الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِالسُّكْنَى وَفِي الرِّبَاطِ بِالنُّزُولِ وَفِي السِّقَايَةِ بِشُرْبِ النَّاسِ وَفِي الْمَقْبَرَةِ بِدَفْنِهِمْ وَيُكْتَفَى إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ وَاحِدٍ لِتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ انْتَهَى. وَعَنْهُ قَالَ (وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ السِّقَايَةِ وَسَكَنُوا الْخَانَ وَالرِّبَاطَ وَدَفَنُوا فِي الْمَقْبَرَةِ) وَلَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ طَرِيقًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي الِانْتِفَاعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ إلَّا فِي الْغَلَّةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الصَّرْفُ إلَّا لِلْفُقَرَاءِ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ أَرْضًا لِتُصْرَفَ غَلَّتُهَا إلَى الْحُجَّاجِ أَوْ الْغُزَاةِ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ لَا تُصْرَفُ إلَى الْغَنِيِّ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
[شُرُوط تَمَامِ الْوَقْفِ]
(وَشَرَطَ لِتَمَامِهِ) أَيْ لِتَمَامِ الْوَقْفِ بَعْدَ مَا لَزِمَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَهُ (ذِكْرُ مَصْرِفٍ مُؤَبَّدٍ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عَلَى كَذَا وَكَذَا ثُمَّ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ) بِدُونِهِ أَيْ بِدُونِ ذِكْرِ مَصْرِفٍ مُؤَبَّدٍ لِأَنَّ الْوَقْفَ إزَالَةُ الْمِلْكِ لِلَّهِ تَعَالَى وَذَا يَقْضِي التَّأْبِيدَ وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَقْفَ تَصَدُّقٌ بِالْمَنْفَعَةِ وَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنْصِيصِ (وَإِذَا انْقَطَعَ) الْمَصْرِفُ (صُرِفَ إلَى الْفُقَرَاءِ) وَلَا يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ إنْ كَانَ حَيًّا وَإِلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ أَلْبَتَّةَ إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ لَكِنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ نَقَلَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَقَالَ قِيلَ التَّأْبِيدُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ التَّأْبِيدِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي التَّأْبِيدِ رِوَايَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَذِكْرُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَيُفَرَّعُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ عَلَى قَرَابَتِهِ وَهُمْ يُحْصَوْنَ أَوْ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ فَمَاتَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى الثَّانِي يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ مَا لَا يُحْصَى رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَشَرَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِائَةٌ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ ثَمَانُونَ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ.
(وَصَحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقْفُ الْمُشَاعِ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ وَالْقَبْضُ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَكَذَا تَتِمَّتُهُ وَلَا يَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ أَصْلَ الْقَبْضِ شَرْطٌ عِنْدَهُ فَكَذَا مَا يَتِمُّ بِهِ، وَهَذَا فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةُ وَأَمَّا مَا لَا تَحْتَمِلُهَا كَالْحَمَّامِ فَيَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مَعَ الشُّيُوعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ مَعَ الشُّيُوعِ مُطْلَقًا بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي الدُّرَرِ وَبَعْضُ مَشَايِخِ زَمَانِنَا أَفْتَوْا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ يُفْتَى.
(وَ) صَحَّ (جَعْلُ غَلَّةِ الْوَقْفِ) أَوْ بَعْضِهَا (أَوْ الْوِلَايَةِ لِنَفْسِهِ) أَيْ صَحَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ انْتِفَاعَهُ مِنْ وَقْفِهِ وَتَوْلِيَتَهُ لِنَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ مُعْتَبَرٌ فَيُرَاعَى كَالنَّصِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْوَاقِفِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَلَوْ شَرَطَ الْوِلَايَةَ لِلْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُمْ فِي الْفَضْلِ سَوَاءً تَكُونُ الْوِلَايَةُ لِأَكْبَرِهِمْ سِنًّا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ كَانَ الْأَفْضَلُ غَائِبًا فِي مَوْضِعٍ أَقَامَ الْقَاضِي رَجُلًا يَقُومُ بِأَمْرِ الْوَقْفِ مَا دَامَ الْأَفْضَلُ حَيًّا.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا شَرَطَهَا لِأَفْضَلِهِمْ وَاسْتَوَى اثْنَانِ فِي الدِّيَانَةِ وَالسَّدَادِ وَالْفَضْلِ وَالرَّشَادِ فَالْأَعْلَمُ بِأَمْرِ الْوَقْفِ أَوْلَى، وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ صِفَةُ التَّرْجِيحِ فِي إحْدَاهُمَا لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَنْتَظِمُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدُ أَفْضَلُ، وَلَوْ وَلَّى الْقَاضِي أَفْضَلَ ثُمَّ حَدَثَ فِي وَلَدِهِ أَفْضَلُ مِنْهُ فَالْوِلَايَةُ إلَيْهِ.
