الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ في حُكْمِ المَسْجِدِ
" أَحَبُّ البِلادِ إِلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُها إِليه أَسْوَاقُهَا"(1).
ويُسَنُّ أن يُصَانَ كُلُّ مَسْجِدٍ عن كُلِّ وَسَخٍ، وَقَذَرٍ، وقَذَاةٍ، ومُخَاطٍ، وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ، وَحَلْقِ رَأْسٍ، وَنَتْفِ إِبْطٍ، وعن رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ؛ مِنْ بَصَلٍ وثُومٍ ونحوِهِما، وعن إخْرَاجِ الرِّيح من الدُّبُرِ، وعن بُزَاقٍ ولو في هواهُ، وهو فيه خطيئَةٌ، فإن كانت أَرْضُه حَصْبَاءَ ونحوَها، فَكَفَّارَتُها دَفْنُها وإلَّا مَسَحَها بثَوْبِهِ أو غيرِهِ، ولا يَكْفِي تَغْطِيَتُهَا بِحَصِيرٍ، وإن لم يُزِلْها فَاعِلُهَا، لَزِمَ غيرَه إزَالَتُها ولو عَلَى حَائِطِهِ. ويُسَنُّ تَخْلِيقُ مَوْضِعِهِ؛ فإن بَدَرَه بُصاقٌ أخذَهُ بِثَوْبِهِ.
وَتَحْرُمُ زَخْرَفَتُهُ بِذَهَبٍ أو فِضةٍ، وتَجِبُ إزَالتُه.
وتُكْرَهُ بِنَقْشٍ وصُبْغٍ وكِتَابَةٍ، وغيرِ ذَلِكَ مما يُلْهِي المُصَلِّيَ عن صَلاتِهِ غَالِبًا، وإن كانَ مِن مَالِ الوَقْفِ حَرُمَ، وَوَجَبَ الضَّمَانُ، ويُصَانُ عن تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ أوغيرِه في قِبْلَتِه.
وَيَحْرُمُ فيه البَيْعُ والشِّرَاءُ والإِجَارَةُ، فإن فَعَلَ، فَباطِلٌ.
ويُسَنُّ أنْ يُقَالَ لَه: "لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ"(2).
(1) أخرجه مسلم (1/ 464) من حديث أبي هريرة.
(2)
أخرجه الترمذي (1321)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(176)، والدارمي (1/ 326)، وابن حبان (1650) من حديث أبي هريرة وإسناده صحيح.
ولا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فيه بِصَنْعَةٍ مِنْ خِيَاطَةٍ وغَيْرِهَا، ولو قَليلًا لِحَاجَةٍ، فلا يَجُوزُ أن يُتَّخَذَ المَسْجِدُ مَكَانًا للمَعَاشِ، ولا بَأْسَ باليَسيرِ لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نعلِهِ، ولا بالكِتَابَةِ، لأَنَّهَا نَوْعُ تحصيلِ عِلْمٍ.
وَيُسَنُّ أن يُصَانَ عن صَغيرٍ لا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ ولا فَائِدَةٍ، وعن مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ، وعن لَغَطٍ وخُصُومَةٍ، وكَثْرَةِ حَدِيثٍ لاغٍ، وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ، وعن رَفْعِ الصِّبْيانِ أصْوَاتَهم باللَّعِبِ وغيرِه، وعن مَزامِيرِ الشَّيْطَانِ؛ مِنَ الغِنَاءِ والتَّصْفِيقِ، والضَّرْبِ بِالدُّفِّ، وعن اخْتِلاطِ النِّسَاءِ والرِّجَالِ فيه، وعن إِيذاءِ المُصَلينَ وغيرِهم بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ.
وَيُمْنَعُ السَّكْرانُ من دُخُولهِ، ونَجِسُ البَدَنِ عنِ اللُّبْثِ فيه، ولا بَأْسَ بالمُنَاظَرَةِ في مَسَائِلِ الفِقْهِ فيه، إذا كانَ القَصْدُ طَلَبَ الحَقِّ، فإن كَانَتْ مُغَالَبَةً ومُنَافَرَةً دَخَلَ في الجِدَالِ المَنْهِى عنه، ولم يَجُزْ في المَسْجِدِ ولا غيرِه.
ويُسَنُّ أن يُصَانَ عن المرورِ فيه؛ فَلا يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَّا لِحَاجَةٍ، كَكَوْنِهِ طَريقًا قَريبًا.
ويُسَنُّ صَوْنه عن عَمَلِ سَمَاعٍ، وإنْشَادِ ضَالَّةٍ، وأن يَقولَ لَهُ سَامِعُهُ:"لا وَجَدْتَها، ولا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ"(1)، وعن إِقَامَةِ حدٍّ، وعن سَلِّ سَيْفٍ، ونحوِه.
