الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مدرك كان، ويعنون به هذا القدر الّذي أوضحناه. وهذه نبذة أومأنا بها إلى ما يوضح القول في المتشابه. ولو أوسعنا الكلام فيه لقصرت المدارك عنه.
فلنفزع إلى الله سبحانه في الهداية والفهم عن أنبيائه وكتابه، بما يحصل به الحقّ في توحيدنا، والظفر بنجاتنا وَالله يَهْدِي من يَشاءُ 2:213.
الفصل السابع عشر في علم التصوّف
هذا العلم من العلوم الشّرعيّة الحادثة في الملّة وأصله أنّ طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمّة وكبارها من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم طريقة الحقّ والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدّنيا وزينتها، والزّهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عامّا في الصّحابة والسّلف. فلمّا فشا الإقبال على الدّنيا في القرن الثّاني وما بعده وجنح النّاس إلى مخالطة الدّنيا اختصّ المقبلون على العبادة باسم الصّوفيّة والمتصوّفة. وقال القشيريّ رحمه الله:
ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربيّة ولا قياس. والظّاهر أنّه لقب. ومن قال اشتقاقه من الصّفاء أو من الصّفة فبعيد من جهة القياس اللّغويّ، قال: وكذلك من الصّوف لأنّهم لم يختصّوا بلبسه. قلت: والأظهر إن قيل بالاشتقاق أنّه من الصّوف وهم في الغالب مختصّون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة النّاس في لبس فاخر الثّياب إلى لبس الصّوف فلمّا اختصّ هؤلاء بمذهب الزّهد والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة اختصّوا بمآخذ مدركة لهم وذلك أنّ الإنسان بما هو إنسان إنّما يتميّز عن سائر الحيوان بالإدراك وإدراكه نوعان: إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظّنّ والشّكّ والوهم وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض
والبسط والرّضى والغضب والصّبر والشّكر وأمثال ذلك. فالرّوح العاقل والمتصرّف في البدن تنشأ [1] من إدراكات وإرادات وأحوال وهي الّتي يميّز بها الإنسان. وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الأدلّة والفرح والحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذّذ به والنشاط عن الحمّام والكسل عن الإعياء. وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لا بدّ وأن ينشأ له عن كلّ مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة. وتلك الحال إمّا أن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإمّا أن لا تكون عبادة وإنّما تكون صفة حاصلة للنّفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات. ولا يزال المريد يترقّى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التّوحيد والمعرفة الّتي هي الغاية المطلوبة للسّعادة. قال صلى الله عليه وسلم «من مات يشهد أنّ لا إله إلّا الله دخل الجنّة» فالمريد لا بدّ له من التّرقّي في هذه الأطوار وأصلها كلّها الطّاعة والإخلاص ويتقدّمها الإيمان ويصاحبها، وتنشأ عنها الأحوال والصّفات نتائج وثمرات. ثمّ تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التّوحيد والعرفان. وإذا وقع تقصير في النّتيجة أو خلل فنعلم أنّه إنّما أتى من قبل التّقصير في الّذي قبله. وكذلك في الخواطر النّفسانيّة والواردات القلبيّة. فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله وينظر في حقائقها لأنّ حصول النّتائج عن الأعمال ضروريّ وقصورها من الخلل فيها كذلك. والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه على أسبابه. ولا يشاركهم في ذلك إلّا القليل من النّاس لأنّ الغفلة عن هذا كأنّها شاملة. وغاية أهل العبادات إذا لم ينتهوا إلى هذا النّوع أنّهم يأتون بالطّاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء والامتثال. وهؤلاء يبحثون عن نتائجها بالأذواق والمواجد ليطّلعوا على أنّها خالصة من التّقصير أو لا، فظهر أنّ أصل طريقتهم كلّها محاسبة النّفس على الأفعال والتّروك والكلام في هذه الأذواق والمواجد الّتي تحصل عن المجاهدات ثمّ تستقرّ للمريد مقاما يترقّى منها
[1] وفي النسخة الباريسية: فالمعنى العاقل والمتصرف في البدن ينشأ.