(وَ) صَحَّ (جَعْلُ الْبَعْضِ) أَيْ بَعْضِ الْغَلَّةِ (أَوْ الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْغَلَّةِ (لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ أَوْ مُدَبَّرِيهِ مَا دَامُوا أَحْيَاءً وَبَعْدَهُمْ لِلْفُقَرَاءِ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ قِيلَ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا
هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَفَرَّعَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا اشْتِرَاطَ الْغَلَّةِ لِمُدَبَّرِيهِ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا تَدَبَّرْ.
(وَ) صَحَّ (شَرْطُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ) أَيْ بِالْوَقْفِ (غَيْرَهُ) أَيْ يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ أَرْضًا أُخْرَى (إذَا شَاءَ) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ فِيهِ تَحْوِيلَهُ إلَى مَا يَكُونُ خَيْرًا مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ مِثْلِهِ فَكَانَ تَقْرِيرًا لَا إبْطَالًا فَإِذَا فَعَلَ صَارَتْ الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى فِي شَرَائِطِهَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا، ثُمَّ لَا يَسْتَبْدِلُهَا بِثَالِثَةٍ لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالشَّرْطِ وَالشَّرْطُ وُجِدَ فِي الْأَوَّلِ لَا فِي الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الِاسْتِبْدَالُ بِدُونِ الشَّرْطِ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا الْقَاضِي بِإِذْنِ السُّلْطَانِ حَيْثُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ مُبَادَلَةُ دَارِ الْوَقْفِ بِدَارٍ أُخْرَى أَنَمَّا تَجُوزُ إذَا كَانَتَا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَكُونَ الْمَحَلَّةُ الْمَمْلُوكَةُ خَيْرًا مِنْ الْمَحَلَّةِ الْمَوْقُوفَةِ وَعَلَى عَكْسِهِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَمْلُوكَةُ أَكْثَرَ مِسَاحَةً وَقِيمَةً وَأُجْرَةً لِاحْتِمَالِ قِلَّةِ رَغَبَاتِ النَّاسِ فِيهَا لِدَنَاءَتِهَا، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا وَيَصْرِفَ ثَمَنَهَا إلَى حَاجَةٍ أَوْ يَكُونَ ثَمَنُهَا وَقْفًا لِمَكَانِهَا فَإِنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَصْرِفَ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ وَصِيَّةً فَيُعْتَبَرُ
مِنْ الثُّلُثِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْمَذْكُورِ فِي وَقْفِ الْمُشَاعِ إلَى هُنَا وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْغَلَّةِ لِوَلَدِهِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ شَمِلَ الْمُذَكَّرَ وَالْأُنْثَى إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ بِالذُّكُورِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ فَمَا يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْ الصُّلْبِيِّ كَانَتْ الْغَلَّةُ لَهُ وَإِذَا انْتَفَى صُرِفَتْ إلَى الْفُقَرَاءِ لَا وَلَدِ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَ الْوَقْفِ وَلَدٌ صُلْبِيٌّ بَلْ وَلَدُ ابْنٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى كَانَتْ الْغَلَّةُ خَاصَّةً لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا مَنْ دُونَهُ مِنْ الْبُطُونِ فَإِنْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ كَانَتْ لَهُ، وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبِنْتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْوَلَدِ مُفْرَدًا أَوْ جَمْعًا فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ اشْتَرَكَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ ابْنِهِ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ دُخُولَ الْبَنَاتِ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ الْآنَ وَلَا يُفَضِّلُ الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ وَصَحَّحَ عَدَمَهُ فِي وَلَدِي لَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي فَمَاتَ كَانَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا تُصْرَفُ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ إلَّا بِالشَّرْطِ إلَّا إذَا ذَكَرَ الْبُطُونَ الثَّلَاثَةَ فَإِنَّهُ لَا تُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلَ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ بِأَنْ يَقُولَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ أَوْ يَقُولَ عَلَى