الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونظروا في أعطاف ملكهم واستتمّوا شيات [1] الحضارة ومفاني البذخ والأبّهة انتحلوا جميع هذه السّمات وتفنّنوا فيها وتجاروا إلى غايتها وأنفوا من المشاركة فيها وجزعوا من افتقادها وخلوّ دولتهم من آثارها والعالم بستان والله على كلّ شيء رقيب.
الفصل السابع والثلاثون في الحروب ومذاهب الأمم وترتيبها
اعلم أنّ الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليفة منذ براها الله وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصّب لكلّ منها أهل عصبيّته فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطّائفتان إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع كانت الحرب وهو أمر طبيعيّ في البشر لا تخلو عنه أمّة ولا جيل وسبب هذا الانتقام في الأكثر إمّا غيرة ومنافسة. وإمّا عدوان وإمّا غضب للَّه ولدينه وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده فالأوّل أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة والثّاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشيّة السّاكنين بالقفر كالعرب والتّرك والتّركمان والأكراد وأشباههم لأنّهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك وإنّما همّهم ونصب أعينهم غلب النّاس على ما في أيديهم والثّالث هو المسمّى في الشّريعة بالجهاد والرّابع هو حروب الدّول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها فهذه أربعة أصناف من الحروب الصّنفان الأوّلان منها حروب بغي وفتنة والصّنفان الأخيران حروب جهاد وعدل وصفة الحروب الواقعة بين أهل الخليقة منذ أوّل وجودهم على نوعين نوع بالزّحف
[1] ألوان الحضارة.
صفوفا ونوع بالكرّ والفرّ أمّا الّذي بالزّحف فهو قتال العجم كلّهم على تعاقب أجيالهم وأمّا الّذي بالكرّ والفرّ فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب وقتال الزّحف أوثق وأشدّ من قتال الكرّ والفرّ وذلك لأنّ قتال الزّحف ترتّب فيه الصّفوف وتسوّى كما تسوّى القداح أو صفوف الصّلاة ويمشون بصفوفهم إلى العدوّ قدما، فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدوّ. لأنّه كالحائط الممتدّ والقصر المشيد لا يطمع في إزالته وفي التّنزيل «إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ 61: 4» أي يشدّ بعضهم بعضا بالثّبات وفي الحديث الكريم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» ومن هنا يظهر لك حكمة إيجاب الثّبات وتحريم التّولّي في الزّحف فإنّ المقصود من الصّفّ في القتال حفظ النّظام كما قلناه فمن ولّى العدوّ ظهره فقد أخلّ بالمصافّ وباء بإثم الهزيمة إن وقعت وصار كأنّه جرّها على المسلمين وأمكن منهم عدوّهم فعظم الذّنب لعموم المفسدة وتعدّيها إلى الدّين بخرق سياجه فعدّ من الكبائر ويظهر من هذه الأدلّة أنّ قتال الزّحف أشدّ عند الشّارع وأمّا قتال الكرّ والفرّ فليس فيه من الشّدّة والأمن من الهزيمة ما في قتال الزّحف إلّا أنّهم قد يتّخذون وراءهم في القتال مصافّا ثابتا يلجئون إليه في الكرّ والفرّ ويقوم لهم مقام قتال الزّحف كما نذكره بعد. ثمّ إنّ الدّول القديمة الكثيرة الجنود المتّسعة الممالك كانوا يقسمون الجيوش والعساكر أقساما يسمّونها كراديس ويسوّون في كلّ كردوس صفوفه وسبب ذلك أنّه لمّا كثرت جنودهم الكثرة البالغة وحشدوا من قاصية النّواحي استدعى ذلك أن يجهل بعضهم بعضا إذا اختلطوا في مجال الحرب واعتوروا مع عدوّهم الطّعن والضّرب فيخشى من تدافعهم فيما بينهم لأجل النّكراء [1] وجهل بعضهم ببعض فلذلك كانوا يقسمون العساكر جموعا ويضمّون المتعارفين بعضهم لبعض ويرتّبونها قريبا من التّرتيب الطّبيعيّ في الجهات الأربع ورئيس العساكر
[1] نكراء الدهر: شدّته، النكر بفتح النون وضمها: الدهاء والفطنة. (المنجد) .