إلى غيرها ثمّ لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم إذ الأوضاع اللّغويّة إنّما هي للمعاني المتعارفة. فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التّعبير عنه بلفظ يتيسّر فهمه منه. فلهذا اختصّ هؤلاء بهذا النّوع من العلم الّذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشّريعة الكلام فيه. وصار علم الشّريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامّة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النّفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفيّة التّرقّي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات الّتي تدور بينهم في ذلك. فلمّا كتبت العلوم ودوّنت وألّف الفقهاء في الفقه وأصوله والكلام والتّفسير وغير ذلك. كتب رجال من أهل هذه الطّرقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النّفس على الاقتداء في الأخذ والتّرك كما فعله القشيريّ في كتاب الرّسالة والسّهرورديّ في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم. وجمع الغزاليّ رحمه الله بين الأمرين في كتاب الإحياء فدوّن فيه أحكام الورع والاقتداء ثمّ بيّن آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التّصوّف في الملّة علما مدوّنا بعد أن كانت الطّريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنّما تتلقّى من صدور الرّجال كما وقع في سائر العلوم الّتي دوّنت بالكتاب من التّفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك. ثمّ إنّ هذه المجاهدة والخلوة والذّكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحسّ والاطّلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحسّ إدراك شيء منها. والرّوح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أنّ الرّوح إذا رجع عن الحسّ الظّاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحسّ وقويت أحوال الرّوح وغلب سلطانه وتجدّد نشؤه وأعان على ذلك الذّكر فإنّه كالغذاء لتنمية الرّوح ولا يزال في نموّ وتزيّد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما، ويكشف حجاب الحسّ، ويتمّ وجود النّفس الّذي لها من ذاتها، وهو عين الإدراك. فيتعرّض حينئذ للمواهب
الرّبّانيّة والعلوم اللّدنّيّة والفتح الإلهيّ وتقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة. وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرّفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السّفليّة وتصير طوع إرادتهم.
فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرّفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتّكلّم فيه بل يعدّون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعوّذون منه إذا هاجمهم. وقد كان الصّحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظّهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنّهم لم يقع لهم بها عناية. وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها. وتبعهم في ذلك أهل الطّريقة ممّن اشتملت رسالة القشيريّ على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم.
ثمّ إنّ قوما من المتأخّرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والكلام في المدارك الّتي وراءه واختلفت طرق الرّياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسّيّة وتغذية الرّوح العاقل بالذّكر حتّى يحصل للنّفس إدراكها الّذي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أنّ الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ وأنّهم كشفوا ذوات الوجود وتصوّروا حقائقها كلّها من العرش إلى الطّشّ. هكذا قال الغزاليّ رحمه الله في كتاب الإحياء بعد أن ذكر صورة الرّياضة. ثمّ إنّ هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم إلّا إذا كان ناشئا عن الاستقامة لأنّ الكشف قد يحصل لصاحب الجوع والخلوة وإن لم يكن هناك استقامة كالسّحرة وغيرهم من المرتاضين. وليس مرادنا إلّا الكشف النّاشئ عن الاستقامة ومثاله أنّ المرآة الصّقيلة إذا كانت محدّبة أو مقعّرة وحوذي بها جهة المرئي فإنّه يتشكّل فيه معوجّا على غير صورته. وإن كانت مسطّحة تشكّل فيها المرئيّ صحيحا. فالاستقامة للنّفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال. ولمّا عنّي المتأخّرون بهذا النّوع من الكشف تكلّموا في حقائق
الموجودات العلويّة والسّفليّة وحقائق الملك والرّوح والعرش والكرسيّ وأمثال ذلك. وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك. وأهل الفتيا بين منكر عليهم ومسلّم لهم. وليس البرهان والدّليل بنافع في هذا الطّريق ردّا وقبولا إذ هي من قبيل الوجدانيّات.