وَلَدَى ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي أَوْ يَقُولَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَحِينَئِذٍ يُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْوَاقِفُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ لِأَنَّ النَّسْلَ يَتَضَمَّنُ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ الْقَرِيبَ بِحَقِيقَتِهِ وَالْبَعِيدَ بِحُكْمِ الْعُرْفِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ وَبِهِ يُفْتَى الْيَوْمَ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ لَفْظَ النَّسْلِ فَقَطْ يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا فَيَبْقَى قَوْلُهُ بَعْدَ نَسْلٍ بِلَا فَائِدَةٍ، فَإِنْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ نَسْلٍ لِلتَّأْكِيدِ قُلْنَا التَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ لَا يُحْمَلُ عَلَى التَّأْكِيدِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ تَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مِنْ الْغَوَامِضِ وَمَا فِي الدُّرَرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً عَلَى أَوْلَادِي يَسْتَوِي فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ لَفْظَ الْأَوْلَادِ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى تَدَبَّرْ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا كَانَ لِلْآخَرِ النِّصْفُ وَاَلَّذِي لِلْمَيِّتِ لِلْفُقَرَاءِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُوَجِّهَ الْقَاضِي إلَى الْآخَرِ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا كَمَا أَفْتَى الْبَعْضُ فِي دِيَارِنَا فَإِنْ مَاتَ الْآخَرُ صَرَفَ الْكُلَّ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ لَا تُصْرَفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ ثُمَّ مَاتَتْ امْرَأَتُهُ لَا يَكُونُ نَصِيبُهَا لِابْنِهَا الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْوَاقِفِ خَاصَّةً إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ رَدُّ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إلَى وَلَدِهِ وَلَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا وَلَمْ يَقُلْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لَكِنْ شَرَطَ رَدَّ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إلَى وَلَدِهِ فَالْغَلَّةُ لِجَمِيعِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ وَلَوْ مَاتَ بَعْضُ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ وَتَرَك وَلَدًا ثُمَّ جَاءَتْ الْغَلَّةُ تُقْسَمُ عَلَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلُوا وَعَلَى الْمَيِّتِ فَمَا أَصَابَ الْمَيِّتَ مِنْ الْغَلَّةِ كَانَ لِوَلَدِهِ
بِالْإِرْثِ فَيَصِيرُ لِوَلَدِ الْمَيِّتِ سَهْمُهُ الَّذِي عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ بِحُكْمِ تَعْيِينِهِ وَسَهْمُ وَلَدِهِ بِالْإِرْثِ كَمَا فِي الْغَرَرِ وَلَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي الْمَخْلُوقِينَ وَنَسْلِي يَدْخُلُ الْوَلَدُ الْحَادِثُ بِالنَّسْلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي الْمَخْلُوقِينَ وَنَسْلِهِمْ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَالَ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ وَلَدِي وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ مُحْتَاجٌ كَانَ النِّصْفُ لَهُ وَالْآخَرُ لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ قَالَ أَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَقَارِبِي أَوْ عَلَى قَرَابَتِي أَوْ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِي قَالَ هِلَالٌ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَلَا يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَالِدُ الْوَاقِفِ وَلَا جَدُّهُ وَلَا وَلَدُهُ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ يَدْخُلُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَفِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ قَالَ عَلَى الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِي وَعَلَى وَلَدِي الذُّكُورِ مِنْ نَسْلِي يَكُونُ عَلَى الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَعَلَى وَلَدِ كُلِّ ذَكَرٍ مِنْ نَسْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ وَلَدِ الذُّكُورِ أَوْ وَلَدِ الْإِنَاثِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأُنْثَى الصُّلْبِيَّةِ.
