المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفرع الثالث: في بيان طبقات المجروحين - جامع الأصول - جـ ١

[ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌خطة المؤلف في الكتاب:

- ‌وصف النسخ

- ‌عملنا في تحقيق الكتاب:

- ‌ترجمة المؤلف

- ‌[مقدمة المصنف]

- ‌الباب الأول: في الباعث على عمل الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الفصل الأول: في انتشار علم الحديث، ومبدإِ جمعه وتأليفه

- ‌الفصل الثاني: في بيان اختلاف أغراض الناس ومقاصدهم في تصنيف الحديث

- ‌الفصل الثالث: في اقتداء المتأخرين بالسابقين، وسبب اختصارات كتبهم وتأليفها

- ‌الفصل الرابع: في خلاصة الغرض من جمع هذا الكتاب

- ‌الباب الثاني: في كيفية وضع الكتاب

- ‌الفصل الأول: في ذكر الأسانيد والمتون

- ‌الفصل الثاني: في بيان وضع الأبواب والفصول

- ‌الفصل الثالث: في بيان التقفية، وإثبات الكتب في الحروف

- ‌الفصل الرابع: في بيان أسماء الرواة والعلائم

- ‌الفصل الخامس: في بيان الغريب والشرح

- ‌الفصل السادس: فيما يستدل به على أحاديث مجهولة الوضع

- ‌الباب الثالث: في بيان أصول الحديث، وأحكامها، وما يتعلق بها

- ‌الفصل الأول: في طريق نقل الحديث وروايته

- ‌الفرع الأول: في صفة الراوي وشرائطه

- ‌الفرع الثاني: في مسند الراوي، وكيفية أخذه

- ‌الفرع الثالث: في لفظ الراوي وإيراده، وهو خمسة أنواع

- ‌النوع الأول: في مراتب الأخبار، وهي خمس:

- ‌المرتبة الأولى:

- ‌المرتبة الثانية:

- ‌المرتبة الثالثة:

- ‌المرتبة الرابعة:

- ‌المرتبة الخامسة:

- ‌النوع الثاني: في نقل لفظ الحديث ومعناه

- ‌النوع الثالث: في رواية بعض الحديث

- ‌النوع الرابع: انفراد الثقة بالزيادة

- ‌النوع الخامس: في الإضافة إلى الحديث ما ليس منه

- ‌الفرع الخامس: في المرسل

- ‌الفرع السادس: في الموقوف

- ‌الفرع السابع: في ذكر التواتر والآحاد

- ‌الفصل الثاني: في الجرح والتعديل، وفيه ثلاثة فروع

- ‌الفرع الأول: في بيانهما وذكر أحكامهما

- ‌الفرع الثاني: في جواز الجرح ووقوعه

- ‌الفرع الثالث: في بيان طبقات المجروحين

- ‌الفصل الثالث في النسخ

- ‌الفرع الأول: في حده وأركانه

- ‌الفرع الثاني: في شرائطه

- ‌الفرع الثالث: في أحكامه

- ‌الفصل الرابع: في بيان أقسام الصحيح من الحديث والكذب

- ‌الفرع الأول: في مقدمات القول فيها

-

- ‌الفرع الثاني: في انقسام الخبر إليها

- ‌فالأول: يتنوع أنواعًا

- ‌القسم الثاني: ما يجب تكذيبه، ويتنوع أنواعًا

- ‌القسم الثالث: ما يجب التوقف فيه

- ‌قسمة ثانية

- ‌قسمة ثالثة

- ‌الفرع [الثالث] (*) : في أقسام الصحيح من الأخبار

- ‌القسم الأول في الصحيح

- ‌النوع الأول: من المتفق عليه

- ‌النوع الثاني: من المتفق عليه

- ‌النوع الثالث: من المتفق عليه

- ‌النوع الرابع: من المتفق عليه

- ‌النوع الخامس: من المتفق عليه

- ‌النوع السادس: وهو الأول من المختلف فيه

- ‌النوع السابع: وهو الثاني من المختلف فيه

- ‌النوع الثامن: وهو الثالث من المختلف فيه

- ‌النوع التاسع: وهو الرابع من المختلف فيه

- ‌النوع العاشر: وهو الخامس من المختلف فيه

- ‌القسم الثاني: في الغريب والحسن وما يجري مجراهما

- ‌الباب الرابع: في ذكر الأئمة الستة رضي الله عنهم وأسمائهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ومناقبهم وآثارهم

