الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وممن شهد للنبي صلى الله عليه وسلم بذلك ضماد الأزدي كما في صحيح مسلم عن ابن عباس: (أَنَّ ضمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال لو أنى رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن الله يشفى على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أما بعد". قال: فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال: فقال لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر. قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام. قال: فبايعه. (1)
يقول الأستاذ محمود محمد شاكر: كلمات قلائل تذوقها ضماد رضي الله عنه، ولم يصبر حتى يتلى عليه بعض ما نزل من القرآن يومئذ بمكة وقطع الحديث ليستعيد ما سمع، ونحن اليوم نسمعها من كل منبر في كل يوم جمعة ونحن في غفلة عن تذوقها تذوق ضماد. كانت هذه الكلمات التي سمعها ضماد يومئذ هي وحدها دليله على نبوة صديقه الذي كان يعرفه ويعرف كلامه بالأمس في الجاهلية؛ لأنه وصل بتذوقها إلي صميم الفرق بين كلام صاحبه بالأمس وكلامه في هذا اليوم، وأسرعت به إلى البيعة على الإسلام قبل أن يسمع كلام الله! فأي دقة في التذوق! ! وأي رجال كان هؤلاء الذين فوض إليهم التفريق بين كلام رب العالمين وكلام عبيده من البشر؟ ! . (2)
الوجه الرابع: اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم شعراء يردون على أعدائه دليل أنه لم يكن شاعرًا
.
وقد كان المقتضى أن يقوم هو بالرد على الأعداء؛ فيكون ذلك أبلغ في النكاية بالقوم، وحتى لا يقولوا عجز عن الرد، فاستعان بهؤلاء النفر من أصحابه، ولكن كما سبق ما له وللشعر صلى الله عليه وسلم وكان على الشعر العبء الأكبر في تأجيج نار الخصومة والمجاهرة بها، فقام الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الدور.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (2045)، وأحمد 1/ 302.
(2)
قضية الشعر الجاهلي صـ 62، 61.
قال الماوردي: وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم شعراء، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وكانوا ينشدون الشعر تارة ابتداء ويأمرهم به أخرى ليردوا على من هجاه (1).
فهم وأمثالهم من الذين استثناهم الله تعالى من الشعراء بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
وهم الشعراء الذين أغلب أحوالهم تحري الحق والصدق ممن دافعوا عن الرسالة والرسول ونافحوا عن الإسلام، ودافعوا عن القيم الفاضلة، فدخلوا في حزب المؤمنين، فعملوا بأعمالهم الصالحة وذكرُوا الله كَثِيرًا في أشعارهم {وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} أراد بذلك الانتصار لله، ولرسوله، ولدين الله، وللمؤمنين. فذلك عمل صالح، وعُدَّةٌ من عُدَدِ الحرب، وقوام الدين.
كما كان يقع من شعراء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم.
قال ابن سيرين: كان كعب بن مالك يخوفهم الحرب، وكان حسان يقبل على الأنساب، وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر (2).
أما حسان فهو: ابن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش مائة وعشرين سنة: ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام.
روى البخاري: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة أنشدك الله هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا حسان أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أيده بروح القدس؟ قال أبو هريرة: نعم (3).
وقال صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت "اهجهم يعني قريشًا فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس، والق أبا بكر يعلمك تلك الهنات.
(1) الحاوي في فقه الشافعي 17/ 204.
(2)
أسد الغابة في ترجمة: كعب بن مالك.
(3)
رواه البخاري (442)، ومسلم (2485).
وعَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِحسَّانَ: اهْجُهُمْ، أَوْ قَالَ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ (1).
وروى البخاري ومسلم: عن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "اهْجُوا قُرَيْشًا فإنه أَشَدُّ عليها من رَشْقٍ بِالنَّبْلِ، فَأَرْسَلَ إلى بن رَوَاحَةَ فقال: اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ فلم يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إلى كَعْبِ بن مَالِكٍ ثُمَّ أَرْسَلَ إلى حَسَّانَ بن ثَابِتٍ فلما دخل عليه قال حَسَّانُ: قد آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إلى هذا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ ادلع لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ فقال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لَا تَعْجَلْ؛ فإن أَبَا بَكْرٍ أعلم قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وإن لي فِيهِمْ نَسَبًا حتى يُلَخِّصَ لك نَسَبِي، فأتاه حَسَّانُ ثُمَّ رَجَعَ فقال: يا رَسُولَ الله قد لَخَّصَ لي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ من الْعَجِينِ. قالت عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول لِحَسَّانَ إن رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ ما نَافَحْتَ عن الله وَرَسُولِهِ. وَقَالَتْ سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى"، قال حَسَّانُ:
هجوتَ محمدًا، فأجبتُ عنهُ
…
وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ
…
فَشَرُّكُما لَخَيْرِكُمَا الفِداءُ
هجوتَ مباركًا، برًا، حنيفًا
…
أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ
…
ويمدحهُ، وينصرهُ سواءُ
فَإنّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي
…
لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ
لساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ،
…
وَبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدّلاءُ (2)
قال ابن حجر: قال أبو عبيدة: فُضِّلَ حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي صلى الله عليه وسلم في أيام النبوة وشاعر اليمن كلها في الإسلام (3).