تفصيل وتحقيق: يقع كثيرا في كلام أهل العقائد من علماء الحديث والفقه أنّ الله تعالى مباين لمخلوقاته. ويقع للمتكلّمين أنّه لا مباين ولا متّصل. ويقع للفلاسفة أنّه لا داخل العالم ولا خارجة. ويقع للمتأخّرين من المتصوّفة أنّه متّحد بالمخلوقات: إمّا بمعنى الحلول فيها، أو بمعنى إنّه هو عينها، وليس هناك غيره جملة ولا تفصيلا. فلنبيّن تفصيل هذه المذاهب ونشرح حقيقة كلّ واحد منها، حتّى تتّضح معانيها فنقول، إنّ المباينة تقال لمعنيين:
أحدهما المباينة في الحيّز والجهة، ويقابله الاتّصال. ونشعر هذه المقابلة على هذه التّقيّد بالمكان إمّا صريحا وهو تجسيم، أو لزوما وهو تشبيه من قبيل القول بالجهة. وقد نقل مثله عن بعض علماء السلف من التّصريح بهذه المباينة، فيحتمل غير هذا المعنى. ومن أجل ذلك أنكر المتكلّمون هذه المباينة وقالوا: لا يقال في البارئ أنّه مباين مخلوقاته، ولا متّصل بها، لأنّ ذلك إنّما يكون للمتحيّزات. وما يقال من أنّ المحلّ لا يخلو عن الاتّصاف بالمعنى وضدّه، فهو مشروط بصحّة الاتّصاف أوّلا، وأمّا مع امتناعه فلا، بل يجوز الخلوّ عن المعنى وضدّه، كما يقال في الجماد، لا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز ولا كاتب ولا أمّي. وصحّة الاتّصاف بهذه المباينة مشروط بالحصول في الجهة على ما تقرّر من مدلولها. والبارئ سبحانه منزّه عن ذلك. ذكره ابن التّلمسانيّ في شرح اللّمع لإمام الحرمين وقال: «ولا يقال في البارئ مباين للعالم ولا متّصل به، ولا داخل فيه ولا خارج عنه. وهو معنى ما يقوله الفلاسفة أنّه لا داخل العالم ولا خارجة، بناء على وجود الجواهر غير المتحيّزة. وأنكرها
المتكلّمون لما يلزم من مساواتها للبارئ في أخصّ الصّفات، وهو مبسوط في علم الكلام.
وأمّا المعنى الآخر للمباينة، فهو المغايرة والمخالفة فيقال: البارئ مباين لمخلوقاته في ذاته وهويّته ووجوده وصفاته. ويقابله الاتّحاد والامتزاج والاختلاط. وهذه المباينة هي مذهب أهل الحقّ كلّهم من جمهور السّلف وعلماء الشّرائع والمتكلّمين والمتصوّفة الأقدمين كأهل الرّسالة ومن نحا منحاهم. وذهب جماعة من المتصوّفة المتأخّرين الّذين صيّروا المدارك الوجدانيّة علميّة نظريّة، إلى أنّ البارئ تعالى متّحد بمخلوقاته في هويّته ووجوده وصفاته. وربّما زعموا أنّه مذهب الفلاسفة قبل أرسطو، مثل أفلاطون وسقراط، وهو الّذي يقيّنه المتكلّمون حيث ينقلونه في علم الكلام عن المتصوّفة ويحاولون الردّ عليه لأنّه ذاتان، تنتفي إحداهما، أو تندرج اندراج الجزء، فإنّ تلك مغايرة صريحة، ولا يقولون بذلك. وهذا الاتّحاد هو الحلول الّذي تدّعيه النصارى في المسيح عليه السلام، وهو أغرب لأنّه حلول قديم في محدث أو اتّحاده به. وهو أيضا عين ما تقوله الإماميّة من الشيعة في الأئمّة. وتقرير هذا الاتّحاد في كلامهم على طريقين:
الأولى: أنّ ذات القديم كائنة في المحدثات محسوسها ومعقولها، متّحدة بها في المتصوّرين، وهي كلّها مظاهر له، وهو القائم عليها، أي المقدّم لوجودها، بمعنى لولاه كانت عدما وهو رأي أهل الحلول.
الثانية: طريق أهل الوحدة المطلقة وكأنّهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيريّة المنافيّة لمعقول الاتّحاد، فنفوها بين القديم وبين المخلوقات في الذات والوجود والصّفات. وغالطوا في غيريّة المظاهر المدركة بالحسّ والعقل بأنّ ذلك من المدارك البشريّة، وهي أوهام. ولا يريدون الوهم الّذي هو قسيم العلم والظّنّ والشكّ، إنّما يريدون أنّها كلّها عدم في الحقيقة، ووجود في المدرك
البشريّ فقط. ولا وجود بالحقيقة إلّا للقديم، لا في الظاهر ولا في الباطن كما نقرّره بعد، بحسب الإمكان. والتعويل في تعقل ذلك على النظر والاستدلال، كما في المدارك البشريّة، غير مفيد، لأنّ ذلك إنّما ينقل من المدارك الملكيّة، وإنّما هي حاصلة للأنبياء بالفطرة ومن بعدهم للأولياء بهدايتهم. وقصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلميّة ضلال. وربّما قصد بعض المصنّفين ذلك في كشف الموجودات وترتيب حقائقه على طريق أهل المظاهر فأتى بالأغمض فالأغمض.