- ‌[الإمام] مالك

- ‌[الإمام] البخاري

- ‌[الإمام] مسلم

- ‌[الإمام] أبو داود

- ‌[الإمام] الترمذي

- ‌[الإمام] النسائي

- ‌الباب الخامس: في ذكر أسانيد الكتب الأصول المودعة في كتابنا هذا

- ‌«صحيح البخاري»

- ‌«صحيح مسلم»

- ‌ كتاب «الموطأ»

- ‌ كتاب «السنن» لأبي داود

- ‌ كتاب «الترمذي»

- ‌ كتاب «السنن» للنسائي

- ‌ كتاب «الجمع بين الصحيحين» للحُمَيْدِي [

- ‌ كتاب «رزين»

- ‌حرف الهمزة

- ‌الكتاب الأول: في الإيمان والإسلام

- ‌الباب الأول: في تعريفهما حقيقةً ومجازاً

- ‌الفصل الأول: في حقيقتهما وأركانهما

- ‌الفصل الثاني: في المجاز

- ‌الباب الثاني: في أحكام الإيمان والإسلام

- ‌الفصل الأول: في حكم الإقرار بالشهادتين

- ‌الفصل الثاني: في أحكام البيعة

- ‌الفصل الثالث: في أحكام متفرقة

- ‌الباب الثالث: في أحاديث متفرقة تتعلق بالإيمان والإسلام

- ‌الكتاب الثاني: في الاعتصام بالكتاب والسنة

- ‌الباب الأول: في الاستمساك بهما

- ‌الباب الثاني: في الاقتصاد والاقتصار في الأعمال

- ‌الكتاب الثالث: في الأمانة

- ‌الكتاب الرابع: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌الكتاب الخامس: في الاعتكاف

- ‌الكتاب السادس: في إحياء الموات

- ‌الكتاب السابع: في الإيلاء

- ‌الكتاب الثامن: في الأسماء والكنى

- ‌الفصل الأول: في تحسين الأسماء: المحبوب منها والمكروه

- ‌الفصل الثاني: فيمن سماه النبي صلى الله عليه وسلم إبتداءً

- ‌الفصل الثالث: فيمن غير النبي صلى الله عليه وسلم أسمه

- ‌الفصل الرابع: ما جاء في التسمية باسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته

- ‌الفصل الخامس: في أحاديث متفرقة

- ‌الكتاب التاسع: في الآنية

- ‌الكتاب العاشر: في الأمل والأجل

- ‌ترجمة الأبواب التي أولها همزة، ولم ترد في حرف الهمزة

- ‌حرف الباء

- ‌الكتاب الأول: في البر

- ‌الباب الأول: في بر الوالدين

- ‌الباب الثاني: في بر الأولاد والأقارب

- ‌الباب الثالث: في بر اليتيم

- ‌الباب الرابع: في إماطة الأذى عن الطريق

- ‌الباب الخامس: في أعمالٍ من البر متفرقة

- ‌الكتاب الثاني: في البيع

- ‌الباب الأول: في آدابه

- ‌الفصل الأول: في الصدق والأمانة

- ‌الفصل الثاني: في التساهل والتسامح في البيع والإقالة

- ‌الفصل الثالث: في الكيل والوزن

- ‌الفصل الرابع: في أحاديث متفرقة

- ‌الباب الثاني: فيما لايجوز بيعه ولا يصح

- ‌الفصل الأول: في النجاسات

- ‌الفصل الثاني: في بيع ما لم يقبض، أو ما لم يملك

- ‌الفصل الثالث: في بيع الثمار والزروع

- ‌الفرع الأول: في بيعها قبل إدراكها وأمنها من العاهة

- ‌الفرع الثاني: في بيع العرايا

- ‌الفرع الثالث: في المحاقلة والمزابنة والمخابرة وما يجري معها

- ‌الفصل الرابع: في أشياء متفرقة لا يجوز بيعهاأمهات الأولاد

- ‌الولاء

- ‌الماءُ والمِلْحُ والْكَلأُ والنَّارُ

- ‌القينات

- ‌الغنائم

- ‌حبل الحبلة

- ‌ضراب الجمل

- ‌الصدقة

- ‌الحيوان باللحم

- ‌الباب الثالث: فيما لايجوز فعله في البيع

- ‌الفصل الأول: في الخداع

- ‌الفرع الأول: في مطلق الخداع

- ‌الفرع الأول: في النجش

- ‌الفصل الثاني: في الشرط والإستثناء

- ‌الفصل الرابع: في النهي عن بيع الغرر والمضطر والحصاة

- ‌الفصل الخامس: في النهي عن بيع الحاضر للبادي، وتلقي الركبان

- ‌الفصل السادس: في النهي عن بيعتين في بيعة

- ‌الفصل السابع: في أحاديث تتضمن منهيات مشتركة

- ‌الفصل الثامن: في التفريق بين الأقارب في البيع

- ‌الباب الرابع: في الربا

- ‌الفصل الأول: في ذمه وذم آكله وموكله

- ‌الفصل الثاني: في أحكامه

- ‌الفرع الأول: في المكيل والموزون

- ‌الفرع الثاني: في الحيوان

- ‌الفرع الثالث: في أحاديث متفرقة

- ‌الباب الخامس: من كتاب البيع، في الخيار

- ‌الباب السادس: في الشفعة

- ‌الباب السابع: في السلم

- ‌الباب الثامن: في الإحتكار والتسعير

- ‌الباب التاسع: في الرد بالعيب

- ‌الباب العاشر: في بيع الشجر المثمر، ومال العبد، والجوائح

- ‌الكتاب الثالث: من حرف الباء في البخل وذم المال

- ‌الكتاب الرابع: في البنيان والعمارات

- ‌ترجمة الأبواب التي أولها باء، ولم ترد في حرف الباء

الفصل: ‌الفرع الثالث: في بيان طبقات المجروحين

وعلى ذلك جاء الناس بعدهم، ما زالوا يتكلمون في الرجال ليعرفوا.

كيف والمسلمون مجمعون على أنه لا يجوز الاحتجاج في أحكام الشريعة إلا بحديث الصدوق العاقل الحافظ؟ فيكفي هذا مبيحًا لجرح من ليس هذا صفته، وتبيين حاله، ليُعلم عمن تؤخذ الأدلة، وتُتَلَقَّى الرواية.

‌الفرع الثالث: في بيان طبقات المجروحين

الصحابة رضي الله عنهم أجمعين - جميعهم عدول بتعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا يحتاجون إلى بحث عن عدالتهم.

وعلى هذا القول مُعظم المسلمين من الأئمة والعلماء من السلف والخلف.

وذهب جمهور المعتزلة إلى أن عائشة وطلحة والزبير ومعاوية. وجميع أهل العراق والشام فُسَّاق بقتالهم الإمام الحق، يعنون عليًا كرم الله وجهه.

وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي، والزبير، وطلحة، مجتمعين ومتفرقين، لأن فيهم فاسقًا لا بعينه.

وقال قوم: تقبل شهادة كل واحد منهم إذا انفرد، لأنه لم يتعين فسقه، أما إذا كان مع مخالفه، رُدَّت شهادته، إذ يُعلم أن أحدهما فاسق.

وشك بعضهم في فسق عثمان رضي الله عنه وقَتَلَتِه.

