الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وثَّمَّ شبهة تقول بأن الإسلام لم يأخذ عقيدته من الكنيسة الكاثوليكية ولا الأرثوذوكسية ولكنه أخذها من الأبيونية وممن كان يُنادي من النصارى بأن المسيح هو نبي وليس إله، وأن القرآن انتقد الطوائف الأخرى إلا هذه الطائفة التي أخذ منها عقيدته:
وهذا تم الرد عليه بالتفصيل في شبهة أن ورقة بن نوفل كان أبيونيًا، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم أخذ منه هذه العقيدة، وبيَّنا أن هناك اختلافات كبيرة بين الأبيونية ومن كان يُنادي من النصارى بأن المسيح هو نبي وليس إله من جهة وبين الإسلام من جهة أخرى. (1)
الوجه التاسع: دلائل تهافت الدعوى بأن القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل
. (2)
لن يجدي في رد هذه الشبهة سوى منهج نقد النصوص المقارن لإبراز جوانب التباين بين مرويات القصص القرآني ومنهجها، وبين القصص التوارتي والإنجيل.
وبواسطة هذا المنهج أمكن الوقوف على أربعة دلائل تتهافت معها دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، وهى:
الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل.
يختلف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل من عدة جوانب منها:
1 -
مصدر القصص، حيث إن الذي يقصُّ في القرآن هو الله تبارك وتعالى، فهو المتكلم بالكلمة القرآنية، يقول تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3].
ويقول تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13].
أما في التوراة والإنجيل فالله تعالى متحدَّث عنه بطريق الحكاية لتعريف الناس به. (3)
(1) انظر شبهة ادعاؤهم اقتباس محمد صلى الله عليه وسلم الوحي من ورقة بن نوفل.
(2)
هذا الوجه وما يليه من ثلاثة وجوه نقلا بتصرف يسير من كتاب الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم للدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن ص - 74 - 91.
(3)
سيكولوجية القصة في القرآن للتهامي النقرة، ، ص - 80.
2 -
الخيال القصصي، بينما يقوم الخيال القصصي في التوراة والإنجيل بأكبر الأدوار في صياغة وتأليف قصصهما، وهو ما كشفت عنه دراسات حديثة تعد مرجعيات في هذا الباب، مثل دراسة: جيمس فريزر عن الفلكلور في العهد القديم. (1)
ودراسة: "زينون كاسيدوفسكي" عن الحقيقة والأسطورة في التوراة والتي لخّص فيها مكانة الخيال والخرافة في القصص التوراتي، بقوله:"تناقل اليهود تراثهم الديني من جيل إلى جيل، وساهم الطابع الفلكلوري لنقل الروايات الحقيقية بتطعيمها بكثرة من الخرافات والأساطير والأمثال والأقصوصات، جعلت من الصعب الآن التمييز بين الواقع والخرافة فيها". (2)
أما القرآن الكريم فلا يعرف الخيال القصصي طريقًا إلى مادة مروياته، حيث يلجأ القرآن في قصصه إلى الاحتكام لمعياره النقدي في الأخبار:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6].
فهو يطالب قارئ قصصه بتلمس دلائل واقعيتها وصدقها التاريخي في آثارها الماثلة للعيان: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)} [آل عمران: 137]. وقد وقف الأثريون على آثار القصص القرآني الشاهدة على الصدق التاريخي، مثل آثار سيل العرم الذي هدّم سد مأرب باليمن، فلا زالت آثار الجنتين الواقعتين عن يمين السد وشماله ماثلة حتى اليوم تؤكد صحة قصة سبأ:{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} [سبأ: 15].
وكذلك اكتشف علماء الآثار النقوش الثمودية في أرض تبوك ومدائن صالح وتيماء ولا زالت مزارًا سياحيًّا حتى اليوم. (3)
(1) الفلكلور في العهد القديم لجيمس فريزر، بترجمة نبيلة إبراهيم.
(2)
الحقيقة والأسطورة في التوراة لزينون كاسيدوفسكي، ص 52.
(3)
مصادر التاريخ صـ 16، لسيدة إسماعيل كاشف.
ولذلك يصف القرآن قصصه بأنه: {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3]، لما توافر له من علم ومعاينة:{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)} [الأعراف: 7]، وما اتسم به من حقيقة وصدق:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62].