كلّها من سلطان أو قائد في القلب ويسمّون هذا التّرتيب التّعبئة وهو مذكور في أخبار فارس والرّوم والدّولتين وصدر الإسلام فيجعلون بين يدي الملك عسكرا منفردا بصفوفه متميزا بقائده ورايته وشعاره ويسمّونه المقدّمة ثمّ عسكرا آخر ناحية اليمين عن موقف الملك وعلى سمته يسمّونه الميمنة ثمّ عسكرا آخر من ناحية الشّمال كذلك يسمّونه الميسرة ثمّ عسكرا آخر من وراء العسكر يسمّونه السّاقة ويقف الملك وأصحابه في الوسط بين هذه الأربع ويسمّون موقفه القلب فإذا تمّ لهم هذا التّرتيب المحكم إمّا في مدى واحد للبصر أو على مسافة بعيدة أكثرها اليوم واليومان بين كلّ عسكرين منها أو كيفما أعطاه حال العساكر في القلّة والكثرة فحينئذ يكون الزّحف من بعد هذه التّعبئة وانظر ذلك في أخبار الفتوحات وأخبار الدّولتين بالمشرق وكيف كانت العساكر لعهد عبد الملك تتخلّف عن رحيله لبعد المدى في التّعبئة فاحتيج لمن يسوقها من خلفه وعيّن لذلك الحجّاج بن يوسف كما أشرنا إليه وكما هو معروف في أخباره وكان في الدّولة الأمويّة بالأندلس أيضا كثير منه وهو مجهول فيما لدينا لأنّا إنّما أدركنا دولا قليلة العساكر لا تنتهي في مجال الحرب إلى التناكر بل أكثر الجيوش من الطّائفتين معا يجمعهم لدينا حلّة [1] أو مدينة ويعرف كلّ واحد منهم قرنه ويناديه في حومة الحرب باسمه ولقبه فاستغنى عن تلك التّعبئة.
ومن مذاهب أهل الكرّ والفرّ في الحروب ضرب المصافّ وراء عسكرهم من الجمادات والحيوانات العجم فيتّخذونها ملجأ للخيّالة في كرّهم وفرّهم يطلبون به ثبات المقاتلة ليكون أدوم للحرب وأقرب إلى الغلب وقد يفعله أهل الزّحف أيضا ليزيدهم ثباتا وشدّة فقد كان الفرس وهم أهل الزّحف يتّخذون الفيلة في الحروب ويحمّلون عليها أبراجا من الخشب أمثال الصّروح مشحونة بالمقاتلة والسّلاح والرّايات ويصفّونها وراءهم في حومة الحرب كأنّها حصون فتقوى بذلك نفوسهم
[1] الحلة: ج حلل وحلال: كل ثوب جديد أو عموما الثوب الساتر لجميع البدن والحلّة: الزنبيل الكبير من القصب. والحلّة من الشيء جهته (المنجد) .
ويزداد وثوقهم وانظر ما وقع من ذلك في القادسيّة وإنّ فارس في اليوم الثّالث اشتدّوا بهم على المسلمين حتّى اشتدّت رجالات من العرب فخالطوهم وبعجوها بالسّيوف على خراطيمها فنفرت ونكصت [1] على أعقابها إلى مرابطها بالمدائن فجفا معسكر فارس لذلك وانهزموا في اليوم الرّابع. وأمّا الرّوم وملوك القوط بالأندلس وأكثر العجم فكانوا يتّخذون لذلك الأسرّة ينصبون للملك سريره في حومة الحرب ويحفّ به من خدمه وحاشيته وجنوده من هو زعيم بالاستماتة دونه وترفع الرّايات في أركان السّرير ويحدق به سياج آخر من الرّماة والرّجّالة فيعظم هيكل السّرير ويصير فئة للمقاتلة وملجأ للكرّ والفرّ وجعل ذلك الفرس أيّام القادسيّة وكان رستم [2] جالسا على سرير نصبه لجلوسه حتّى اختلفت صفوف فارس وخالطه العرب في سريره ذلك فتحوّل عنه إلى الفرات وقتل. وأمّا أهل الكرّ والفرّ من العرب وأكثر الأمم البدويّة الرّحّالة فيصفّون لذلك إبلهم والظهر الّذي يحمل ظعائنهم فيكون فئة لهم ويسمّونها المجبوذة وليس أمّة من الأمم إلّا وهي تفعل في حروبها وتراه أوثق في الجولة وآمن من الغرّة والهزيمة وهو أمر مشاهد وقد أغفلته الدّول لعهدنا بالجملة واعتاضوا عنه بالظّهر الحامل للأثقال والفساطيط يجعلونها ساقة من خلفهم ولا تغني غناء الفيلة والإبل فصارت العساكر بذلك عرضة للهزائم ومستشعرة للفرار في المواقف. وكان الحرب أوّل الإسلام كلّه زحفا وكان العرب إنّما يعرفون الكرّ والفرّ لكن حملهم على ذلك أوّل الإسلام أمران أحدهما أنّ أعداءهم كانوا يقاتلون زحفا فيضطرّون إلى مقاتلتهم بمثل قتالهم.
