الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهل بيته يلبسون الحرير والدّيباج ويتحلّون بالذّهب في السّلاح والمراكب ويحتجبون عن النّاس في المجالس والصّلوات فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللّباس والزّيّ والاختلاط بالنّاس إذ العوائد حينئذ تمنعه وتقبّح عليه مرتكبه ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة، وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه وانظر شأن الأنبياء في إنكار العوائد ومخالفتها لولا التّأييد الإلهيّ والنّصر السّماويّ وربّما تكون العصبيّة قد ذهبت فتكون الأبّهة تعوّض عن موقعها من النّفوس فإذا أزيلت تلك الأبّهة مع ضعف العصبيّة تجاسرت الرّعايا على الدّولة بذهاب أوهام الأبّهة فتتدرّع الدّولة بتلك الأبّهة ما أمكنها حتّى ينقضي الأمر وربّما يحدث عند آخر الدّولة قوّة توهم أنّ الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود كما يقع في الذّبال المشتعل فإنّه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنّها اشتعال وهي انطفاء فاعتبر ذلك ولا تغفل سرّ الله تعالى وحكمته في اطّراد وجوده على ما قدّر فيه «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ 13: 38» .
الفصل السابع والأربعون في كيفية طروق الخلل للدولة
اعلم أنّ مبنى الملك على أساسين لا بدّ منهما فالأوّل الشّوكة والعصبيّة وهو المعبّر عنه بالجند والثّاني المال الّذي هو قوام أولئك الجند وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال. والخلل إذا طرق الدّولة طرقها في هذين الأساسين فلنذكر أوّلا طروق الخلل في الشّوكة والعصبيّة ثمّ نرجع إلى طروقه في المال والجباية.
واعلم أنّ تمهيد الدّولة وتأسيسها كما قلناه إنّما يكون بالعصبيّة وأنّه لا بدّ من عصبيّة كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها وهي عصبيّة صاحب الدّولة الخاصّة من عشيرة وقبيلة فإذا جاءت الدّولة طبيعة الملك من التّرف وجدع أنوف أهل
العصبيّة كان [1] أوّل ما يجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك فيستبدّ في جدع أنوفهم بما بلغ من سوادهم لمكانهم من الملك والعزّ والغلب فيحيط بهم هادمان وهما التّرف والقهر ثمّ يصير القهر آخرا إلى القتل لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الأمر فيقلب غيرته منهم إلى الخوف على ملكه فيأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النّعمة والتّرف الّذي تعوّدوا الكثير منه فيهلكون ويقلّون وتفسد عصبيّة صاحب الدّولة منهم وهي العصبيّة الكبرى الّتي كانت تجمع بها العصائب وتستتبعها فتنحلّ عروتها وتضعف شكيمتها وتستبدل عنها بالبطانة من موالي النّعمة وصنائع الإحسان وتتّخذ منهم عصبيّة إلّا أنّها ليست مثل تلك الشّدّة الشّكيميّة لفقدان الرّحم والقرابة منها وقد كنّا قدّمنا أنّ شأن العصبيّة وقوّتها إنّما هي بالقرابة والرّحم لما جعل الله في ذلك فينفرد صاحب الدّولة عن العشير والأنصار الطّبيعيّة ويحسّ بذلك أهل العصائب الأخرى فيتجاسرون عليه وعلى بطانته تجاسرا طبيعيّا فيهلكهم صاحب الدّولة ويتبعهم بالقتل واحدا بعد واحد ويقلّد الآخر من أهل الدّولة في ذلك، الأوّل مع ما يكون قد نزل بهم من مهلكة التّرف الّذي قدّمنا فيستولي عليهم الهلاك بالتّرف والقتل حتّى يخرجوا عن صبغة تلك العصبيّة ويفشوا بعزّتها وثورتها ويصيروا أوجز على الحماية ويقلّون لذلك فتقلّ الحماية الّتي تنزل بالأطراف والثّغور فتتجاسر الرّعايا على بعض الدّعوة في الأطراف ويبادر الخوارج على الدّولة من الأعياص وغيرهم إلى تلك الأطراف لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم وأمنهم من وصول الحامية إليهم ولا يزال ذلك يتدرّج ونطاق الدّولة يتضايق حتّى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدّولة وربّما انقسمت الدّولة عند ذلك بدولتين أو ثلاث على قدر قوّتها في الأصل كما قلناه ويقوم بأمرها غير أهل عصبيّتها لكن إذعانا لأهل عصبيّتها ولغلبهم المعهود واعتبر هذا في دولة العرب في الإسلام كيف انتهت أوّلا إلى الأندلس والهند والصّين
[1] أي صاحب الدولة.