(1) أخرجه مسلم (1/ 3797) من حديث أبي هريرة.
ويُكْرَهُ فيه الخَوْضُ والفضُولُ، وحَدِيثُ الدُّنيا، والارْتِفَاقُ بِهِ، وإخْراجُ حَصَاهُ وتُرابِه للتَبَرُّكِ بِهِ وَغَيْرِهِ، ولا يَجُوزُ أن يُغْرَسَ فيه شَيءٌ، ويُقْلَعُ مَا غُرِسَ فيه ولو بعد إيقَافِهِ.
وَيَحْرُمُ الجِمَاعُ فيه، والبَوْلُ ولو بإناءٍ، وَفَصَدٌ، وحِجَامَة، وقيءٌ ونحوُهُ، وإن بَالَ خَارِجَهُ وجسدُهُ فيه دُونَ ذَكَرِهِ كُرِهَ.
ويُبَاحُ فيهِ الوُضُوءُ والغُسْلُ بِلا ضَرَرٍ إلَّا أن يحصُلَ مَعَهُ بُصَاقٌ أو مُخَاطٌ.
ويُبَاحُ قَتْلُ القَمْلِ والبراغيثِ فيه إن أَخْرَجَهُ وإلَّا حَرُمَ إلقاؤهُ فيه.
وَيُمْنَعُ الكَافِرُ مِن دُخُولِ الحَرَمَيْنِ وَمَسَاجِدِ الحِلِّ ولو بِإِذْن مُسْلِمٍ. وَيَجُوزُ دخُولُ ذِمِّيٍّ اسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِها.
وإذا دَخَلَهُ وَقْتَ السَّحَرِ فلا يَتَقَدَّمُ إلى صَدْرِهِ؛ لأَن المَلائِكَةَ تكونُ قَبْلَ الصُّبْحِ في الصَّفَ الأَوَّلِ.
وَيُكْرَهُ السُّوَالُ والتَّصَدُّقُ على السَّائِلِ فيهِ لا عَلَى غَيْرِه، وَيَضَعُ نعلَيهِ بِلُطْفٍ، ولا يَرْمِ بهِمَا على وَجْهِ الكِبْرِ والتَّعَاظُمِ، ويَحْرُمُ أن يؤذِيَ بِهِمَا أَحَدًا، وإن كان ذَلِكَ سَبَبًا لإِتلاف شيءٍ ضَمِنَهُ.
ويُسَنُّ كَنْسُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، وإخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ، وَتَنْظِيفُه وتَطْيِيبُه فِيهِ، وتبخيرُهُ في الجُمَعِ، وَشَعْلُ القَنَادِيلِ فيه كُلَّ لَيْلَةٍ بِقَدْرِ الحَاجَةِ، ويُكْرَهُ بِأَكْثَرَ.
وَيَشْتَغِلُ في المَسْجِدِ بالصَّلاةِ والقِرَاءَةِ والذِّكْرِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ويُكْرَهُ أن يُسْنِدَ ظهرَهُ إِليها، وأن يُشَبِّكَ أصابِعَه فيه، أو يُفَرْقِعَهَا.
ويُبَاحُ اتِّخَاذُ المِحْرَابِ فيه، وفي المَنْزِل.
ويُضْمَنُ المَسْجِدُ بالإِتْلافِ وبالغَصْبِ.
وَيَحْرُمُ أن يُبْنَى مَسْجِدٌ إلى جَنْبِ مَسْجِدٍ إلَّا لِحَاجَةٍ كضيقِ الأَوَّلِ ونحوِهِ.
ويُكْرَهُ تَطْيينُهُ وبناؤه بِنَجِسٍ. وإذا لم يَبْقَ من أهلِ الذِّمَّةِ في القَرْيَةِ جَازَ أن تُتَّخَذَ الكنيسَةُ مَسْجِدًا.
ويُكْرَهُ لِغَيْرِ الإِمَامِ مُداوَمَةُ مَوضِعٍ منه لا يُصَلِّي إلَّا فيه، فإن دَاوَمَ، فَلَيْسَ هو أَوْلى من غيرِه بِهِ، فإذا قامَ منه فلغيرِهِ الجلوسُ فيه.
ولَيْسَ لأَحَدٍ أن يُقِيمَ مِنْهُ إنْسَانًا ويَجْلِسَ أو يُجْلِسَ غيرَهُ مكَانَهُ، إلَّا الصَّبِيَّ ونحوَهُ، فَيُؤَخَّرُ عن المكانِ الفَاضِلِ.
وإذا سَرَّحَ شَعْرَهُ فيه وجَمَعَهُ فلم يَتْرُكْ منه شيئًا فلا بَأْسَ وإلَّا كُرِهَ، والله أعلم.
* * *