والثّاني أنّهم كانوا مستميتين في جهادهم لما رغبوا فيه من الصّبر، ولما رسخ فيهم من الإيمان والزّحف إلى الاستماتة أقرب. وأوّل من أبطل الصّفّ في الحروب وصار إلى التّعبئة كراديس مروان بن الحكم في قتال الضّحّاك الخارجيّ والجبيريّ بعده قال الطّبريّ لمّا ذكر قتال الجبيريّ «فولّى الخوارج عليهم شيبان بن عبد
[1] أحجمت.
[2]
هو قائد الجيوش الفارسية في معركة القادسية.
العزيز اليشكريّ ويلقّب أبا الذّلفاء قاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصّفّ من يومئذ» انتهى. فتنوسي قتال الزّحف بإبطال الصّفّ ثمّ تنوسي الصّفّ وراء المقاتلة بما داخل الدّول من التّرف وذلك أنّها حينما كانت بدويّة وسكناهم الخيام كانوا يستكثرون من الإبل وسكنى النّساء والولدان معهم في الأحياء فلمّا حصلوا على ترف الملك وألفوا سكنى القصور والحواضر وتركوا شأن البادية والقفر نسوا لذلك عهد الإبل والظّعائن وصعب عليهم اتّخاذها فخلّفوا النّساء في الأسفار وحملهم الملك والتّرف على اتّخاذ الفساطيط والأخبيّة فاقتصروا على الظّهر الحامل للأثقال [1] والأبنية وكان ذلك صفتهم في الحرب ولا يغني كلّ الغناء لأنّه لا يدعو إلى الاستماتة كما يدعو إليها الأهل والمال فيخفّ الصّبر من أجل ذلك وتصرفهم الهيعات [2] وتخرّم صفوفهم. ولما ذكرناه من ضرب المصافّ وراء العساكر وتأكّده في قتال الكرّ والفرّ صار ملوك المغرب يتّخذون طائفة من الإفرنج في جندهم واختصّوا بذلك لأنّ قتال أهل وطنهم كلّه بالكرّ والفرّ والسّلطان يتأكّد في حقّه ضرب المصافّ ليكون ردءا للمقاتلة أمامه فلا بدّ من أن يكون أهل ذلك الصّفّ من قوم متعوّدين للثّبات في الزّحف وإلّا أجفلوا على طريقة أهل الكرّ والفرّ فانهزم السّلطان والعساكر بإجفالهم فاحتاج الملوك بالمغرب أن يتّخذوا جندا من هذه الأمّة المتعوّدة الثّبات في الزّحف وهم الإفرنج ويرتّبون مصافّهم المحدق بهم منها هذا على ما فيه من الاستعانة بأهل الكفر. وإنّهم استخفّوا ذلك للضّرورة الّتي أريناكها من تخوّف الإجفال على مصافّ السّلطان والإفرنج لا يعرفون غير الثّبات في ذلك لأنّ عادتهم في القتال الزّحف فكانوا أقوم بذلك من غيرهم مع أنّ الملوك في المغرب إنّما يفعلون ذلك عند الحرب مع أمم العرب والبربر وقتالهم على الطّاعة وأمّا في الجهاد فلا يستعينون بهم حذرا من ممالأتهم على المسلمين هذا هو
[1] قوله للاثقال والأبنية مراده بالأبنية الخيام كما يدل عليه قوله في فصل الخندق الآتي قريبا إذا نزلوا وضربوا أبنيتهم 1 هـ-.