وكان أمر بني أميّة نافذا في جميع العرب بعصبيّة بني عبد مناف حتّى لقد أمر سليمان بن عبد الملك بدمشق بقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير بقرطبة فقتل ولم يردّ أمره. ثمّ تلاشت عصبيّة بني أميّة بما أصابهم من التّرف فانقرضوا. وجاء بنو العبّاس فغضّوا من أعنّة بني هاشم وقتلوا الطّالبيّين وشرّدوهم فانحلّت عصبيّة عبد مناف وتلاشت وتجاسر العرب عليهم فاستبدّ عليهم أهل القاصية مثل بني الأغلب بإفريقيّة وأهل الأندلس وغيرهم وانقسمت الدّولة ثمّ خرج بنو إدريس بالمغرب وقام البربر بأمرهم إذعانا للعصبيّة الّتي لهم وأمنا أن تصلهم مقاتلة أو حامية للدّولة. فإذا خرج الدّعاة آخرا فيتغلّبون على الأطراف والقاصية وتحصل لهم هناك دعوة وملك تنقسم به الدّولة وربّما يزيد ذلك متى زادت الدّولة تقلّصا إلى أن ينتهي إلى المركز وتضعف البطانة بعد ذلك بما أخذ منها التّرف فتهلك وتضمحلّ وتضعف الدّولة المنقسمة كلّها وربّما طال أمدها بعد ذلك فتستغني عن العصبيّة بما حصل لها من الصّبغة في نفوس أهل إيالتها وهي صبغة الانقياد والتّسليم منذ السّنين الطّويلة الّتي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوّليّتها فلا يعقلون إلّا التّسليم لصاحب الدّولة فيستغني بذلك عن قوّة العصائب ويكفي صاحبها بما حصل لها في تمهيد أمرها الإجراء على الحامية من جنديّ ومرتزق ويعضد ذلك ما وقع في النّفوس عامّة من التّسليم فلا يكاد أحد يتصوّر عصيانا أو خروجا إلّا والجمهور منكرون عليه مخالفون له فلا يقدر على التّصدّي لذلك ولو جهد جهده وربّما كانت الدّولة في هذا الحال أسلم من الخوارج والمنازعة لاستحكام صبغة التّسليم والانقياد لهم فلا تكاد النّفوس تحدّث سرّها بمخالفة ولا يختلج في ضميرها انحراف عن الطّاعة فيكون أسلم من الهرج والانتقاض الّذي يحدث من العصائب والعشائر ثمّ لا يزال أمر الدّولة كذلك وهي تتلاشى في ذاتها شأن الحرارة الغريزيّة في البدن العادم للغذاء إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور ولكلّ أجل كتاب ولكلّ دولة أمد والله يقدّر اللّيل والنّهار وهو
الواحد القهّار. وأمّا الخلل الّذي يتطرّق من جهة المال فاعلم أنّ الدّولة في أوّلها تكون بدويّة كما مرّ فيكون خلق الرّفق بالرّعايا والقصد في النّفقات والتّعفّف عن الأموال فتتجافى عن الإمعان في الجباية والتّحذلق والكيس في جمع الأموال وحسبان العمّال ولا داعية حينئذ إلى الإسراف في النّفقة فلا تحتاج الدّولة إلى كثرة المال ثمّ يحصل الاستيلاء ويعظم ويستفحل الملك فيدعو إلى التّرف ويكثر الإنفاق بسببه فتعظم نفقات السّلطان وأهل الدّولة على العموم بل يتعدّى ذلك إلى أهل المصر ويدعو ذلك إلى الزّيادة في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدّولة ثمّ يعظم التّرف فيكثر الإسراف في النّفقات وينتشر ذلك في الرّعيّة لأنّ النّاس على دين ملوكها وعوائدها ويحتاج السّلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الأسواق لإدرار الجباية لما يراه من ترف المدينة الشّاهد عليهم بالرّفه ولما يحتاج هو إليه من نفقات سلطانه وأرزاق جنده ثمّ تزيد عوائد التّرف فلا تفي بها المكوس وتكون الدّولة قد استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من الرّعايا فتمتدّ أيديهم إلى جمع المال من أموال الرّعايا من مكس أو تجارة أو نقد في بعض الأحوال بشبهة أو بغير شبهة ويكون الجند في ذلك الطّور قد تجاسر على الدّولة بما لحقها من الفشل والهرم في العصبيّة فتتوقّع ذلك منهم وتداوى بسكينة العطايا وكثرة الإنفاق فيهم ولا تجد عن ذلك وليجة وتكون جباة الأموال في الدّولة قد عظمت ثروتهم في هذا الطّور بكثرة الجباية وكونها بأيديهم وبما اتّسع لذلك من جاههم فيتوجّه إليهم باحتجان الأموال من الجباية وتفشو السّعاية فيهم، بعضهم من بعض للمنافسة والحقد فتعمّهم النّكبات والمصادرات واحدا واحدا إلى أن تذهب ثروتهم وتتلاشى أحوالهم ويفقد ما كان للدّولة من الأبّهة والجمال بهم وإذا اصطلمت نعمتهم تجاوزتهم الدّولة إلى أهل الثّروة من الرّعايا سواهم ويكون الوهن في هذا الطّور قد لحق الشّوكة وضعفت عن الاستطالة والقهر فتنصرف سياسة صاحب الدّولة حينئذ إلى مداراة الأمور ببذل المال ويراه أرفع من