الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ
يُسَنُّ الاغْتِسَالُ لَه حَتَّى لِحائِضٍ، ودُخولُها نَهَارًا مِن أَعْلاها من ثَنِيَّةِ كَداءٍ، وأن يَخْرُجَ من كُدىً من الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى، وأن يَدْخُلَ المَسْجِدَ من بابِ بَني شَيْبَةَ.
فإذا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ وقال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ومِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلامِ"(1)، "اللَّهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابًةً وَبِرًّا، وزِدْ مَن عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّن حَجَّهُ واعْتَمَرَه تَعْظِيمًا وَتَكْريمًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا"(2). الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ كثيرًا كَما هو أَهْلُه، وكما يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ، وعِزِّ جَلالِه، والحمدُ للَّهِ الذي بَلَّغَنِي بَيْتَه، ورآني لِذَلِكَ أَهْلًا، والحمدُ للَّهِ على كُلِّ حَالٍ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرامِ، وقد جِئْتُكَ لِذَلِكَ،
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(4/ 97، 10/ 366)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 73) عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وإسناده حسن.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (4/ 97)، والبيهقي (5/ 73) مرسلًا عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، واعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهُ، لا إله إلَّا أنْتَ. يَرْفَعُ الرَّجُلُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ، وما زادَ من الدُّعاءِ فَحَسَنٌ.
ثُمَّ يبتدئُ المُعْتَمِرُ بطوافِ العُمْرَةِ، وَلَيْسَ لها طَوافُ قُدُومٍ، وبِطَوافِ القُدُوم المُفْرِدُ والقَارِنُ ويُسَمَّى طواف الوُرودِ أيضًا وهو تَحِيَّةُ الكَعْبَةِ، وَتَحِيَّةُ المَسْجِد الصَّلاةُ، ويُجْزِئُ عَنْهَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوافِ. فيكونُ أوَّلَ ما يَبْدَأُ بِه الطَّوافُ، إلَّا إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، أو ذَكَر فَرِيضَةً فَائِتَةً، أو خافَ فَوْتَ رَكْعَتي الفَجْرِ أو الوِتْرِ، أو حَضَرَتْ جَنَازةٌ، فَيُقَدِّمُ ذَلِكَ عليه ثُمَّ يَطُوفُ.
والأَوْلى للمَرْأَةِ تَأْخِيرُهُ إلى اللَّيْلِ حيثُ لا مَحْذُورَ إن أمِنَتْ الحَيْضَ والنِّفَاسَ، ولا تُزَاحِمُ الرِّجالَ لتَسْتَلِمَ الحَجَرَ، لكن تُشيرُ إليه كالذي لا يُمْكِنُهُ الوصولُ إليه. وَيَضْطَبِعُ بردائِهِ في طَوَافِ القُدُومِ، وفي طواف العُمْرَةِ المُتَمَتِّعُ، ومَن في معناه، غيرُ حَامِلِ مَعْذُورٍ، فَيَجْعَلُ وَسَطَه تحتَ عاتِقِه الأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْه على عاتقه الأَيسرِ، فإذا فَرَغَ سَوّاه، ولا يَضْطَبِعُ في السَّعْي.
وَيَبْتَدِئُ من الحَجَرِ الأَسودِ وهو جِهَةُ المَشْرِقِ فيُحاذيه أو بَعْضَه بجميعِ بَدَنِهِ، فإن لم يَفْعَل، أو بَدَأَ بالطَّوافِ من دُونِ الرُّكْنِ، كالبَابِ ونحوِهِ لم يُحْتَسب بِذَلِكَ الشَّوْطُ، ثُمَّ يستلمُهُ أي يمسحُهُ بيدِهِ اليُمْنى ويُقَبِّلُهُ من غير صَوْتٍ يظهرُ للقُبْلَة، فإن شَقَّ استَلمَهُ وَقَبَّل يَدَهُ، فإن شَقَّ استَلَمَهُ بشيءٍ وَقَبَّلَهُ، فإن شَقَّ أشار إِليه بيدِهِ أو شيء واستقبَلَهُ
بوجهِهِ ولا يُقَبِّلُ المشارَ بِهِ ولا يُزاحِمُ فيؤذيَ أحدًا، ويقول:"بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أَكْبَرُ، إِيمانًا بِكَ، وتَصْدِيقًا بِكتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ واتِّباعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم"(1)، ويقولُ ذَلِكَ كُلَّما استلمَهُ.
ثُمَّ يَأْخُذُ على يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي بَابَ البَيْتِ، وَيَجْعَلُهُ على يَسارِهِ لِيُقَرِّبَ جانِبَه الأَيْسَرَ إِليه، فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ الشَّامِيّ والعِراقِيَّ، وهو جِهَةَ الشَّامِ، ثُمَّ يليه الرُّكْنُ الغَرْبِيُّ وهو جِهَةَ المَغْرِبِ، ثُمَّ اليَمَانِيُّ وهو جِهَةَ اليَمنِ، فإذا أتَى عليه اسْتَلَمه، ولم يُقَبِّلْه. ولا يَسْتَلِمُ ولا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْن الآخَرَيْن، ولا صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ولا غيرَها من المساجدِ والمدافِنِ التي فيها الأَنْبياءُ والصَّالِحون.
ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ منها، مَاشٍ، غَيْرَ حامِلٍ مَعْذُورٍ وَغَيْرَ نِسَاءٍ، وغَيْرَ مُحْرِمٍ من مكّةَ أو قُرْبِها، فلا يُسَنُّ لهم رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ، ولا في غيرِ هذا الطَّوافِ، وإن فات لم يَقْضِ.
والرَّمَل إسراعُ المَشْي مع تَقَارُبِ الخُطَى من غَيْرِ وَثْبٍ، وهو أَولى مِنَ الدُّنُوِّ من البَيْتِ بدُونِهِ، والتأخيرُ لأَحدِهما أَوْلَى.
(1) أخرجه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين"(1724) عن ابن عمر، وإسناده ضعيف؛ فيه محمد بن مهاجر القرشي لين الحديث كما في "التقريب" كما أن الطبراني أخرجه في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين"(1723) عن علي بن أبي طالب، وإسناده ضعيف أيضًا؛ فيه الحارث الأعور ضعيف رمي بالرفض.
وَيَمْشِي الأَشوَاطَ الأَرْبَعَةَ الباقية، وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ الأَسْوَدَ والرُّكْنَ اليَمَانِيّ، اسْتَلَمهما، وإن شَقَّ أشارَ إليهما، ويقولُ كُلَّما حاذَى الحَجَرَ: اللَّهُ أكْبَرُ فقط، وبين اليَمَانيِّ وبينه:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)} [البقرة: : 201]، وفي بَقِيَّة طَوَافِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واهدني السَّبِيلَ الأَقْوم، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وأنتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، وَيَدعو بما أَحَبَّ.
وتُسَنُّ القِراءَةُ فيه، وتُكْرَهُ إن غَلَّطَ المُصَلِّين، ويُصلِّي على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَيَدعُ الحديثَ لا الأَمْرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المُنكرِ وما لا بُدَّ منْهُ.
تَنْبِيهٌ: وَمَنْ طَافَ أو سَعَى مَحْمُولًا أو رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لم يُجْزِئْه، ولِعُذْرٍ يُجْزِئُ، ولا يَقَعُ عن حامِلِهِ إلَّا إن نَوَى وَحْدَهُ أو نَوَيا جميعًا عنه. وإن طَافَ مُنكِّسًا؛ بأن جَعَل البَيْتَ عن يَمِينِه، أو طَافَ على جِدَارِ الحَجَرِ أو شاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ وهو القَدْرُ الذي تُرِكَ خَارِجًا عن عَرْضِ الجِدَارِ مُرْتَفِعًا عن الأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ لأَنَّهُ مِنْها، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن الطَّوافِ وإنْ قَلَّ، أو لم يَنْوِ، أو طَافَ خَارِجَ المَسْجِدِ، أو مُحْدِثًا، وَيَلْزَمُ النَّاسَ انتظارُ حائِضٍ لأَجْلِهِ فقط إن أَمْكَنَ أو نَجِسًىا أو شاكًّا في طَهَارَتِهِ وهو فيه لا بعد فراغِهِ، أو عُرْيانًا، أو قَطَعَه بِفَصْلٍ طَوِيلٍ عُرْفًا، ولو سَهْوًا، أو لِعُذْرٍ، أو أحْدَثَ في بَعْضِهِ، لم يُجْزِئْه.
فَتُشْتَرَطُ الموالاةُ فيه، وفي السَّعْيِّ.
وإن طَافَ في المَسْجِدِ من وَرَاءِ حائل أَجْزَأَ، وإن طافَ على سَطْح المَسْجِدِ أو قَصَدَ في طوافِهِ غَريمًا، وَقَصَدَ معه طَوافًا بنيَّةٍ حقيقيَّةٍ لا حُكميَّةٍ توجَّه الإجْزاءُ، قاله في "الفروع"(1).
والنِّيَّةُ الحقيقيةُ أن ينْوِيَ الطِّواف حقيقة، والحُكْمِيَّةُ أن يكونَ نَوى قَبْلَ قَصْدِ الغَرِيمِ، واستَمَرَّ حُكْمُها بَعْدَهُ بأن لم يَقْطَعْهَا، وهو معنى قولهم: استصحابُ حُكْمِ النِّيَّةِ.
وإن شَكَّ في عَدَدِ الأَشْواطِ، أَخَذَ باليقينِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْن.
وإن قَطَعَهُ بِفَصْل يَسِيْرٍ، أو أُقِيمَت صَلاةٌ، أو حضَرَت جَنَازَةٌ، صَلَّى وَبَنَى من الحَجَرِ، ثُمَّ يُصَلِّي ركعتين ولو وقتَ نَهي، والأَفْضَلُ خَلْفَ المَقَام، ويَجُوزُ فِعْلُهُما في غَيْر المَسْجِدِ، وهُما سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، يقْرَأُ في الأُولى بَعْدَ الفَاتِحَةِ (الكافرون)، وفي الثَّانية (الإخلاص).
ولا بَأْسَ بِمرورِ الطَّائِفينَ بين يَدَيهِ، ولا بصلاتِهِمَا إلى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَيَكْفي عَنْهما مَكْتُوبَةٌ وراتِبَةٌ.
وَيُسَنُّ الإكثارُ من الطَّوافِ كُل وَقْتٍ، وله جَمْعُ أسابيعَ، فإذا فَرَغَ منها رَكَع لِكُلِّ أسبوع رَكْعَتين، والأَوْلى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ عَقِبَهُ.
(1)"الفروع" لابن مفلح (3/ 501).