وربّما قصد بعض المصنّفين بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه فأتى بالأغمض فالأغمض بالنّسبة إلى أهل النّظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغانيّ شارح قصيدة ابن الفارض في الدّيباجة الّتي كتبها في صدر ذلك الشّرح فإنّه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه أنّ الوجود كلّه صادر عن صفة الوحدانيّة الّتي هي مظهر [1] الأحديّة وهما معا صادران عن الذّات الكريمة الّتي هي عين الوحدة لا غير. ويسمّون هذا الصّدور بالتّجلّي. وأوّل مراتب التّجليّات عندهم تجلّي الذّات على نفسه وهو يتضمّن الكمال بإفاضة الإيجاد والظّهور لقوله في الحديث الّذي يتناقلونه: «كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني» وهذا الكمال في الإيجاد المتنزّل [2] في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكماليّة [3] والحقيقة المحمّديّة وفيها حقائق الصّفات واللّوح والقلم وحقائق الأنبياء والرّسل أجمعين والكمّل من أهل الملّة المحمّديّة. وهذا كلّه تفصيل الحقيقة المحمّديّة. ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائيّة وهي مرتبة المثال ثمّ عنها العرش ثمّ الكرسيّ ثمّ الأفلاك، ثمّ عالم العناصر، ثمّ عالم التّركيب. هذا في عالم الرّتق فإذا تجلّت فهي
[1] وفي النسخة الباريسية: مصدر.
[2]
وفي نسخة أخرى: المشترك.
[3]
وفي نسخة أخرى: والحضرة العماديّة وفي النسخة الباريسية: والحضرة العمائية.
في عالم الفتق. ويسمّى هذا المذهب مذهب أهل التّجلّي والمظاهر والحضرات وهو كلام لا يقتدر [1] أهل النّظر إلى تحصيل مقتضاه لغموضه وانغلاقه وبعد ما بين كلام صاحب المشاهدة [2] والوجدان وصاحب الدّليل. وربّما أنكر بظاهر الشّرع. هذا التّرتيب وكذلك ذهب آخرون منهم إلى القول بالوحدة المطلقة وهو رأي أغرب من الأوّل في تعقّله وتفاريعه، يزعمون فيه أنّ الوجود له قوى في تفاصيله بها كانت حقائق الموجودات وصورها وموادّها. والعناصر إنّما كانت بما فيها من القوى وكذلك مادّتها لها في نفسها قوّة بها كان وجودها. ثمّ إنّ المركّبات فيها تلك القوى متضمّنة في القوّة الّتي كان بها التّركيب، كالقوّة المعدنيّة فيها قوى العناصر بهيولاها وزيادة القوّة المعدنيّة ثمّ القوّة الحيوانيّة تتضمّن القوّة المعدنيّة وزيادة قوّتها في نفسها وكذا القوّة الإنسانيّة مع الحيوانيّة ثمّ الفلك يتضمّن القوّة الإنسانيّة وزيادة. وكذا الذّوات الرّوحانيّة والقوّة الجامعة للكلّ من غير تفصيل هي القوّة الإلهيّة الّتي انبثّت في جميع الموجودات كلّيّة وجزئيّة وجمعتها وأحاطت بها من كلّ وجه، لا من جهة الظّهور ولا من جهة الخفاء ولا من جهة الصّورة ولا من جهة المادّة فالكلّ واحد وهو نفس الذّات الإلهيّة وهي في الحقيقة واحدة بسيطة والاعتبار هو المفصّل لها كالإنسانيّة مع الحيوانيّة. ألا ترى أنّها مندرجة فيها وكائنة بكونها. فتارة يمثّلونها بالجنس مع النّوع، في كلّ موجود كما ذكرناه وتارة بالكلّ مع الجزء على طريقة المثال. وهم في هذا كلّه يفرّون من التّركيب والكثرة بوجه من الوجوه وإنّما أوجبها عندهم الوهم والخيال. والّذي يظهر من كلام ابن دهقان في تقرير هذا المذهب أنّ حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الألوان من أنّ وجودها مشروط بالضّوء فإذا عدم الضّوء لم تكن الألوان موجودة بوجه. وكذا عندهم الموجودات المحسوسة كلّها مشروطة بوجود المدرك الحسيّ، بل والموجودات
[1] وفي نسخة أخرى: يقدر.
[2]
وفي النسخة الباريسية: صاحب المشاهد.