أما ابن رواحة فهو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري
(1) صحيح البخاري (5687).
(2)
رواه البخاري (5684)، ومسلم (2490) واللفظ لمسلم.
(3)
الإصابة في أخبار الصحابة 2/ 63.
الخزرجي يكنى أبا محمد، وهو أحد النقباء، شهد العقبةَ وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وعمرة القضاء، والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعدها؛ لأنه قتل يوم مؤتة شهيدا، وهو أحد الأمراء في غزاة مؤتة، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ يَعْنِي بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ قَالَ:
وَفِينَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ
…
إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ
…
مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ
…
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ. (1)
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعًا لقول أصحابه، فإنهم يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:
اللهمَّ لوْلا أنت مَا اهْتَدَيْنَا
…
وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
فَأَنزلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
…
وَثَبِّت الأقْدَامَ إنْ لاقَيْنَا
إنّ الألى قَدْ بَغَوا عَليْنَا
…
إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا. (2)
ويرفع صوته بقوله: "أبينا" ويمدها.
أما كعب فهو: كعب بن مالك ابن أبي كعب، واسم أبي كعب: عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب ابن سلمة الأنصاري، الخزرجي العقبي الأحدي. أحد شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يردون الأذى عنه، وكان مجودًا مطبوعًا قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر، وعرف به ثم أسلم وشهد العقبة ولم يشهد بدرًا وشهد أحدًا والمشاهد كلها حاشا تبوك، فإنه تخلَّف عنها. وقد قيل: إنه شهد بدرًا فالله تعالى أعلم. وهو أحد الثلاثة الأنصار الذين قال الله فيهم: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ} [التوبة: 118]. (3)
(1) صحيح البخاري (5685).
(2)
صحيح البخاري (2870) وصحيح مسلم (4771).
(3)
انظر الاستيعاب 1/ 411.
عن ابن المنكدر، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك: "ما نسي ربك لك - وما كان ربك نسيًا - بيتًا قلته". قال: ما هو؟ قال: "أنشده يا أبا بكر"، فقال:
زعمت سُخينة أنْ ستغلب ربها
…
وليُغلَبَنَّ مغالب الغلاب (1)
وله أشعار حسان جدًا في المغازي وغيرها.
قال ابن سيرين: فبلغني أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك:
قضينا من تهامة كل وتر
…
وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت
…
قواطعهن: دوسا أو ثقيفا
فقالت دوس: انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف (2).
ومن شعراء النبي صلى الله عليه وسلم: كعب بن زهير، والأعشى أعشى بني مازن اسمه عبد الله بن الأعور ويقال عبد الله بن عمرو من بني تميم، وغيرهم الكثير وما ذُكر إشارة على اتخاذه صلى الله عليه وسلم للشعراء.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يستعين بهم، ويوظفهم في مقاومته أهلَ مكَّةَ وشعرائها، الذين هجوه وآذوا دعوته وصدوا عنها فهو صلى الله عليه وسلم استخدم أسلحة قريش في الرد عليهم، حيث استعمل الأنساب والأيام والمثالب، والشعر الذي دار في الهجاء بين شعراء المسلمين والمشركين يمثل الصورة.
يقول الشيخ عبد الحي الكتاني: قال الشهاب البربير في كتاب الشرح الجلي: الصحابة كانوا معدن الشعر ومنبعه منهم: النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، والزبرقان، والعباس بن مرداس، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، وضرار بن الخطاب، والعباس عمه صلى الله عليه وسلم، وابنه عبد الله بن عباس، ولبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم.
قلت: الشعراء من الصحابة الذين مدحوه صلى الله عليه وسلم بين رجال ونساء جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسي المعروف بابن سيد الناس المتوفى عام 734 في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلد سماه: "منح المدح أو فتح المدح" ورتبهم على حروف المعجم قارب بهم المائتين (3).
(1) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 50/ 190، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1970).
(2)
أسد الغابة في ترجمة: كعب بن مالك.
(3)
نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدراية 1/ 211.