الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تستكمل، ويصحّ وجودها بالموت في مادّتها وصورتها. فالمطلوبات فيها متردّدة بين النفي والإثبات دائما، بطلب أحدهما بالوسط الرابط بين الطّرفين. فإذا حصل وصار معلوما افتقر إلى بيان المطابقة، وربّما أوضحها البرهان الصّناعيّ، لكنّه من وراء الحجاب. وليس كالمعاينة الّتي في علوم الملائكة. وقد ينكشف ذلك الحجاب فيصير إلى المطابقة بالعيان الإدراكيّ. فقد تبيّن أنّ البشر جاهل بالطبع للتردّد في علمه، وعالم بالكسب والصناعة لتحصيله المطلوب بفكرة الشروط الصناعيّة. وكشف الحجاب الّذي أشرنا إليه إنّما هو بالرّياضة بالأذكار الّتي أفضلها صلاة تنتهي عن الفحشاء والمنكر، وبالتنزّه عن المتناولات المهمّة ورأسها الصوم، وبالوجهة إلى الله بجميع قواه. والله علّم الإنسان ما لم يعلم.
الفصل الرابع عشر في علوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
إنّا نجد هذا الصنف من البشر تعتريهم حالة إلهيّة خارجة عن منازع البشر وأحوالهم فتغلب الوجهة الربانيّة فيهم على البشريّة في القوى الإدراكيّة والنزوعيّة من الشهوة والغضب وسائر الأحوال البدنيّة، فتجدهم متنزّهين عن الأحوال الربّانيّة، من العبادة والذكر للَّه بما يقتضي معرفتهم به، مخبرين عنه بما يوحى إليهم في تلك الحالة، من هداية الأمّة على طريقة واحدة وسنن معهود منهم لا يتبدّل فيهم كأنّه جبلّة فطرهم الله عليها. وقد تقدّم لنا الكلام في الوحي أوّل الكتاب في فصل المدركين للغيب. وبيّنّا لك أنّ الوجود كلّه في عوالمه البسيطة والمركّبة على تركيب طبيعي من أعلاها وأسفلها متّصلة كلّها اتّصالا لا ينخرم. وأنّ الذوات الّتي في آخر كلّ أفق من العوالم مستعدّة لأن تنقلب إلى الذات الّتي تجاوزها من الأسفل والأعلى، استعدادا طبيعيا، كما في العناصر
الجسمانيّة البسيطة، وكما في النخل والكرم من آخر أفق النبات مع الحلزون والصدف من أفق الحيوان وكما في القردة الّتي استجمع فيها الكيس والإدراك مع الإنسان صاحب الفكر والرويّة. وهذا الاستعداد الّذي في جانبي كلّ أفق من العوالم هو معنى الاتّصال فيها.
وفوق العالم البشريّ عالم روحانيّ، شهدت لنا به الآثار الّتي فينا منه، بما يعطينا من قوى الإدراك والإرادة فذوات العلم العالم إدراك صرف وتعقّل محض، وهو عالم الملائكة، فوجب من ذلك كلّه أن يكون للنفس الإنسانيّة استعداد للانسلاخ من البشريّة إلى الملكيّة، لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات، وفي لمحة من اللّمحات. ثمّ تراجع بشريّتها وقد تلقّت في عالم الملكيّة ما كلّفت بتبليغه إلى أبناء جنسها من البشر. وهذا هو معنى الوحي وخطاب الملائكة. والأنبياء كلّهم مفطورون عليه، كأنّه جبلّة لهم ويعالجون في ذلك الانسلاخ من الشدّة والغطيط ما هو معروف عنهم. وعلومهم في تلك الحالة علم شهادة وعيان، لا يلحقه الخطأ والزلل، ولا يقع فيه الغلط والوهم، بل المطابقة فيه ذاتيّة لزوال حجاب الغيب وحصول الشهادة الواضحة، عند مفارقة هذه الحالة إلى البشريّة، لا يفارق علمهم الوضوح، استصحابا له من تلك الحالة الأولى، ولما هم عليه من الذكاء المفضي بهم إليها، يتردّد ذلك فيهم دائما إلى أن تكمل هداية الأمّة الّتي بعثوا لها، كما في قوله تعالى:«إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ 41: 6» . فافهم ذلك وراجع ما قدّمناه لك أوّل الكتاب، في أصناف المدركين للغيب، يتّضح لك شرحه وبيانه، فقد بسطناه هنالك بسطا شافيا. والله الموفّق
.