3 -
التشخيص البياني، وهو التعبير بالصورة المحسوسة المتخيلة عن المعاني الذهنية والحالات الشعورية والمشاهدات والأحداث الحقيقية، وهذا النهج التشخيصي هو الأداة المفضلة في القصص القرآني.
4 -
التصريح والتلميح، في الوقت الذي يهتم القرآن بإبراز أدق التفاصيل النفسية والشعورية لأشخاص قصصه، فإنه يكتفي بذلك التشخيص معرضًا عن التصريح بالأسماء كما في قصة (العبد الصالح)، (الفتى) مع موسى، وكما في قصة ثمود {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12)} [الشمس: 12]، وكما في مؤمن آل فرعون.
وقد يكون هذا التلميح إلى جانب ملاءمته للمنهج القصصي الذي يهتم بإبراز الحدث وقيمته ومغزاه لكونه الهدف من القصّ، فإنه يناسب طبيعة التشريع الإسلامي فيما يخصُّ أسماء النساء مثلا: امرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة فرعون، وكذلك زوجة إبراهيم هاجر وسارة، وأسماء زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، والمجادِلة في زوجها (1).
5 -
التجريد الزماني والمكاني، حيث لا يحدد القرآن زمن الحدث أو مدته أو مكانه إلا ما كان محوريًّا في الحدث أو مسرحًا له كمصر في قصة يوسف، أو المسجد الحرام والمسجد الأقصى في الإسراء والمعراج، أو مدة رسالة نوح، أو مدة لبث أهل الكهف في نومهم، أو المدة التي أماتها الله للمارّ على القرية الخاوية (2).
وترجع أسباب التجريد في الزمان والمكان في قصص القرآن إلى أمرين:
(1) القرآن ونظرية الفن حسين علي محمد، ص 112.
(2)
سيكلوجية القصة في القرآن، ص - 97 التهامي نقرة، القرآن ونظرية الفن، حسين علي محمد، صـ 113.
أولهما: عناية القصة بالحدث وتقرير الحقائق الدائمة المستقلة عن الأشخاص، والتي يمكن الإفادة من حكمتها ومغزاها في كل زمان ومكان بما يتلاءم مع عالمية رسالة القرآن واستمرارها، فما الأشخاص في القصص القرآني والحال كذلك إلا أمثلة لتلك الحقائق المقصودة لذاتها. (1)
الثاني: تحقيق الإيجاز غير المُخِلّ. (2)
6 -
التنويع بين الإجمال والتفصيل، ففي مواضع: التحذير من العناد والتكذيب والإصرار على الباطل، والتخويف من مصائر المكذبين، يكون الإيجاز والفواصل القصيرة دون ذكر للأسماء أو للمحاورات (3).
فيورد القرآن - مثلًا - في تسع آيات من سورة الفجر ثلاث قصص لمكذبي الرسل تشمل أعمالهم وعقابهم. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)} [الفجر: 6 - 14]. وهذا ما لا نظير له في التوراة أو الإنجيل.
7 -
عاقبة القصص، يأتي ختام القصة في القرآن بعكس ختام قصص التوراة والإنجيل حيث تختم القصة مع نهاية السفر أو الإصحاح، ففي قصة يوسف مثلًا يفترض أن تكون الخاتمة في لقاء يوسف بأبيه يعقوب الذي صوَّرته التوراة على النحو التالي: فَشَدَّ يُوسُفُ مَرْكَبَتَهُ وَصَعِدَ لاسْتِقْبَالِ إِسْرَائِيلَ أَبِيهِ إِلَى جَاسَانَ. وَلمَّا ظَهَرَ لَهُ وَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَبَكَى عَلَى عُنُقِهِ زَمَانًا. 30 فَقَالَ إِسْرَائِيلُ لِيُوسُفَ: "أَمُوتُ الآنَ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ وَجْهَكَ أَنَّكَ حَيٌّ بَعْدُ"(سفر التكوين 46: 29 - 30).
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب (2/ 217).
(2)
أدب القصة في القرآن الكريم، لعبد الجواد المحص، ص 255.
(3)
سيكلوجية القصة في القرآن للتهامي نقرة ص 91.