الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النّصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فرارا من الغضاضة الّتي يتوهّمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كلّ أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة الّتي تلحق النّفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النّسب وذلك لأجل اللّحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النّسب أو قريبا منها ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» بمعنى أنّ النّسب إنّما فائدته هذا الالتحام الّذي يوجب صلة الأرحام حتّى تقع المناصرة والنّعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النّسب أمر وهميّ لا حقيقة له ونفعه إنّما هو في هذه الوصلة والالتحام فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النّفوس على طبيعتها من النّعرة كما قلناه وإذا كان إنّما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشّغل به مجّانا [1] ومن أعمال اللهو المنهيّ عنه ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النّسب علم لا ينفع وجهالة لا تضرّ بمعنى أنّ النّسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النّفس وانتفت النّعرة الّتي تحمل عليها العصبيّة فلا منفعة فيه حينئذ والله سبحانه وتعالى أعلم.
الفصل التاسع في أن الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم
وذلك لما اختصّوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن حملتهم عليها الضّرورة الّتي عيّنت لهم تلك القسمة وهي لمّا كان معاشهم من القيام على الإبل ونتاجها ورعايتها والإبل تدعوهم إلى التّوحّش في القفر لرعيها من شجره
[1] الأصوب أن يقول مجانة أو مجونا.
ونتاجها في رماله كما تقدّم والقفر مكان الشّظف والسّغب [1] فصار لهم إلفا وعادة وربيت فيه أجيالهم حتّى تمكّنت خلقا وجبلّة فلا ينزع إليهم أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الأجيال بل لو وجد واحد منهم السّبيل إلى الفرار من حاله وأمكنه ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط أنسابهم وفسادها ولا تزال بينهم محفوظة صريحة واعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة لمّا كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع وبعدوا من أرياف الشّام والعراق ومعادن الأدم والحبوب كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها اختلاط ولا عرف فيها شوب. وأمّا العرب الّذين كانوا بالتّلول وفي معادن الخصب للمراعي والعيش من حمير وكهلان مثل لخم وجذام وغسّان وطيّ وقضاعة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم ففي كلّ واحد من بيوتهم من الخلاف عند النّاس ما تعرف وإنّما جاءهم ذلك من قبل العجم ومخالطتهم وهم لا يعتبرون المحافظة على النّسب في بيوتهم وشعوبهم وإنّما هذا للعرب [2] فقط. قال عمر رضى الله تعالى عنه «تعلّموا النّسب ولا تكونوا كنبط السّواد» إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا هذا أي ما لحق هؤلاء العرب أهل الأرياف من الازدحام مع النّاس على البلد الطّيّب والمراعي الخصيبة فكثر الاختلاط وتداخلت الأنساب وقد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنّسرين جند دمشق جند العواصم وانتقل ذلك إلى الأندلس ولم يكن لاطّراح العرب أمر النّسب وإنّما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتّى عرفوا بها وصارت لهم علامة زائدة على النّسب يتميّزون بها عند أمرائهم ثمّ وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم
[1] السغب: الجوع مع التعب.
[2]
بمعنى ان المحافظة على النسب محصورة في العرب سكان البادية والأرياف أو كما يعني بهم ابن خلدون (العرب المتوحشون) .