الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا} [سبأ: 34]، وفي السُّنةِ كقولهِ صلى الله عليه وسلم:"لا يبقى أحدٌ منكم إلَّا لُد غير العباسِ"(1) وقوله: "ما من شيءٍ أُريتُه إلَّا رأيتُه في منامي"(2).
لكن مثلُ ذلك مؤولٌ بما يرجعُ إلى أنَّ المستثنى اسمٌ، وتأويلُه في (إلَّا أجرتَ) إلَّا نفقة أُجرتَ عليها. (حتَّى ما تجعل) أي: الذي تجعلُه، وحتَّى عاطفه لاجارة، وما بعدُها منصوبُ المحل.
(في في امرأتِك) أي: في فمِها، وفي نسخةٍ:"في فمِ امرأتِك" بالميم، وهي لغة قليلة، والمعنى: حتَّى الذي تجعلُه في فمِ امرأتك فتُؤجرُ عليها، وفيه كما قالَ النوويُّ: إنَّ ما أُريد به وجه الله تعالى يثبت فيه الأجرُ، وإنْ حصل لفاعلِه في ضمِنه حظُّ نفس من لذَّةٍ، أو غيرها، كوضعِ اللقمة في فمِ الزوجةِ، وهو غالبًا لحظِ النفسِ والشهوةِ، فإذا كان هذا فيه الأجرُ، فالأجرُ فيما يرادُ به وجهُ الله فقط أولى (3).
42 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ
"
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91]
(1) سيأتي برقم (4458) كتاب: المغازي، باب: مرض النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ووفاته، و (6886) كتاب: الديات، باب: القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات، و (5712) كتاب: الطب، باب: اللدود، (6897) كتاب: الديات، باب: إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم، وأخرجه مسلم برقم (2213) كتاب: السلام، باب: كراهية التداوي باللدود.
(2)
سيأتي برقم (86) كتاب: العلم، باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس.
(3)
"صحيح مسلم بشرح النووي" 11/ 77 - 78.
57 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
[58، 524، 1401، 2157، 2714، 2715، 7204 - مسلم: 56 - فتح: 1/ 137]
(باب: قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) كلامٌ إضافي مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ. (الدينُ النصيحةُ) جملةٌ محلُّها النصبِ بقولِ النَّبيِّ، والنصيحةُ: كلمة جامعة، معناها: حيازةُ الحظِّ للمنصوحِ له، ومعنى الحديثِ: قوامُ الدين ومعظمُه النصيحةُ، كالحجِّ عرفة متعلقٌ بالنصيحة، والنصيحةُ له بأن يؤمنَ به، ويصفَه بما هو أهلُه، ويخضعَ له ظاهرًا وباطنًا، ويجاهد في ردّ العاصين، وحقيقةُ ذلك ترجعُ إلى نصحِ العبدِ بذلك نفسهِ فإنَ الله غنيٌّ عن نصحهِ، وعن العالمين.
(ولرسوله) بأن تصدق برسالته، وتؤمن بجميع ما أتى به، ويعظمه، وينصره حيًّا وميِّتًا، ويحيى سنته بتعلمها وتعليمها، ويتخلق بأخلاقه، ويتأدَّب بآدابه، ويحب أهل بيته وأصحابه، وأتباعه وأحبابه.
(ولأئمة المسلمين) بإعانتهم على الحق وطاعتِهم فيه، وتنبيهِهم عند الغفلةِ برفقٍ، وسدِّ خلَّتهم، وردِّ القلوب النافرة إليهم. (وعامتهم) بالشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك.
وهذا الحديث: علقه ولم يسنده؛ لكونه ليس على شرطه؛ لأنَّ راويه في أشهر الطرق عن تميم الدَّارميِّ سُهيل بن صالح، وليس من شرطه. (وقوله) عطف على قول النَّبيِّ. (تعالى) في نسخةٍ:"عز وجل" وسقط كل منهما من نسخة.
(قيس بن أبي حازم) بحاء مهملة وزاي معجمة البجليُّ (بايعت)
أي: عاقدت. (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة). اكتفى هنا من الأركان بذكر هذين لأنَّ العبادة بدنية، أو مالية. (والنصح) بالجرِّ عطف على إقام الصلاة.
