الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وطول الأمل فأعطى كل إنسان ما يلائمه.
فهكذا ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في درجة الوعظ والنصح، لأن المواعظ مثل الأغذية التي تشترك العامة في التغذي بها ولأجل فقد الوعاظ العارفين انحصر باب الاتعاظ وغلبت المعاصي والفساد، وبلي الخلق بوعاظ يزخرفون أشجانًا، وينشدون أشعارًا. ويتكلفون ذكر ما ليىس في وسع علمهم ويعرضون بذكر العقائد المختلف فيها، ويقذفون العلماء والأخيار من السلف والخلف والأحياء والأموات بحسب ميل أهويتهم ووقوع أغراضهم مما ليسر للناس به كثير نفع، بل يكون ذلك - في الغالب. سببًا لإظهار الخصومات وتحريك العداوات و (إساءة) العقائد والظنونات فيسقط - حينئٍذ - عن القلوب وقارهم حيث لم يكن كلامهم صادرًا عن القلب فلأجل ذلك لم يدخل إلى القلب، بل الواعظ ينحرف والمستمع يتكلف نعوذ بالله من مضلات الفتن وما ظهر منها وما بطن.
فصل - (25): الدرجة الرابعة من درجات النهي عن المنكر:
وأما الدرجة الرابعة: من درجات النهي عن المنكر فهي السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن وذلك يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح وذلك مثل قول إبراهيم - صلوات الله عليه - {أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}
ومعنى القول الخشن أن يقول: (يا فاسق يا أحمق يا جاهل ألا تخاف الله؟ ! ألا تستحي من الله؟ أو ما في معنى ذلك وما يجري مجراه، فإنّ كل فاسق أحمق جاهل)
والأحمق (من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) كما في حديث شداد بن أوس من رواية الترمذي وابن ماجه مرفوعًا.
ثم يجب أن يكون قصد الآمر الناهي تغليظ القول، وتخشينه رجوع المأمور عن ذلك المنكر لا الانتصار لنفسه لكونه رد كلامه أولًا، أو لاستهزائه به فإنّ الآمر الناهي ربما يكون
مخلصًا في ابتداء الإنكار فإذا سرد كلامه ثارت نفه وأغلظ في الكلام فخرج بذلك عن دائرة الإخلاص ووقع في الحمق والغضب المنهي عنه وصار ممن يجب الإنكار عليه، وممن يغسل الدم بالبول.
هنا تنبيه: وهو أن الأمور بالمعروف إذا رجع في أثناء الكلام الغليظ عن ذلك المنكر كأن سكن غضب الآمر وأمسك عن الكلام متى زال المنكر علمنا أنه مخلص، وأنه لم يكن قصده إلاّ زوال المنكر وقد زال فلم يبق للكلام الغليظ فائدة. وإن لم يسكن غضبه واسترسل في الكلام علمنا أن الحامل له غضب النفس وباعث الانتصار.
وهنا تنبيه ثان: وهو أن المنهي عن المنكر إذا استهزأ بالآمر وسبه فهم بإغلاظ الكلام، وتخشين القول له، فقام إنسان مقامه في ذلك وأغلظ القول للمأمور فرجع إلى كلامه وترك المنكر. فإن كان ذلك يسر الآمر ويفرح ويرى لله - تعالى - المنة عليه، وصان لسانه عن الكلام المسيء وإيحاش قلب أخيه المسلم، وزال المنكر فإنه يحصل له ثواب نيته، وأجر ما أصيب به من الاستهزاء والسب. فهو مخلص، وإن كان الأمر لا يرد عن الشروع في الكلام الغليظ والسب ويثقل إليه كون المنكر زال بكلام غيره فهو غير مخلص. والله أعلم.
وأما اللعن والطعن في النسب فلا يجوز؛ لأحاديث تأتي في الباب الخامس - إن شاء الله تعالى -.
قال أبو حامد: ولهذه الدرجة أدبان: أحدهما: أن لا يقدم على الفحش من القول إلاّ عند الضرورة والعجز عن اللطف.
والثاني: أن لا ينطق إلاّ بالصدق ولا يسترسل فيه فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه بل يقتصر على قدر الحاجة فإن علم أن خطابه بهذه الكلمات الزاجرات ليست تزجره، فلا ينبغي أن يطلقه بل يقتصر على إظهار الغضب. ولو علم أنه إذا تكلم لضرب، ولو اكفهر وأظهر الكراهة لم يضرب لزمه ولم يكفه الإنكار بالقلب بل يلزمه أن يقطب وجهه ويظهر الإنكار له.
وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا لم تستطع أن تغيّر على الفاجر فاكفهر في وجهه. وسيأتي في الكلام على الهجران ما يتعلق به - في الباب الرابع - إذ شاء الله-.
وقال عبد الله بن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا ولا يستطيع فيع غير أن يعلم الله من قلبه انه له كاره.