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح).
وذكر أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي من الشافعية- في كتاب الشهادات- من الشرح الكبير- خلافًا بين العلماء في تعيين الكبائر وذكر أقوالًا لأصحاب الشافعي وغيرهم ثم قال: وفصل القاضي الروياني. فقال: الكبائر سبع. قتل النفس بغير حق، والزنا واللواط، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف. وزاد- في الشامل- على السبع المذكورة: شهادة الزور وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدًا، وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمته، والأمن من مكر الله سبحانه وتعالى.
فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكبائر، لما تقدم في ذلك من الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرفوعات، والله أعلم.
فصل -37 - : ثبوت عذاب القبر لمن ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم قبول شفاعته
روى الشيخ أبو حيان- في كتاب التوبيخ -بسنده- عن ابن مسعود رضي الله عنه-
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارًا. فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قال: لأنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره).
وروى -أيضًا- بسنده، عن محمد بن محمد بن يحيى بن حمزة. قال: كتب إلى المهدي أمير المؤمنين وأمرني أن أصلب في الحكم وقال في كتابة: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله سبحانه وتعالى (وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأي مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل).
وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث خرشة بن الحر الفزاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يشهد أحدكم قتيلاً لعله أن يكون مظلومًا فيصيبه السخط).
ورواه -أيضًا- الطبراني -في المعجم- إلا أنه قال: (فعسى أن يقتل مظلومًا فتنزل السخطة فتصيبه معهم).
وروى ابن أبي الدنيا -في كتاب الصمت- بسنده، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من ذكر عند أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم ينصره ولو بكلمة أذلة الله في الدنيا والآخرة).
ورواه أبو بكر الخرائطي -في مكارم الأخلاق- وزاد: (من ذكر عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله تبارك وتعالى بها في الدنيا والآخرة).
ورواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي، وأبو بكر بن السني من حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة).
قال أبو عبد الله محمد بن مفلح -رحمه الله تعالى-: (فظاهر كلام أصحابنا أن نصر المظلوم واجب، وإن كان ظالمًا في شيء آخر. وإن ظلمه في ذلك الشيء لا يمنع نصره على ظالمه في شيء آخر وهو ظاهر الأدلة. انتهى). والله أعلم.
روى البيهقي -في شعب الإيمان- بإسناد حسن، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقفن عند رجل يقتل مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره متى لم يدفعوا عنه، ولا تقفن عند رجل يضرب مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره).
ورواه أبو القاسم الطبراني في معجمه ولفظه: (لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من يحضر متى لم يدفعوا عنه ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه).
ورواه الحافظ أبو نعيم: في الحلية ولفظه: (لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلمًا فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذ لم يدفعوا عنه).
قال أبو حامد الغزالي: (وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلم والفسق ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز ولا. يجوز له حضور منكر لا يقدر على تغييره لأن اللعنة تنزل على من حضر ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لتفادي مشاهدتهم للمنكرات) انتهى.
وذكر أبو سمرة النخعي -قيل: اسمه عبد الله بن عابس-: إن منكرًا ونكيرًا أتيا رجلاً إلى قبره وقالا: إنا ضاربوك مائة ضربة فقال الميت: إني كنت كذا وكذا، وتشفع ببعض أعماله الصالحة حتى حطا عنه عشرًا ثم لم يزل يتشفع حتى حطا الجميع إلا ضربة فضرباه ضربة فالتهب القبر عليه نارًا فقال: لم ضربتماني؟ فقالا: مررت بمظلوم فاستغاث بك فلم تغثه.