الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُفْرَدِ بِالْحَجِّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُرَكَّبِ وَهُوَ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ لُغَةً مَصْدَرُ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَيْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ بَيَانُ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمِينَ أَرْبَعَةٌ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ وَهُوَ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَذْكُرَ الْحَجَّ بِلِسَانِهِ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ وَيَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ بِلِسَانِهِ وَيَنْوِيَ بِقَلْبِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَمُفْرِدٌ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا وَيَذْكُرَ الْعُمْرَةَ بِلِسَانِهِ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ أَوْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ بِلِسَانِهِ وَيَنْوِيَ بِقَلْبِهِ وَقَارِنٌ وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا وَيَذْكُرَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِلِسَانِهِ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ أَوْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُمَا بِلِسَانِهِ وَيَنْوِيَهُمَا بِقَلْبِهِ وَمُتَمَتِّعٌ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا (الْقِرَانُ أَفْضَلُ) مِنْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ فَحُذِفَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (مُطْلَقًا) وَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ.
وَفِي النَّظْمِ: أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَشْهَبُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ هَا هُنَا إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ بِسَفَرٍ عَلَى حِدَةٍ أَيْ كَوْنُهُمَا مُتَقَارِنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ كَوْنِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ وَأَمَّا كَوْنُ الْقَارِنِ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ وَحْدَهُ فَمِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي الْقِرَانِ الْحَجَّ وَزِيَادَةً (وَهُوَ) أَيْ الْقِرَانُ شَرْعًا (أَنْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا) أَيْ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَوْ مُجْتَمِعَيْنِ (مِنْ الْمِيقَاتِ) أَوْ قَبْلَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْمُتُونِ أَنْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَاشْتِرَاطُ الْإِهْلَالِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقَعَ اتِّفَاقًا حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ بَعْدَمَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْمِيقَاتَ جَازَ وَصَارَ قَارِنًا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ بَعْدَمَا خَرَجَ وَأَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمِيقَاتِ أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ بَلْ الْغَرَضُ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ دَاخِلِ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّ الْقَارِنَ لَا يَكُونُ إلَّا آفَاقِيًّا لَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمِيقَاتِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ فَتَكُونُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَحْسَنَ وَلِلَّهِ دَرُّهُ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ. تَدَبَّرْ (وَيَقُولُ) الْقَارِنُ (بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَيْ بَعْدَ الشَّفْعِ الَّذِي يُصَلِّي مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي) وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ فِي الذِّكْرِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْإِهْلَالِ لِمُوَافَقَةِ الْقَوْلِ الْفِعْلَ تَبَرُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] (فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ ابْتَدَأَ) بِالْعُمْرَةِ (فَطَافَ لِلْعُمْرَةِ) سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَرْمُلُ لِلثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَيُصَلِّي بَعْدَ الطَّوَافِ
رَكْعَتَيْنِ (وَسَعَى) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُهَرْوِلُ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ وَلَا يَتَحَلَّلُ وَلَوْ تَحَلَّلَ بِأَنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ كَانَ جِنَايَةً عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ وَإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ تَحَلُّلَ الْقَارِنِ مِنْ الْعُمْرَةِ إنَّمَا هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ (ثُمَّ طَافَ لِلْحَجِّ طَوَافَ الْقُدُومِ وَسَعَى) كَمَا بَيَّنَّاهُ فَتَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] جَعَلَ الْحَجَّ غَايَةً وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فَلَوْ طَافَ أَوَّلًا بِحَجَّتِهِ وَسَعَى لَهَا ثُمَّ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى لَهَا فَطَوَافُهُ الْأَوَّلُ وَسَعْيُهُ يَكُونُ لِلْعُمْرَةِ وَنِيَّتُهُ لَغْوٌ وَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْمَنَاسِكِ لَا يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ طَوَافُ التَّحِيَّةِ سُنَّةٌ وَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ الدَّمَ فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى (فَلَوْ طَافَ لَهُمَا) أَيْ لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (طَوَافَيْنِ) مُتَوَالِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا (وَسَعَى سَعْيَيْنِ) لَهُمَا (جَازَ وَأَسَاءَ) بِتَأْخِيرِ سَعْيِ الْعُمْرَةِ وَتَقْدِيمِ طَوَافِ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَحُجُّ كَمَا مَرَّ) بَيَانُهُ فِي الْمُفْرِدِ (فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ (ذَبَحَ دَمَ الْقِرَانِ شَاةً أَوْ بَدَنَةً أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ) وَهَذَا الدَّمُ وَجَبَ شُكْرًا لِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَبْلَهُ لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ عِبَادَةٍ لَا جِنَايَةٍ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَالْمُتَبَادَرُ أَنْ يُقَيِّدَ الذَّبْحَ بِمَا إذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَوْ طَافَ لَهَا فِي رَمَضَانَ مَثَلًا لَمْ يَذْبَحْ وَإِنْ كَانَ قَارِنًا كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَالِاشْتِرَاكُ فِي الْبَقَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ وَالْجَزُورُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرَةِ لَكِنْ يُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ حِصَّتُهُ مِنْ الْبَقَرَةِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الشَّاةِ كَمَا فِي الْمَنْظُومَةِ الْوَهْبَانِيَّةِ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْهَدْيِ (صَامَ) الْقَارِنُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بَدَلًا لِلْهَدْيِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ رَجَاءَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْأَصْلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ آخِرُهَا إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ (وَسَبْعَةَ) أَيَّامٍ (إذَا فَرَغَ) أَيْ صَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مَنْهِيٌّ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
(وَلَوْ بِمَكَّةَ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ صَامَ سَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَا يَجُوزُ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُقَامَ فِيهَا (فَإِنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) وَجَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ (تَعَيَّنَ الدَّمُ) عَلَيْهِ بِالْوُجُوبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ وَلَا السَّبْعَةَ
بَعْدَهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ يَصُومُ الثَّلَاثَةَ بَعْدَهَا (وَإِنْ وَقَفَ الْقَارِنُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طَوَافِهِ لِلْعُمْرَةِ) سَوَاءٌ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ لَا (فَقَدْ رَفَضَهَا) أَيْ الْعُمْرَةَ بِالْوُقُوفِ وَإِنَّمَا قُلْنَا سَوَاءٌ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ وَطَافَ لِلْعُمْرَةِ ثَلَاثَةً أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ انْتَقَضَ الْقِرَانُ وَارْتَفَضَ الْعُمْرَةَ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلرَّفْضِ وَعَلَى هَذَا عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ إلَخْ تَدَبَّرْ، وَالْمُرَادُ بِوُقُوفِهِ قَبْلَ الْعُمْرَةِ: وُقُوفُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَوْ طَافَ طَوَافًا مَا لَوْ قَصَدَ بِهِ طَوَافَ الْقُدُومِ لِلْحَجِّ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَافِضًا لَهَا (فَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِهَا وَيَقْضِيهَا) أَيْ الْعُمْرَةَ لِلُزُومِهَا عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ (وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ) .
وَفِي الْإِصْلَاحِ لَا دَمَ لِلْقِرَانِ لَمْ يَقُلْ وَسَقَطَ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ فَإِنَّ وُجُوبَهُ بِالْجَمْعِ وَلَمْ يُوجَدْ وَالسُّقُوطُ فَرْعُ الثُّبُوتِ.
(وَالتَّمَتُّعُ) عُطِفَ عَلَى الْقِرَانِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ (أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ) وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (وَهُوَ) أَيْ التَّمَتُّعُ شَرْعًا (أَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) أَوْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَطُوفَ لَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ فِي التَّمَتُّعِ أَنْ يُوجَدَ طَوَافُ الْعُمْرَةِ أَوْ أَكْثَرُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي (ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) ذَلِكَ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ (فَيُحْرِمَ بِهَا) أَيْ بِالْعُمْرَةِ (مِنْ الْمِيقَاتِ) أَوْ قَبْلَهُ وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (وَيَطُوفَ لَهَا) أَرْبَعَةً أَوْ أَكْثَرَ إلَى سَبْعَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (وَيَسْعَى) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (وَيَتَحَلَّلَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعُمْرَةِ إنْ شَاءَ بِالْحَلْقِ أَوْ بِالتَّقْصِيرِ وَإِنْ شَاءَ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَتَحَلَّلَ مِنْ الْإِحْرَامَيْنِ يَوْمَ النَّحْرِ (إنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ) وَإِنْ سَاقَ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ الطَّوَافِ) أَيْ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ يَقْطَعُهَا كَمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْتِ (ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ الْحَرَمِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَكِّيِّ (يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَقَبْلَهُ) أَيْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ (أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْعِبَادَةِ (وَيَحُجُّ) فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيَفْعَلُ جَمِيعَ مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ الْمُفْرِدُ إلَّا أَنَّهُ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ.
وَلَوْ طَافَ وَرَمَلَ وَسَعَى بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَقَبْلَ رَوَاحِهِ إلَى مِنًى لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ وَيَذْبَحُ بَعْدَ الرَّمْيِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ النَّحْرِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ التَّمَتُّعِ (كَالْقَارِنِ فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الذَّبْحِ (فَكَحُكْمِهِ) أَيْ صَامَ كَالْقَارِنِ (وَجَازَ صَوْمُ) الْأَيَّامِ (الثَّلَاثَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا) أَيْ الْعُمْرَةِ (وَلَوْ) صَامَ (فِي شَوَّالٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهَا) أَيْ بِالْعُمْرَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ (لَا قَبْلَهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةً مُتَتَابِعَةً آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ (فَإِنْ شَاءَ) الْمُتَمَتِّعُ (سَوْقَ الْهَدْيِ وَهُوَ) أَيْ سَوْقُ الْهَدْيِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْإِرْسَالِ قَبْلَهُ (أَحْرَمَ)
أَيْ بِالْعُمْرَةِ (وَسَاقَهُ) أَيْ ثُمَّ سَاقَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالنِّيَّةُ أَفْضَلُ ثُمَّ يَسُوقُ (وَهُوَ) أَيْ سَوْقُ الْهَدْيِ (أَوْلَى مِنْ قَوْدِهِ) إلَّا أَنْ لَا يَنْقَادَ فَحِينَئِذٍ يَقُودُهُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَإِنْ كَانَ) أَيْ الْهَدْيُ (بَدَنَةً قَلَّدَهَا بِمَزَادَةٍ أَوْ نَعْلٍ وَهُوَ) أَيْ التَّقْلِيدُ (أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ) ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ؛ وَلِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ وَالتَّجْلِيلُ لِلزِّينَةِ (وَالْإِشْعَارُ جَائِزٌ) أَيْ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا مَكْرُوهٍ (عِنْدَهُمَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُنَّةٌ (وَهُوَ) أَيْ الْإِشْعَارُ (شَقُّ سَنَامِهَا) أَيْ الْبَدَنَةِ (مِنْ الْأَيْسَرِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ) إلَى الصَّوَابِ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ (بِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام) هَذَا تَفْسِيرٌ لِهَذَا الْإِشْعَارِ الْمَخْصُوصِ وَتَفْسِيرُهُ لُغَةً الْإِدْمَاءُ (أَوْ مِنْ الْأَيْمَنِ) وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ (وَيُكْرَهُ) الْإِشْعَارُ (عِنْدَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ مَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَ الْإِشْعَارِ وَإِنَّمَا كَرِهَ إشْعَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِمُبَالَغَتِهِمْ فِيهِ.
وَفِي الْفَتْحِ هُوَ الْأَوْلَى وَاخْتَارَهُ فِي الْغَايَةِ (ثُمَّ يَعْتَمِرُ كَمَا تَقَدَّمَ) ذِكْرُهُ (وَلَا يَتَحَلَّلُ) مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ (وَيُحْرِمُ) الْمُتَمَتِّعُ (بِالْحَجِّ كَمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الْحَرَمِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَقَبْلَهُ أَفْضَلُ (فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْ إحْرَامَيْهِ) أَيْ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِبَقَاءِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى الْحَلْقِ خِلَافًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ انْتَهَى بِالْوُقُوفِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ، قَالَ شَارِحُ الْكَنْزِ وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ وَبَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ الطَّوَافِ شَاتَانِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَلَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْمُرَادُ نَهْيُهُ عَنْ الْفِعْلِ لَا نَفْيُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْمَشْرُوعِيَّةَ فَإِنْ فَعَلَ الْقِرَانَ صَحَّ وَأَسَاءَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْجَبْرِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي الْبَحْرِ ظَاهِرُ الْكُتُبِ مُتُونًا وَشُرُوحًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَكَانَتْ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى. لَكِنْ يُمْكِنُ الدَّفْعُ بِحَمْلِ مَا فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى التَّمَتُّعِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي مَعَهُ الْإِسَاءَةُ وَمَا فِي الْمُتُونِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُودِ التَّمَتُّعِ مِنْ الْمَكِّيِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُبَاحٍ تَدَبَّرْ (وَمَنْ هُوَ دَاخِلُ الْمَوَاقِيتِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَكِّيِّ (فَإِنْ عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إلَى أَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ) أَيْ بَعْدَ أَدَاءِ أَفْعَالِهَا (وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ إلْمَامًا صَحِيحًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَيَّدَ بِالتَّمَتُّعِ إذْ الْقَارِنُ لَا يَبْطُلُ قِرَانُهُ بِالْعَوْدِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ إذَا رَجَعَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إلَى بَلَدِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَهُ لَا) أَيْ لَا يَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ فَيَكُونُ عَوْدُهُ وَاجِبًا فَإِذَا عَادَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (وَمَنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