الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والملابس والاستكثار من ذلك والتّأنّق فيه بمقدار ما حصل من الرّياش والتّرف وما يدعو إليه من توابع ذلك فتذهب خشونة البداوة وتضعف العصبيّة والبسالة ويتنعّمون فيما أتاهم الله من البسطة وتنشأ بنوهم وأعقابهم في مثل ذلك من التّرفّع عن خدمة أنفسهم وولاية حاجاتهم ويستنكفون عن سائر الأمور الضّروريّة في العصبيّة حتّى يصير ذلك خلقا لهم وسجيّة فتنقص عصبيّتهم وبسالتهم في الأجيال بعدهم يتعاقبها إلى أن تنقرض العصبيّة فيأذنون بالانقراض وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء فضلا عن الملك فإنّ عوارض التّرف والغرق في النّعيم كاسر من سورة العصبيّة الّتي بها التّغلّب وإذا انقرضت العصبيّة قصّر القبيل عن المدافعة والحماية فضلا عن المطالبة والتهمتهم الأمم سواهم فقد تبيّن أنّ التّرف من عوائق الملك وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ من يَشاءُ 2: 247.
الفصل التاسع عشر في أن من عوائق الملك المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم
وسبب ذلك أنّ المذلّة والانقياد كاسران لسورة العصبيّة وشدّتها فإنّ انقيادهم ومذلّتهم دليل على فقدانها فما رئموا للمذلّة حتّى عجزوا عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة واعتبر ذلك في بني إسرائيل لمّا دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشّام وأخبرهم بأنّ الله قد كتب لهم ملكها كيف عجزوا عن ذلك وقالوا: «إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها 5: 22» [1] أي يخرجهم الله تعالى منها بضرب من قدرته غير عصبيّتنا وتكون من معجزاتك يا موسى ولمّا عزم عليهم لجّوا وارتكبوا العصيان وقالوا له: «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا 5: 24» [2] وما ذلك إلّا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة
[1] سورة المائدة الآية 22.
[2]
سورة المائدة الآية 24.
والمطالبة كما تقتضيه الآية [1] وما يؤثّر في تفسيرها وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد وما رئموا من الذّلّ للقبط أحقابا حتّى ذهبت العصبيّة منهم جملة مع أنّهم لم يؤمنوا حقّ الإيمان بما أخبرهم به موسى من أنّ الشّام لهم وأنّ العمالقة الّذين كانوا بأريحا فريستهم بحكم من الله قدّره لهم فأقصروا عن ذلك وعجزوا تعويلا على ما في أنفسهم من العجز عن المطالبة لما حصل لهم من خلق المذلّة وطعنوا فيما أخبرهم به نبيّهم من ذلك وما أمرهم به فعاقبهم الله بالتّيه وهو أنّهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشّام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران ولا نزلوا مصرا ولا خالطوا بشرا كما قصّه القرآن لغلظة العمالقة بالشّام والقبط بمصر عليهم لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه ويظهر من مساق الآية ومفهومها أنّ حكمة ذلك التّيه مقصودة وهي فناء الجيل الّذين خرجوا من قبضة الذّلّ والقهر والقوّة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيّتهم حتّى نشأ في ذلك التّيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسأم بالمذلّة فنشأت بذلك عصبيّة أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتّغلّب ويظهر لك من ذلك أنّ الأربعين سنة أقلّ ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر سبحان الحكيم العليم وفي هذا أوضح دليل على شأن العصبيّة وأنّها هي الّتي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة وأنّ من فقدها عجز عن جميع ذلك كلّه ويلحق بهذا الفصل فيما يوجب المذلّة للقبيل شأن المغارم والضّرائب فإنّ القبيل الغارمين ما أعطوا اليد من ذلك حتّى رضوا بالمذلّة فيه لأنّ في المغارم والضّرائب ضيما ومذلّة لا تحتملها النّفوس الأبيّة إلّا إذا استهونته عن القتل والتّلف وأنّ عصبيّتهم حينئذ ضعيفة عن المدافعة والحماية ومن كانت عصبيّته لا تدفع عنه الضّيم فكيف له بالمقاومة والمطالبة وقد حصل له الانقياد للذّلّ والمذلّة عائقة كما قدّمناه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في شأن الحرث لمّا رأى سكّة المحراث في بعض دور الأنصار «ما دخلت هذه دار قوم إلّا دخلهم الذّلّ»
[1] جاء ختام هذه القصة في القرآن الكريم بقوله تعالى: «قال فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ 5:26. (سورة المائدة) .