(وَصَحَّ وَقْفُ الْعَقَارِ) لِلنُّصُوصِ وَالْآثَارِ (وَكَذَا) صَحَّ وَقْفُ (الْمَنْقُولِ الْمُتَعَارَفِ وَقْفُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) كَمَا صَحَّ وَقْفُ الْمَنْقُولِ مَقْصُودًا إذَا تَعَامَلَ النَّاسُ وَقْفَهُ (كَالْفَأْسِ وَالْمُرُو وَالْقَدُّومِ وَالْمِنْشَارِ وَالْجِنَازَةِ) بِالْكَسْرِ السَّرِيرِ (وَثِيَابِهَا) الَّتِي تُصْنَعُ مِنْ قِطْعَةِ سِتْرِ الْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا يُسْتَرُ بِهَا الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ (وَالْقُدُورِ وَالْمَرَاجِلِ وَالْمَصَاحِفِ) جَمْعُ الْمُصْحَفِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا وَقَفَ مُصْحَفًا عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ لِلْقِرَاءَةِ إنْ كَانُوا يُحْصَوْنَ جَازَ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ جَازَ وَيُقْرَأُ فِيهِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ (وَالْكُتُبِ) جَمْعُ الْكِتَابِ
(وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ مُحَمَّدٍ (فِي وَقْفِ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ) وَالْخَيْلِ (وَالْإِبِلِ فِي سَبِيلِ اللَّه) وَمَا سِوَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ لَا يَجُوزُ وَقْفُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُتْرَكُ بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِيهِمَا فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ (وَبِهِ) أَيْ يَقُولُ مُحَمَّدٌ (يُفْتِي) لِوُجُودِ التَّعَامُلِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْإِسْعَافِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ كَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَدْ حَكَى فِي الْمُجْتَبَى الْخِلَافَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْمَنْقُولِ فَقِيلَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا جَرَى التَّعَارُفُ بِهِ أَوَّلًا وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إنْ جَرَى فِيهِ تَعَامُلٌ وَلَمَّا جَرَى التَّعَامُلُ فِي وَقْفِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فِي زَمَان زُفَرَ بَعْدَ تَجْوِيزِ صِحَّةِ وَقْفِهِمَا فِي رِوَايَةٍ دَخَلَتْ تَحْتَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْمُفْتَى بِهِ فِي وَقْفِ كُلِّ مَنْقُولٍ فِيهِ تَعَامُلٌ كَمَا لَا يَخْفَى فَلَا يَحْتَاجُ عَلَى هَذَا إلَى تَخْصِيصِ الْقَوْلِ بِجَوَازِ وَقْفِهِمَا لِمَذْهَبِ زُفَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ أَفْتَى صَاحِبُ الْبَحْرِ بِجَوَازِ وَقْفِهِمَا وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا كَمَا فِي الْمِنَحِ وَعَنْ زُفَرَ رَجُلٌ وَقَفَ الدَّرَاهِمَ أَوْ الطَّعَامَ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ قَالَ يَجُوزُ قِيلَ لَهُ وَكَيْفَ يَكُونُ، قَالَ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ مُضَارَبَةً ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهَا فِي الْوَجْهِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ وَمَا يُوزَنُ وَيُكَالُ يُبَاعُ فَيُدْفَعُ ثَمَنُهُ بِضَاعَةً أَوْ مُضَارَبَةً كَالدَّرَاهِمِ قَالُوا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، لَوْ قَالَ الْكُرُّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَقْفٌ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُفَرِّقَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا بُدَّ لَهُمْ فَيَزْرَعُونَهَا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قَدْرُ الْفَرْضِ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَبَدًا جَازَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَمِثْلُ هَذَا أَكْثَرُهُمْ فِي الرَّيِّ وَنَاحِيَةِ نَهَاوَنْدَ.
(وَكَذَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقْفُهُ) أَيْ وَقْفُ الْمَنْقُولِ (تَبَعًا كَمَنْ وَقَفَ ضَيْعَةً بِبَقَرِهَا وَأَكَرَتِهَا وَهُمْ) أَيْ الْأَكَرَةُ (عَبِيدُهُ) أَيْ عَبِيدُ الْوَاقِفِ (وَسَائِرِ آلَاتِ الْحِرَاثَةِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ مِنْ شَرْطِهِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَرْضِ فِي تَحْصِيلِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ تَبَعًا وَلِهَذَا دَخَلَ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ مَا كَانَ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ مِنْ الْبِنَاءِ وَالْأَشْجَارِ دُونَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَمُحَمَّدٍ مَعَهُ فِيهِ وَأَمَّا لَوْ بَنَى عَلَى أَرْضٍ ثُمَّ وَقَفَ الْبِنَاءَ بِدُونِ الْأَرْضِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ مَوْقُوفَةً عَلَى مَا عَيَّنَ الْبِنَاءَ لَهُ جَازَ إجْمَاعًا وَإِنْ لِجِهَةٍ أُخْرَى فَمُخْتَلِفٌ وَالْمَعْمُولُ بِهِ الْآنَ الْجَوَازُ، وَكَذَا حُكْمُ وَقْفِ الْأَشْجَارِ.
وَفِي الْمِنَحِ الْمُتَعَارَفُ فِي دِيَارِنَا وَقْفُ الْبِنَاءِ بِدُونِ الْأَرْضِ وَكَذَا وَقْفُ الْأَشْجَارِ بِدُونِهَا فَيَتَعَيَّنُ الْإِفْتَاءُ بِصِحَّتِهِ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ فِيهِ التَّعَامُلُ انْتَهَى وَالْمُرَادُ بِالتَّعَامُلِ تَعَامُلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا أَجْمَعِينَ لَا تَعَارُفِ الْعَوَامّ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَعَلَى هَذَا مَا قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَارَفَ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ فِيهِ تَعَامُلٌ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ رَجُلٌ وَقَفَ بَقَرَةً عَلَى رِبَاطٍ عَلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ لَبَنِهَا
وَسَمْنِهَا يُعْطَى لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَغْلِبُ ذَلِكَ فِي أَوْقَافِهِ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ جَائِزًا وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَهُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالُوا لِأَنَّهُ جَرَى بِذَلِكَ التَّعَارُفُ فِي دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ التَّعَارُفِ لَا مَا قَالَهُ الْبَعْضُ تَدَبَّرْ.
(وَإِذَا صَحَّ الْوَقْفُ) أَيْ إذَا لَزِمَ الْوَقْفُ عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ اللُّزُومِ (فَلَا يُمْلَكُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لَا يَكُونُ الْوَقْفُ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ أَصْلًا (وَلَا يُمَلَّكُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مِنْ التَّفْعِيلِ أَيْ لَا يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَةُ الْمُشَاعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْوَقْفُ مُشَاعًا وَطَلَبَ الشَّرِيكُ الْقِسْمَةَ يَصِحُّ مُقَاسَمَتُهُ عِنْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَمْيِيزٌ وَإِفْرَازٌ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْغَالِبَ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ فِي قِسْمَةِ الْوَقْفِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ غَالِبًا نَظَرًا لِلْوَقْفِ فَلَمْ يَجْعَلْهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ وَهُوَ فِي الْوَقْفِ مُمْتَنِعٌ.
وَفِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ مَا وَقَفَهُ وَقُضِيَ بِهِ لِلْمُسْتَحِقِّ يَسْتَمِرُّ الْبَاقِي وَقْفًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَفِي التَّنْوِيرِ أَطْلَقَ الْقَاضِي بَيْعَ الْوَقْفِ الْغَيْرِ الْمُسَجِّلِ لِوَارِثِ الْوَاقِفِ فَبَاعَ صَحَّ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ يَكُونُ حُكْمًا بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ أَطْلَقَ لِغَيْرِ الْوَارِثِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِأَنَّ الْوَقْفَ إذَا بَطَل عَادَ إلَى مِلْكِ وَارِثِ الْوَاقِفِ وَبَيْعُ مَالِ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ طَرِيقٍ
شَرْعِيٍّ (وَيَبْدَأُ مِنْ ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ) أَيْ مِنْ غَلَّتِهِ (بِعِمَارَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْوَاقِفُ) لِأَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ صَرْفُ الْغَلَّةِ مُؤَبَّدًا وَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِصْلَاحِ وَالْعِمَارَةِ فَيَثْبُتُ شَرْطُ الْعِمَارَةِ اقْتِضَاءً وَالثَّابِتُ بِهِ كَالثَّابِتِ نَصًّا وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَدِينُ الْمُتَوَلِّي إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَا يُعَمِّرُهُ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي.