[2]
الأصوات المخيفة.
الواقع لهذا العهد وقد أبدينا سببه والله بكلّ شيء عليم. وبلغنا أنّ أمم التّرك لهذا العهد قتالهم مناضلة بالسّهام وأنّ تعبئة الحرب عندهم بالمصافّ وأنّهم يقسمون بثلاثة صفوف يضربون صفّا وراء صفّ ويترجّلون عن خيولهم ويفرّغون سهامهم بين أيديهم ثمّ يتناضلون جلوسا وكلّ صف ردء للّذي أمامه أن يكبسهم العدوّ إلى أن يتهيّأ النّصر لإحدى الطّائفتين على الأخرى وهي تعبئة محكمة غريبة. وكان من مذاهب الأوّل في حروبهم حفر الخنادق على معسكرهم عند ما يتقاربون للزّحف حذرا من معرّة البيات والهجوم على العسكر باللّيل لما في ظلمته ووحشته من مضاعفة الخوف فيلوذ الجيش بالفرار وتجد النّفوس في الظّلمة سترا من عاره فإذا تساووا في ذلك أرجف العسكر ووقعت الهزيمة فكانوا لذلك يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا نزلوا وضربوا أبنيتهم [1] ويديرون الحفائر نطاقا عليهم من جميع جهاتهم حرصا أن يخالطهم العدوّ بالبيات فيتخاذلوا. وكانت للدّول في أمثال هذا قوّة وعليه اقتدار باحتشاد الرّجال وجمع الأيدي عليه في كلّ منزل من منازلهم بما كانوا عليه من وفور العمران وضخامة الملك فلمّا خرب العمران وتبعه ضعف الدّول وقلّة الجنود وعدم الفعلة نسي هذا الشّأن جملة كأنّه لم يكن والله خير القادرين. وانظر وصيّة علي رضي الله عنه وتحريضه لأصحابه يوم صفّين تجد كثيرا من علم الحرب ولم يكن أحد أبصر بها منه قال في كلام له: «فسوّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدّموا الدّارع وأخّروا الحاسر وعضّوا على الأضراس فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام والتووا على أطراف الرّماح فإنّه أصون للأسنّة وغضّوا الأبصار فإنّه أربط للجأش وأسكن للقلوب واخفتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل وأولى بالوقار وأقيموا راياتكم فلا تميلوها ولا تجعلوها إلّا بأيدي شجعانكم واستعينوا بالصّدق والصّبر فإنّه بقدر الصّبر ينزل النّصر» وقال الأشتر يومئذ يحرّض الأزد: «عضّوا على النّواجذ من الأضراس واستقبلوا القوم بهامكم وشدّوا
[1] خيامهم.
شدّة قوم موتورين يثأرون بآبائهم وإخوانهم حناقا على عدوّهم وقد وطّنوا على الموت أنفسهم لئلّا يسبقوا بوتر ولا يلحقهم في الدّنيا عار» وقد أشار إلى كثير من ذلك أبو بكر الصّيرفيّ شاعر لمتونة وأهل الأندلس في كلمة يمدح بها تاشفين بن عليّ بن يوسف ويصف ثباته في حرب شهدها ويذكّره بأمور الحرب في وصايا تحذيرات تنبّهك على معرفة كثير من سياسة الحرب يقول فيها.
