الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنّ النّاس لحاجتهم إلى الأقوات مضطرّون إلى ما يبذلون فيها من المال اضطرارا فتبقى النّفوس متعلّقة به وفي تعلّق النّفوس بما لها سرّ [1] كبير في وباله على من يأخذه مجّانا ولعلّه الّذي اعتبره الشّارع في أخذ أموال النّاس بالباطل وهذا وإن لم يكن مجّانا فالنّفوس متعلّقة به لإعطائه ضرورة من غير سعة في العذر فهو كالمكره وما عدا الأقوات والمأكولات من المبيعات لا اضطرار للنّاس إليها وإنّما يبعثهم عليها التّفنّن في الشّهوات فلا يبذلون أموالهم فيها إلّا باختيار وحرص. ولا يبقى لهم تعلّق بما أعطوه فلهذا يكون من عرف بالاحتكار تجتمع القوى النّفسانيّة على متابعته لما يأخذه من أموالهم فيفسد ربحه. والله تعالى أعلم.
وسمعت فيما يناسب هذا حكاية ظريفة عن بعض مشيخة المغرب. أخبرني شيخنا أبو عبد الله الأبليّ قال: حضرت عند القاضي بفاس لعهد السّلطان أبي سعيد وهو الفقيه أبو الحسن المليليّ وقد عرض عليه أن يختار بعض الألقاب المخزنيّة لجرايته قال فأطرق مليّا ثمّ قال: من مكس الخمر. فاستضحك الحاضرون من أصحابه وعجبوا وسألوه عن حكمة ذلك. فقال: إذا كانت الجبايات كلّها حراما فأختار منها ما لا تتابعه نفس معطيه والخمر قلّ أن يبذل فيها أحد ماله إلّا وهو طرب مسرور بوجوداته غير أسف عليه ولا متعلّقة به نفسه وهذه ملاحظة غريبة والله سبحانه وتعالى يعلم ما تكنّ الصّدور.
الفصل الرابع عشر في أن رخص الأسعار مضر بالمحترفين بالرخص
وذلك أنّ الكسب والمعاش كما قدّمناه إنّما هو بالصّنائع أو التّجارة.
والتّجارة هي شراء البضائع والسّلع وادّخارها. يتحيّن بها حوالة الأسواق بالزّيادة
[1] وفي النسخة الباريسية: شر.
في أثمانها ويسمّى ربحا. ويحصل منه الكسب والمعاش للمحترفين بالتّجارة دائما فإذا استديم الرّخص في سلعة أو عرض من مأكول أو ملبوس أو متموّل على الجملة ولم يحصل للتّاجر حوالة الأسواق فسد الرّبح والنماء بطول تلك المدّة وكسدت سوق ذلك الصّنف ولم يحصل التّاجر إلّا على العناء فقعد التّجّار عن السّعي فيها وفسدت رءوس أموالهم. واعتبر ذلك أوّلا بالزّرع فإنّه إذا استديم رخصه يفسد به حال المحترفين [1] بسائر أطواره من الفلح والزّراعة لقلّة الرّبح فيه وندارته [2] أو فقده. فيفقدون النّماء في أموالهم أو يجدونه على قلّة ويعودون بالإنفاق على رءوس أموالهم وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة.
ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضا بالطّحن والخبز وسائر ما يتعلّق بالزّراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولا. وكذا يفسد حال الجند إذا كانت أرزاقهم من السّلطان على [3] أهل الفلح زرعا فإنّها تقلّ جبايتهم من ذلك ويعجزون عن إقامة الجنديّة الّتي (هي بسببها ومطالبون بها ومنقطعون لها)[4] فتفسد أحوالهم وكذا إذا استديم الرّخص في السّكّر أو العسل فسد جميع ما يتعلّق به وقعد المحترفون عن التّجارة فيه وكذا حال الملبوسات إذا استديم فيها الرّخص أيضا فإذا الرّخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصّنف الرّخيص وكذا الغلاء المفرط أيضا. وإنّما معاش النّاس وكسبهم في التّوسّط من ذلك وسرعة حوالة الأسواق وعلم ذلك يرجع إلى العوائد المتقرّرة بين أهل العمران. وإنّما يحمد الرّخص في الزّرع من بين المبيعات لعموم الحاجة إليه واضطرار النّاس إلى الأقوات من بين الغنيّ والفقير. والعالة من الخلق هم الأكثر في العمران فيعمّ الرّفق بذلك ويرجّح جانب القوت على جانب التّجارة في هذا الصّنف الخاصّ «وَالله الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» والله سبحانه وتعالى ربّ العرش العظيم.
[1] وفي نسخة أخرى: فإذا استديم رخصه كيف تفسر أحوال المحترفين به.
[2]
وفي نسخة أخرى: ونزارته.
[3]
وفي نسخة أخرى: عند.
[4]
وفي نسخة أخرى: هم بسببها ويرتزقون من السلطان عليها ويقطع عنهم الرزق.