وفي الحديث: تسمية النصح دينًا وإسلامًا؛ لأنَّ الدين يقع على العمل، كما يقع على القول وهو فرض كفاية على قدر الطاقة، فعلى من علم بالمبيع مثلًا عيبًا أن يبينه بائعًا كان، أو أجنبيًّا.
58 -
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.
[انظر: 57 - مسلم: 56 - فتح: 1/ 139]
(أبو النَّعمان) اسمه: محمد بن الفضل الدوسيُّ. (عن زياد بن عِلاقة) بكسر العين المهملة أي: ابن مالك الثعلبيِّ بمثلثة ومهملة. (سمعت جرير بن عبد الله يقول) تقدم الكلام على إعرابه أوَّل الكتاب.
(قام) ليسَ هو في حيِّز سمعتُ، وإنما التقديرُ: سمحتُ جريرًا حمد الله فحذف ثم فسر بقوله: (قام
…
إلخ) فقام استئناف بيانيٌّ لا محلَّ له. (فحمد الله وأثنى عليه) أي: وصفه بالتحلِّي بصفات الكمال، والتنزه عن النقائص، فالأول؛ إشارة إلى الصفات الوجودية، والثاني: إلى الصفات العدمية.
(عليكم) اسم فعل بمعنى: الزموا. (وحده) حال بتأويله بنكرة
أي: واحدًا، أو مصدر وحد يحد، كوجد يجدُ. (والوقار) بفتح الواو أي: الحلم والرزانة. (والسكينة) أي: السكون، أشار بالوقار: إلى مصالح الدين، وبالسكينة: إلى مصالح الدنيا، بعد الأمر باتقاءِ الله وحده. (حتَّى يأتيكم أميرٌ) أي: بدل هذا الذي مات، وحتَّى: غاية للأمرِ بالاتقاءِ وتالييه، ومفهوم الغاية: من أن المأمور به ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا، بل يلزم عند مجيئه بطريق الأول، إذ شرط اعتبار مفهوم المخالفة، أن لا يعارضه مفهوم الموافقة.
(فإنما يأتيكم الآن) أراد بالآن، كما قال شيخنا: تقريب المدة؛ تسهيلًا عليهم؛ لأنَّ معاوية لما بلغه موت المغيرة، كتب إلى نائبه على البصرة وهو زياد أن يسير إلى الكوفة، أميرًا عليها (1). ويحتمل أن يراد بالآن: حقيقته، فيكون ذلك الأمير جريرًا نفسه لما روي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته (2).
(استعفوا) أي: اطلبوا العفو وفي نسخة: "استغفروا". (لأميركم) أي: المتوفى. (فإنّه كان يحبُّ العفو) أي: عن ذنوب النَّاس. (ثم قال) أي: جرير.
(أما بعد) تقدم الكلام عليه. (قلت أبايعك) لم يأت بأداة العطف؛ لأنَّه بدل من أتيتُ، أو استئناف، وفي نسخةٍ:"فقلت".
(فشرطَ عليَّ) بتشديد الياء؛ أي: الإسلام الذي بايعته عليه، فالفاء تفسيرية. (والنصح) بالجرِّ عطف على الإسلام في قوله: أبايعك على الإسلام، ومثله يسمَّى: بالعطف التلقيني أي: لقَّنَه أن يقول
(1) انظر: "الفتح" 1/ 139.
(2)
انظر "الاستيعاب" 4/ 8 - 9.
والنصح، وبالنصبُ عطف على مقدر أي: فشرط الإسلام والنصح. (على هذا) أي: ما ذكر من الإسلام والنصح.
(هذا المسجد) أي: مسجد الكوفة، أو المسجد الحرام. (إنِّي لناصح لكم) جواب القسم، وفيه: إشارة إلى أنه وفَّى بما بايع به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ كلامه عارِ من الأغراض الفاسدة. (ونزل) أي: عن المنبر، أو عن القيام إلى القعود.
وفي الحديث: استحباب البيعة وكمال شفقته صلى الله عليه وسلم إلى أمته.