يا أيّها الملأ الّذي يتقنّع
…
من منكم الملك الهمام الأروع
ومن الّذي غدر العدوّ به دجى
…
فانفضّ كلّ وهو لا يتزعزع
تمضي الفوارس والطّعان يصدّها
…
عنه ويدمرها الوفاء فترجع
واللّيل من وضح التّرائك إنّه
…
صبح على هام الجيوش يلمّع
أنّى فزعتم يا بني صنهاجة
…
وإليكم في الرّوع كان المفزع
إنسان عين لم يصبها منكم
…
حضن وقلب أسلمته الأضلع
وصددتم عن تاشفين وإنّه
…
لعقابه لو شاء فيكم موضع
ما أنتم إلّا أسود خفيّة
…
كلّ لكلّ كريهة مستطلع
يا تاشفين أقم لجيشك عذره
…
باللّيل والعذر الّذي لا يدفع
ومنها في سياسة الحرب
أهديك من أدب السّياسة ما به
…
كانت ملوك الفرس قبلك تولع
لا إنّني أدري بها لكنّها
…
ذكرى تحضّ المؤمنين وتنفع
والبس من الحلق المضاعفة الّتي
…
وصّى بها صنع الصّنائع تبّع
والهندوانيّ الرّقيق فإنّه
…
أمضى على حدّ الدّلاص وأقطع
واركب من الخيل السّوابق عدّة
…
حصنا حصينا ليس فيه مدفع
خندق عليك إذا ضربت محلّة
…
سيّان تتبع ظافرا أو تتبع
والواد لا تعبره وانزل عنده
…
بين العدوّ وبين جيشك يقطع
واجعل مناجزة الجيوش عشيّة
…
ووراءك الصّدق الّذي هو أمنع
وإذا تضايقت الجيوش بمعرك
…
ضنك فأطراف الرّماح توسّع
واصدمه أوّل وهلة لا تكترث
…
شيئا فإظهار النّكول يضعضع
واجعل من الطّلّاع أهل شهامة
…
للصّدق فيهم شيمة لا تخدع
لا تسمع الكذّاب جاءك مرجفا
…
لا رأي للكذّاب فيما يصنع
قوله واصدمه أوّل وهلة لا تكترث البيت مخالف لما عليه النّاس في أمر الحرب فقد قال عمر لأبي عبيد بن مسعود الثّقفيّ لمّا ولّاه حرب فارس والعراق فقال له اسمع وأطع من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر ولا تجيبنّ مسرعا حتّى تتبيّن فإنّها الحرب ولا يصلح لها الرّجل المكيث [1] الّذي يعرف الفرصة والكفّ وقال له في أخرى: «إنّه لن يمنعني أن أؤمر سليطا إلّا سرعته في الحرب وفي التّسرّع في الحرب إلّا عن بيان ضياع والله لولا ذلك لأمرته لكنّ الحرب لا يصلحها إلّا الرّجل المكيث» هذا كلام عمر وهو شاهد بأنّ التّثاقل في الحرب أولى من الخفوف حتّى يتبيّن حال تلك الحرب وذلك عكس ما قاله الصّيرفيّ إلّا أن يريد أنّ الصّدم بعد البيان [2] فله وجه والله تعالى أعلم. ولا وثوق في الحرب بالظّفر وإن حصلت أسبابه من العدّة والعديد وإنّما الظّفر فيها والغلب من قبيل البحث والاتّفاق وبيان ذلك أنّ أسباب الغلب في الأكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي الجيوش ووفورها وكمال الأسلحة واستجادتها وكثرة الشّجعان وترتيب المصافّ ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك ومن أمور خفيّة وهي إمّا من خداع البشر وحيلهم في الإرجاف والتّشانيع الّتي يقع بها التّخذيل وفي التّقدّم إلى الأماكن المرتفعة ليكون الحرب من أعلى فيتوهّم المنخفض لذلك وفي الكمون في الغياض ومطمئنّ الأرض والتّواري بالكدى [3] حول العدوّ حتّى يتداولهم العسكر
[1] المكيث: الرزين المتأني (المنجد) .
[2]
كلمة البيان ليس لها معنى في هذه الجملة ولعلها محرفة من كلمة بيات كما يقتضيه سياق المعنى.
[3]
يقال: الحافر بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر، حفر فأكدى أي بلغ الصلب والكدى الأرض الصلبة. (المنجد) .