المعقولة والمتوهّمة أيضا مشروطة بوجود المدرك العقليّ فإذا الوجود المفصّل كلّه مشروط بوجود المدرك البشريّ. فلو فرضنا عدم المدرك البشريّ جملة لم يكن هناك تفصيل الوجود بل هو بسيط واحد فالحرّ والبرد والصّلابة واللّين بل والأرض والماء والنّار والسّماء والكواكب، إنّما وجدت لوجود الحواسّ المدركة لها لما جعل في المدرك من التّفصيل الّذي ليس في الموجود وإنّما هو في المدارك فقط فإذا فقدت المدارك المفصّلة فلا تفصيل إنّما هو إدراك واحد وهو أنا لا غيره. ويعتبرون ذلك بحال النّائم فإنّه إذا نام وفقد الحسّ الظّاهر فقد كلّ محسوس وهو في تلك الحالة إلّا ما يفصّله له الخيال. قالوا: فكذا اليقظان إنّما يعتبر تلك المدركات كلّها على التّفصيل بنوع مدركة البشريّ ولو قدّر فقد مدركة فقد التّفصيل وهذا هو معنى قولهم الموهم لا الوهم الّذي هو من جملة المدارك البشريّة. هذا ملخّص رأيهم على ما يفهم من كلام ابن دهقان وهو في غاية السّقوط لأنّا نقطع بوجود البلد الّذي نحن مسافرون عنه وإليه يقينا مع غيبته عن أعيننا وبوجود السّماء المظلّة والكواكب وسائر الأشياء الغائبة عنّا. والإنسان قاطع بذلك ولا يكابر أحد نفسه في اليقين مع أنّ المحقّقين من المتصوّفة المتأخّرين يقولون إنّ المريد عند الكشف ربّما يعرض له توهّم هذه الوحدة ويسمّى ذلك عندهم مقام الجمع ثمّ يترقّى عنه إلى التّمييز بين الموجودات ويعبّرون عن ذلك بمقام الفرق وهو مقام العارف المحقّق ولا بدّ للمريد عندهم من عقبة الجمع وهي عقبة صعبة لأنّه يخشى على المريد من وقوفه عندها فتخسر صفقته فقد تبيّنت مراتب أهل هذه الطّريقة ثمّ إنّ هؤلاء المتأخّرين من المتصوّفة المتكلّمين في الكشف وفيما وراء الحسّ توغّلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملئوا الصّحف منه مثل الهرويّ في كتاب المقامات له وغيره. وتبعهم ابن العربيّ وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنّجم الإسرائيليّ في قصائدهم. وكان سلفهم مخالطين للإسماعيليّة
المتأخّرين من الرّافضة الدّائنين أيضا بالحلول وإلهيّة الأئمّة مذهبا لم يعرف لأوّلهم فأشرب كلّ واحد من الفريقين مذهب الآخر. واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم. وظهر في كلام المتصوّفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين.
يزعمون أنّه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتّى يقبضه الله. ثمّ يورّث مقامه لآخر من أهل العرفان. وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التّصوّف منها فقال: «جلّ جناب الحقّ أن يكون شرعة لكلّ وارد أو يطّلع عليه إلّا الواحد بعد الواحد» . وهذا كلام لا تقوم عليه حجّة عقليّة.
ولا دليل شرعيّ وإنّما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرّافضة ودانوا به. ثمّ قالوا بترتيب وجود الإبدال بعد هذا القطب كما قاله الشّيعة في النّقباء.
حتّى إنّهم لمّا أسندوا لباس خرقة التّصوّف ليجعلوه أصلا لطريقتهم ونحلتهم رفعوه إلى عليّ رضي الله عنه وهو من هذا المعنى أيضا. وإلّا فعليّ رضي الله عنه لم يختصّ من بين الصّحابة بتخلية ولا طريقة في لباس ولا حال. بل كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أزهد النّاس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة. ولم يختصّ أحد منهم في الدّين بشيء يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصّحابة كلّهم أسوة في الدّين والزّهد والمجاهدة.
تشهد بذلك سيرهم وأخبارهم، نعم إنّ الشيعة يخيّلون بما ينعلون من ذلك اختصاص عليّ رضي الله عنه بالفضائل دون من سواه من الصّحابة ذهابا مع عقائد التّشيّع المعروفة لهم. والّذي يظهر أنّ المتصوّفة بالعراق، لمّا ظهرت الإسماعيليّة من الشيعة، وظهر كلامهم في الإمامة وما يرجع إليها ما هو معروف، فاقتبسوا من ذلك الموازنة بين الظاهر والباطن وجعلوا الإمامة لسياسة الخلف في الانقياد إلى الشرع، وأفردوه بذلك أن لا يقع اختلاف كما تقرّر في الشّرع. ثمّ جعلوا القطب لتعليم المعرفة باللَّه لأنّه رأس العارفين، وأفردوه بذلك تشبيها بالإمام في الظاهر وأن يكون على وزانه في الباطن وسمّوه قطبا لمدار المعرفة