وكل هذا جُرأة على السلف تخالف السنة، فإن ما جرى بينهم كان مبنيًا على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب (1) ، والمصيب واحد مثاب، والمخطئ معذور، لا تردُّ شهادته.

(1) في المطبوع: مصيباً، وهو خطأ.

ص: 133

وقال قوم: ليس ذلك أمرًا مجتهدًا فيه، فإن قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعًا، لكن جهلوا خطأهم، فكانوا متأولين، والفاسق المتأول لا ترد روايته، وهذا أقرب من المصير إلى سقوط تعديل القرآن للصحابة.

[تعريف الصحابة]

ثم الصحبة من حيث الوضع تنطبق على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة، لكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته، ولا حدَّ لتلك الكثرة بتقدير، بل بتقريب.

وقيل: هو من اجتمع فيه أمران. أحدهما: هذا. والآخر: أن تكون صحبته طالت معه على سبيل الأخذ عنه، والإتِّباع له، لأن من أطال مجالسة العالم، لا على سبيل الاستفادة والإتباع له، لا يدخل في زمرة أصحابه (1) .

ولمعرفة الصحابي طريقان:

(1) قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " 1/4، 5 في تعريف الصحابي: أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام. فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى، ثم بين أنه يدخل في قوله " مؤمناً به " كل مكلف من الجن والإنس، وأنه يخرج من التعريف من لقيه كافراً وإن أسلم بعد ذلك، وكذلك من لقيه مؤمناً بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وكذلك من لقيه مؤمناً ثم ارتد ومات على الردة والعياذ بالله، ويدخل في التعريف من لقيه مؤمناً ثم ارتد، ثم عاد الإسلام ومات مسلماً كالأشعث بن قيس، فإنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام ومات مسلماً، وقد اتفق أهل الحديث على عده من الصحابة. ثم قال وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل وغيرهما.

ص: 134

أحدهما: يوجب العلم، وهو الخبر المتواتر، أنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.

والآخر: يوجب الظنَّ، وهو إخبار الثقة والنقل الصحيح.

هذا حكم عدالة الصحابة رضي الله عنهم باختلاف الناس فيهم.

وأما من جاء بعدهم فالكلام فيهم يطول، ولا يخلو قوم من عدالة أو فسق، والعدالة قليلة، وأسباب الفسق كثيرة، فكل من عَرِي عن شرط من شروط الرواية أو الشهادة التي تقدم ذكرها، فهو مجروح لا يقبل قوله.

[طبقات المجروحين]

وطبقات المجروحين كثيرة، وقد أوردنا منها في هذا الفرع عشر طبقات، ذكرها الحاكم - رحمه الله تعالى -.

الطبقة الأولى

وهي أعظم أنواع الجرح، وأخبث طبقات المجروحين: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .

وهي كبيرة من الكبائر، وقد ارتكبها جماعة كثيرة، اختلفت أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها.

فممن ارتكبها، قوم من الزنادقة، مثل المغيرة بن سعيد الكوفي (1) ، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة (2) ، وغيرهما، وضعوا الأحاديث وحدَّثوا

(1) كذبه غير واحد من الأئمة كما تجد ذلك في ترجمته في " الميزان " 4/160، 162 قتله خالد بن عبد الله القسري في حدود العشرين ومائة لادعائه النبوة.

(2)

كذبه أحمد وابن حبان والجوزجاني والحاكم، وقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة، إبراهيم بن أبي يحي بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان ومحمد بن سعيد بالشام

⦗ص: 136⦘

وذكر خالد بن يزيد الأزرق عنه أنه كان يقول: إذا كان الكلام حسناً لم أبال أن أجعل له إسناداً. وقال العقيلي: يغيرون اسمه إذا حدثوا عنه.

ص: 135

بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس.

فمما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي» : «إلا أن يشاء الله (1) » فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة.

ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوًى يدعون الناس إليه، فمنهم من تاب وأقر على نفسه.

قال شيخ من شيوخ الخوارج: بعد أن تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيَّرناه حديثًا.