دفعة وقد تورّطوا فيتلفّتون إلى النّجاة وأمثال ذلك وإمّا أن تكون تلك الأسباب الخفيّة أمورا سماويّة لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقى في القلوب فيستولي الرّهب عليهم لأجلها فتختلّ مراكزهم فتقع الهزيمة وأكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفيّة لكثرة ما يعتمل لكلّ واحد من الفريقين فيها حرصا على الغلب فلا بدّ من وقوع التّأثير في ذلك لأحدهما ضرورة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «الحرب خدعة» ومن أمثال العرب «ربّ حيلة أنفع من قبيلة» فقد تبيّن أنّ وقوع الغلب في الحروب غالبا عن أسباب خفيّة غير ظاهرة ووقوع الأشياء عن الأسباب الخفيّة هو معنى البخت كما تقرّر في موضعه فاعتبره وتفهّم من وقوع الغلب عن الأمور السّماويّة كما شرحناه معنى قوله صلى الله عليه وسلم «نصرت بالرّعب مسيرة شهر» وما وقع من غلبه للمشركين في حياته بالعدد القليل وغلب المسلمين من بعده كذلك في الفتوحات فإنّ الله سبحانه وتعالى تكفّل لنبيّه بإلقاء الرّعب في قلوب الكافرين حتّى يستولي على قلوبهم فينهزموا معجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم فكان الرّعب في قلوبهم سببا للهزائم في الفتوحات الإسلاميّة كلّها أنّه خفيّ عن العيون. وقد ذكر الطّرطوشيّ: أنّ من أسباب الغلب في الحرب أن تفضّل عدّة الفرسان المشاهير من الشّجعان في أحد الجانبين على عدّتهم في الجانب الآخر مثل أن يكون أحد الجانبين فيه عشرة أو عشرون من الشّجعان المشاهير وفي الجانب الآخر ثمانيّة أو ستّة عشر فالجانب الزّائد ولو بواحد يكون له الغلب وأعاد في ذلك وأبدى وهو راجع إلى الأسباب الظّاهرة الّتي قدّمنا وليس بصحيح. وإنّما الصّحيح المعتبر في الغلب حال العصبيّة أن يكون في أحد الجانبين عصبيّة واحدة جامعة لكلّهم وفي الجانب الآخر عصائب متعدّدة لأنّ العصائب إذا كانت متعدّدة يقع بينها من التّخاذل ما يقع في الوحدان المتفرّقين الفاقدين للعصبيّة تنزّل كلّ عصابة منهم منزلة الواحد ويكون الجانب الّذي عصابته متعدّدة لا يقاوم الجانب الّذي عصبته واحدة لأجل ذلك فتفهّمه واعلم أنّه أصحّ في الاعتبار ممّا ذهب إليه الطّرطوشيّ ولم
يحمله على ذلك إلّا نسيان شأن العصبيّة في حلّة وبلدة وأنّهم إنّما يرون ذلك الدّفاع والحماية والمطالبة إلى الوحدان والجماعة النّاشئة عنهم لا يعتبرون في ذلك عصبيّة ولا نسبا وقد بيّنّا ذلك أوّل الكتاب مع أنّ هذا وأمثاله على تقدير صحّته إنّما هو من الأسباب الظّاهرة مثل اتّفاق الجيش في العدّة وصدق القتال وكثرة الأسلحة وما أشبهها فكيف يجعل ذلك كفيلا بالغلب ونحن قد قرّرنا لك الآن أنّ شيئا منها لا يعارض الأسباب الخفيّة من الحيل والخداع ولا الأمور السّماويّة من الرّعب والخذلان الإلهيّ فافهمه وتفهّم أحوال الكون «وَالله يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ 73: 20» .
ويلحق بمعنى الغلب في الحروب وأنّ أسبابه خفيّة وغير طبيعيّة حال الشّهرة والصّيت فقلّ أن تصادف موضعها في أحد من طبقات النّاس من الملوك والعلماء والصّالحين والمنتحلين للفضائل على العموم وكثير ممّن اشتهر بالشّرّ وهو بخلافه وكثير ممّن تجاوزت عنه الشّهرة وهو أحقّ بها وأهلها وقد تصادف موضعها وتكون طبقا على صاحبها والسّبب في ذلك أنّ الشّهرة والصّيت إنّما هما بالإخبار والإخبار يدخلها الذّهول عن المقاصد عند التّناقل ويدخلها التّعصّب والتّشييع ويدخلها الأوهام ويدخلها الجهل بمطابقة الحكايات للأحوال لخفائها بالتّلبيس والتّصنّع أو لجهل النّاقل ويدخلها التّقرّب لأصحاب التّجلّة والمراتب الدّنيويّة بالثّناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذّكر بذلك والنّفوس مولعة بحبّ الثّناء والنّاس متطاولون إلى الدّنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا من الأكثر براغبين في الفضائل ولا منافسين في أهلها وأين مطابقة الحقّ مع هذه كلّها فتختلّ الشّهرة عن أسباب خفيّة من هذه وتكون غير مطابقة وكلّ ما حصل بسبب خفيّ فهو الّذي يعبّر عنه بالبخت كما تقرّر والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التّوفيق
.