الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحدها: أنه كان يثقُل عليه إذا أوحي إليه، وهذا قول عائشة قالت:(ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه (يعني يتخلص عنه)، وإِن جبينه ليتفصّد عرقًا.
والثاني: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه، قاله الحسن، وقتادة.
والثالث: أنه يثقل في الميزان يوم القيامة، قاله ابن زيد.
والرابع: أنه المهيب، كما يقال للرجل العاقل: هو رزين راجح، قاله عبد العزيز بن يحيى.
والخامس: أنه ليس بالخفيف ولا السفساف؛ لأنه كلام الرب عز وجل، قاله الفراء.
والسادس: أنه قول له وزن في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصين، وهذا قول وزن: إذا استجدته، ذكره الزجاج. (1)
قال الآلوسي: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ} أي سنوحي إليك، وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى:{قَوْلًا ثَقِيلًا} وهو القرآن العظيم؛ فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين، سيما على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه صلى الله عليه وسلم مأمور بتحملها وتحميلها للأمة، وهذه الجملة المؤكدة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي لتسهيل ما كلفه صلى الله عليه وسلم من القيام كأنه قيل: إنه سيرد عليك في الوحي المنزل تكاليف شاقة، هذا بالنسبة إليها سهل، فلا تبال بهذه المشقة، وتمرن بها لما بعدها.
الوجه السادس: نفي الله عز وجل عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذه الأمراض
.
أما عن قولهم: إن هذه الأعراض التي كانت تصيب النبي صلى الله عليه وسلم فيها دلالة على أنه كان يصاب بالصرع، فقد نفى رب العالمين ذلك كله عن نبيه لما ادعى أعداؤه مثل ذلك، قال تعالى:{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)} [الأعراف: 184].
قال الرازي: واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبون إليه الجنون لوجهين:
الأول: أن فعله صلى الله عليه وسلم كان مخالفًا لفعلهم؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان معرضًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة، مشتغلًا بالدعوة إلى الله، فكان العمل مخالفًا لطريقتهم، فاعتقدوا فيه أنه مجنون. (2)
(1) زاد المسير لابن الجوزي 8/ 389 - 390.
(2)
تفسير الرازي (15/ 75).
قال السعدي: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ} محمد صلى الله عليه وسلم {مِنْ جِنَّةٍ} أي: أَوَلَمْ يُعْمِلُوا أفكارهم، وينظروا: هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفي عليهم من حاله شيء، هل هو مجنون؟ فلينظروا في أخلاقه وهديه، ودلِّه وصفاته، وينظروا في ما دعا إليه، فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر. (1)
ولهذا قال: {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي: يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحصل لهم الثواب.
لقد كان صلى الله عليه وسلم أكمل الرجال عقلًا، وأشدهم فطنة، وأصوبهم قولًا، وأحكمهم فعلًا. وقد تحدى الله المشركين الذين عرفوه وعايشوه وخبروا حاله أن يثبتوا عليه جنونًا أو اختلال عقل، وذلك في قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)} [سبأ: 46] ففي قوله: {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} أي جنون، مستأنف منبه لهم على أن ما عرفوه من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه؛ والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم بـ (صاحبهم) للإيماء، أن حاله معروف مشهور بينهم؛ لأنه نشأ بين أظهرهم معروفًا بقوة العقل، ورزانة الحلم، وسداد القول والفعل صلى الله عليه وسلم. (2)
فالآية الكريمة تقول لهم: ها هو ذا تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم وأحاديثه، وسننه، وآدابه، وأخلاقه، وشريعته، تحت أنظاركم فانظروا وتفكروا من غير هوى ولا عصبية في جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه - ولن تستطيعوا - ما يقيم عوج دعواكم، وإفك أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم معصوم بعصمة الله عز وجل الذي أرسله ليقوض بنيان الكفر والنفاق. (3)
(1) تفسير السعدي (683).
(2)
محاسن التأويل للقاسمي 14/ 34.
(3)
الرد على شبهات عصمة النبي (شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية 1/ 436).