وقال أبو العيناء: وضعت أنا والجاحظ حديث فَدَك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد، فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي، فإنه قال: لا يُشبه آخر هذا الحديث أوله، وأبى أن يقبله.

وقال سليمان بن حرب: دخلت على شيخ وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: وضعت أربعمائة حديث، وأدخلتها في بارنامج الناس، فلا أدري كيف أصنع؟ .

ومنهم جماعة وضعوا الحديث حِسْبَة، كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل

(1) وممن نص على كون الاستثناء موضوعاً الشوكاني في " الفوائد " المجموعة ص 320 وقال: رواه الجوزقاني ولكنه لم ينص على اسم واضعه إنما قال: وضعه أحد الزنادقة.

ص: 136

الأعمال، مثل أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (1) ، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجُوَيباري وغيرهم.

قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حِسْبَة.

ومنهم جماعة وضعوا الحديث تقربًا إلى الملوك، مثل غياث بن إبراهيم (2) ، دخل على المهدي بن منصور، وكان يُعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا سَبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل، أو جناح (3) » قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام

(1) قال الذهبي في ترجمته من " الميزان " 4/279: عالم أهل مرو وهو نوح الجامع، لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطاة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق، ولي قضاء مرو في خلافة المنصور وامتدت حياته. روى عن الزهري وابن المنكدر، وعنه نعيم بن حماد وسويد بن نصر، وحبان بن موسى المراوزة وآخرون. قال أحمد: لم يكن بذاك في الحديث، وكان شديداً على الجهمية، وقال مسلم وغيره: متروك الحديث، وقال الحاكم: وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما أوردت له لا يتابع عليه وهو مع ضعفه يكتب حديثه. قال اللكنوي في" الفوائد البهية " ص 221: هو وإن كان إماماً جليلاً إلا أنه مقدوح فيه عند المحدثين حتى رماه بعضهم بالوضع.

(2)

قال أحمد: ترك الناس حديثه، وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: سمعت غير واحد يقول: يضع الحديث، وقال البخاري: تركوه.

(3)

أخرجه دون الزيادة أحمد وأصحاب " السنن "، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، والسبق بفتح السين

⦗ص: 138⦘

وسكون الباء مصدر: سبقت أسبق، وبفتح الباء: ما يجعل من المال رهناً على المسابقة، ونص الخطابي على أن الرواية الصحيحة بفتح الباء، والنصل حديدة السهم، والخف للإبل، والحافر للخيل.

ص: 137

وخرج، قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«جناح» ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام اذبح الحمام، قال: فذبح حمامًا بمال كثير. فقيل: يا أمير المؤمنين، وما ذنب الحمام؟ قال: من أجلهن كُذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل لمأمون بن أحمد المروزي (1) : ألا ترى إلى الشافعي رحمه الله وإلى من تبع له بخراسان؟ فقال: حدثنا أحمد بن عبيد الله، حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي» .

ومنهم: قوم من السُّؤَّال والمكدين يقِفُون في الأسواق والمساجد، فيضعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.

قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد

(1) ذكره الذهبي في " الميزان " 3/429، فقال: مأمون بن أحمد السلمي الهروي عن هشام بن عمار وعنه الجويباري أتى بطامات وفضائح، قال ابن حبان: دجال، ويقال له: مأمون بن عبد الله، ومأمون أبو عبد الله، وقال: سألته متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين قلت: فإن هشاماً الذي تروي عنه مات سنة خمس وأربعين ومائتين، فقال: هذا هشام بن عمار آخر، ثم ذكر ما وضعه عن الثقات

ص: 138

الرصافة، فقام من بين أيديهما قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله يُخلق من كلمة منها طائر منقاره من ذهب، وريشه مرجان، وأخذ في قصة من نحو عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى بن معين، ويحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، قال: فسكتا جميعًا حتى فرغ من قصصه. وأخذ قطعة، ثم قعد ينتظر بقيتها، فقال يحيى بيده: أن تعال، فجاء متوهمًا لنوال يجيزه، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا ابن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان لابد من الكذب، فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: فوضع أحمد كمَّه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.

فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجري مجراهم.

الطبقة الثانية من المجروحين

قوم عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد معروفة

ص: 139

ووضعوا لها غير تلك الأسانيد، فركبوها عليها ليستغربوها بتلك الأسانيد.

منهم: إبراهيم بن اليسع من أهل مكة يحدث عن جعفر بن محمد الصادق، وهشام بن عروة، فركب حديث هذا على حديث هذا، وحديث هذا على حديث هذا.

ومنهم: حماد بن عمرو، وبهلول بن عبيد.

الطبقة الثالثة

قوم من أهل العلم حملهم الشَّرَه على الرواية عن قوم ماتوا قبل أن يولدوا، مثل إبراهيم بن هُدبة، كان يروي عن الأوزاعي ولم يدركه.

الطبقة الرابعة

قوم عمدوا إلى أحاديث صحيحة عن الصحابة رضي الله عنهم، فرفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأبي حُذافة أحمد بن إسماعيل السهمي، روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«الشفق هو الحمرة» ، والحديث في «الموطأ» عن نافع عن ابن عمر من قوله (1) .

(1) الذي وجدناه في " الموطأ " 1/13 من روية يحيى بن يحيى: وقال مالك: الشفق: الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد وجبت صلاة العشاء، وخرجت من وقت المغرب " ولم نجد فيه غير ذلك لا مرفوعاً ولا موقوفاً، فلينظر من غير رواية يحيى بن يحيى الليثي. وقد رواه الدارقطني في " سننه " ص 100 من حديث عتيق بن يعقوب حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشفق الحمرة " وأخرجه أيضاً من حديث أبي هريرة موقوفاً عليه، وصحح البيهقي وقفه، وذكره الزيلعي في " نصب الراية " 1/233 من رواية الحافظ

⦗ص: 141⦘

أبي القاسم علي بن الحسن الدمشقي من حديث علي بن جندل، ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، ثنا أبو حذافة، ثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" الشفق الحمرة ". قال أبو القاسم: تفرد به علي بن جندل الوراق عن المحاملي عن أبي حذافة أحمد ابن إسماعيل السهمي، وقد رواه عتيق بن يعقوب عن مالك، وكلاهما غريب، وحديث عتيق أمثل إسناداً.

نقول: وأحمد بن إسماعيل هو راوي " الموطأ " عن مالك، وآخر أصحابه وفاة، قال الخطيب وغيره: لم يكن ممن يتعمد الكذب، وضعفه الدارقطني وقال: أدخلت عليه أحاديث في غير " الموطأ " فرواها، وقال ابن عدي: حدث عن مالك وغيره بالبواطيل.

ص: 140

ومثل يحيى بن سلام البصري، روى عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كل صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج، إلا خلف الإمام» وهو في «الموطأ» عن وهب عن جابر من قوله.

الطبقة الخامسة

قوم عمدوا إلى أحاديث مروية عن التابعين أرسلوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادوا فيها رجلاً من الصحابة.

مثل إبراهيم بن محمد المقدسي، روى عن الفِرْيابي عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي ظبيان، عن سلمان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:«ليس شيء خيراً (1) من ألف مثله إلا الإنسان» والحديث في كتاب الثوري عن الأعمش عن إبراهيم مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(1) 1/175 بشرح الزرقاني ولفظه: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام. وقد جاء من طرق يشد بعضها بعضاً عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " أخرجه أحمد 3/339، وابن ماجه رقم 850، وانظر طرقه " نصب الراية " 2/7، 11 للإمام الزيلعي، " وإمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام " للكنوي.

ص: 141

الطبقة السادسة

قوم الغالب عليهم الصلاح والعبادة. ولم يتفرغوا إلى ضبط الحديث وحفظه، وإتقانه، فاستخفوا بالرواية، فظهرت أحوالهم.

مثل ثابت بن موسى الزاهد، دخل على شريك بن عبد الله القاضي، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر متن الحديث، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال:«من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار (1) » وإنما أراد بذلك، ثابت بن موسى لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنه روى الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدث به عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه.

الطبقة السابعة

قوم سمعوا من شيوخ، وأكثروا عنهم، ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ، فحدثوا بها، ولم يميزوا بين ما سمعوا وبين ما لم يسمعوا.

قال يحيى بن معين: قال لي هشام بن يوسف: جاءني مُطرف بن مازن،

(1) أخرجه ابن ماجه في " سننه " رقم 1333 من حديث ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار " قال السخاوي في " المقاصد الحسنة ": لا أصل له وإن روي من طرق عند ابن ماجه بعضها، وأورد الكثير منها القضاعي وغيره.

نقول: وقد اتفق أئمة الحديث: ابن عدي والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شريك لثابت.

ص: 142

فقال: أعطني حديث ابن جُريج ومعمر، حتى أسمعه منك، فأعطيته، فكتبه عني، ثم جعل يحدث به عن مَعْمَر وابن جريج أنفسهما.

الطبقة الثامنة

قوم سمعوا كتبًا مصنفة عن شيوخ أدركوهم، ولم ينسخوا أسماعهم عنهم عند السماع، وتهاونوا بها، إلى أن طعنوا في السن، وسئلوا عن الحديث فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة، ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ، وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون.

وهذا النوع مما كثر في الناس، وتعاطاه قوم من أكابر العلماء، اللهم إلا أن تكون النسخة مقروءة على شيخه، أو مقابلة بأصل شيخه، أو أصلٍ مقابل بأصل شيخه، ونحو ذلك من الاحتياط والضبط، فإن ذلك جائز له أن يرويه، لا سيما في هذا الزمان، فإن التعويل على النقل من الكتب والقراءة لما فيها، لا على الحفظ، فإن الحفظ كان وظيفة أولئك الموفَّقين السعداء.

وقد تقدم في الباب الأول من هذه المقدمة شرح ذلك مستقصًى.

الطبقة التاسعة

قوم ليس الحديث من صناعتهم، ولا يرجعون إلى نوع من الأنواع التي يحتاج المحدث إلى معرفتها، ولا يحفظون حديثهم، فيجيئهم طالب العلم، فيقرأ عليهم ما ليس من حديثهم، فيجيبون ويقرُّون بذلك وهم لا يدرون.

قال يحيى بن سعيد: كنا عند شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث، فإذا

ص: 143

جارية بن هرم (1) يكتب عنه، فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا؟ فيقول: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا، فيقول حفص: حدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا وكذا؟ فيقول: حدثني القاسم بن محمد عن عائشة بكذا وكذا، ويقول: حدثك

سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله؟ فيقول: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله، فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية فمحاها، فقال جارية: تحسدونني؟ فقال له حفص: لا، ولكن هذا يكذب، قال حفص: فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يُسمِّه لي، فقلت له يومًا: يا أبا سعيد: لعلي كتبت عن هذا الشيخ ولا أعرفه، قال: هو موسى بن دينار.

الطبقة العاشرة

قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه، وعُرفوا به، فتلفت كتبهم بأنواع من التلف، فلما سئلوا عن الحديث حدثوا به من كتب غيرهم. أو من حفظهم على التخمين، فسقطوا بذلك.

منهم عبد الله بن لهيعة الحضرمي، على جلالة محله، وعلو قدره، لما احترقت كتبه بمصر ذهب حديثه، فخلط من حفظه، وحدث بالمناكير، فصار

(1) أبو شيخ الفقيمي قال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها لا يتابعه عليها الثقات. وفي الأصل " هدم " بالدال والتصويب من " ميزان الاعتدال " للذهبي، والقصة التي أوردها المصنف ذكرها الذهبي أيضاً في ترجمته.

ص: 144