وَفِي الْبَحْرِ وَيَسْتَدِينُ لِلْإِمَامِ وَالْخَطِيبِ وَالْمُؤَذِّنِ بِإِذْنِ الْقَاضِي لِضَرُورَةِ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، وَكَذَا لِلْحَصِيرِ وَالزَّيْتِ وَلَوْ ادَّعَى الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ اسْتَدَانَ بِإِذْنِ الْقَاضِي هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ لِمَا أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ فِي الْغَلَّةِ.
(إنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ) فَلَوْ فَضَلَ عَنْ الْعِمَارَةِ صُرِفَ أَوَّلًا إلَى وَلَدِهِ الْفَقِيرِ ثُمَّ إلَى قَرَابَتِهِ ثُمَّ إلَى مَوَالِيهِ ثُمَّ إلَى جِيرَانِهِ ثُمَّ إلَى أَهْلِ مِصْرِهِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْوَاقِفِ مَنْزِلًا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ
لَا يُعْطِي لِأَحَدٍ مِنْ أَقْرِبَائِهِ شَيْئًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَإِنْ عَلَى) جَمْعٍ أَوْ وَاحِدٍ (مُعَيَّنٍ) وَآخِرُهُ لِلْفُقَرَاءِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ فَالْعِمَارَةُ عَلَى الْمُعَيَّنِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُعَيَّنُ عَنْ الْعِمَارَةِ (أَوْ كَانَ فَقِيرًا) لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعِمَارَةِ بِمَالِهِ (آجَرَهُ الْحَاكِمُ) أَيْ الْقَاضِي أَوْ الْقَيِّمُ بِإِذْنِهِ اسْتِحْسَانًا صِيَانَةً لِلْوَقْفِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْوَاقِفَ وَمَنْ لَهُ السُّكْنَى لَا يُؤَجِّرُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاظِرٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَعَمَرَهُ) مِنْ الثُّلَاثِيِّ مِنْ الْعِمَارَةِ لَا مِنْ التَّعْمِيرِ (مِنْ أُجْرَتِهِ) بِقَدْرِ مَا يَبْقَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَقَفَهَا الْوَاقِفُ فَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ وَكَذَا إنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحُّ وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ غَلَّةٍ مُسْتَحَقَّةٍ لَهُ إلَى جِهَةٍ غَيْرِ مُسْتَحَقَّةٍ إلَّا بِرِضَاهُ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ الْعِمَارَةِ (رَدَّهُ) أَيْ الْبَاقِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رِعَايَةً لِحَقِّ الْوَاقِفِ وَحَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْعِمَارَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إتْلَافِ مَالِهِ فَأَشْبَهَ امْتِنَاعَ صَاحِبِ
الْبَذْرِ فِي الْمَزْرَعَةِ.
(وَنَقْضُ الْوَقْفِ يُصْرَفُ) أَيْ يَصْرِفُهُ الْحَاكِمُ (إلَى عِمَارَتِهِ) أَيْ الْوَقْفِ (إنْ احْتَاجَ) إلَى الْعِمَارَةِ بِالْفِعْلِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْعِمَارَةِ بِالْفِعْلِ (حُفِظَ) النَّقْضُ (إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ) إلَى الْعِمَارَةِ فَيُصْرَفُ إلَيْهَا.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ صَرْفُ عَيْنِهِ) أَيْ عَيْنِ النَّقْضِ إلَيْهَا بِأَنْ لَا يَصْلُحَ (يُبَاعُ) أَيْ يَبِيعُهُ نَحْوُ الْمُتَوَلِّي النَّقْضَ (وَيَصْرِفُ ثَمَنَهُ إلَيْهَا) وَقْتَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ بَدَلُ النَّقْضِ (وَلَا يُقْسَمُ) النَّقْضُ (بَيْنَ مُسْتَحَقِّي الْوَقْفِ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْعَيْنِ وَحَقُّهُمْ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْعَيْنُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ.