الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يسمع بصوت أقدام تتسلق الجبل؛ لتُعَرِّفه بأن أحدًا ما يريد الصعود للغار، ثم إن جبريل أمره بالقراءة وضمه، وكل ذلك أمورٌ عجيبة تستحق أن يفزع منها محمد ويخاف على نفسه.
شبهة: خطبة ورقة بن نوفل أثناء زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة
.
الشبهة تتعلق بقولهم: (وخطب القس ورقة ولي أمر خديجة وقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضّلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يردُّ أحدٌ من الناس فخركم ولا شرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا يا معشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله).
كما تكلم عمُّها عمرو بن أسد فقال: (اشهدوا عليّ يا معاشر قريش أنّي قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد وشهد على ذلك صناديد قريش).
إذن القس ورقة لم يكن فقط حاضرًا حفلة الزواج ومتقدمًا على الحاضرين؛ بل كان محتفلًا بالعقد ومكللًا، فهو الذي أبرم العقد وشهد عليه وأعلن على الحضور ما جرى؛ فهو المحتفل الأول بالعقد أو قل هو الكاهن الذي ربط باسم الله ما لا يحل إنسان بحسب تعاليم الأبيونيين؛ كاهن نصراني يبارك الزواج فعلى أي دين يكون الزوجان إذن؟ ودليل واضح على تخطيط ورقة لإنجاح مهمة محمد فيما بعد، فالقس دبَّر، والزوجة نفذت، والعم عضد، والنبي استسلم لإرادة الله؛ على هؤلاء قامت الدعوة الجديدة.
الردود على الشبهة من عدة وجوه:
1 -
الروايات الموثقة في الكتب المعتمدة لم تتعرض لمسألة خُطبة ورقة بن نوفل، ولا توكيله في عقد زواج النبي مع خديجة إلا ما في السيرة الحلبية (1)، ولكن نقول إذا تفرد
(1) السيرة الحلبية: يعتمد مؤلفها وهو علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي على كتاب عيون الأثر لابن سيد الناس واختصر منه الأسانيد، ومن سيرة الشمس للشامي، وحلَّى كتابه بتوزيع همزية البوصيري بحسب أحداث السيرة، كما يذكر شيئًا من أبيات تائية السبكي، وأبيات ابن سيد الناس في ديوان: بشرى اللبيب بذكرى الحبيب، وكثيرًا ما ينسب النقول إلى قائليها وكتبهم، والأحاديث إلى مخرجيها وأحيانًا يحكم عليها، وقد أطال في آخر =
كتاب من كتب السيرة برواية ليس لها إسناد صحيح، وكانت هذه الرواية غير مشهورة في كتب السيرة، فهذا دليل على عدم قبول هذه الرواية، فنقول: إن خطبة ورقة بن نوفل المشار إليها غير مقبولة من ناحية التحقيق العلمي.
2 -
وحتى لو اعتمدنا على روايات السيرة الحلبية فسنجد أنها لا تدعم فكرة صاحب الشبهة بكون مخطَّطٍ دُبِّرَ لجعل محمد نبيًا، خصوصًا أن كتاب عيون الأثر لم يذكر تلك الخطبة (1).
3 -
جاء في السيرة الحلبية: "أن خديجة - رضي الله تعالى عنها - قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى عمك فقل له تعجل إلينا بالغداة، فلما جاءها معه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له: يا أبا طالب تدخل على عمي فكلمه يزوجني من ابن أخيك محمد بن عبد الله، فقال أبو طالب: يا خديجة، لا تستهزئي، فقالت: هذا صنع الله، فقام فذهب وجاء مع عشرة من قومه إلى عمها، وخطب أبو طالب يومئذ فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد - أي: معدنه -، وعنصر مضر - أي: أصله -، وجعلنا حَضَنة بيته - أي: المتكفلين بشأنه -، وسُوَّاس حرمه - أي: القائمين بخدمته -، وجعله لنا بيتا محجوجًا وحرمًا آمنا، وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفًا ونبلًا وفضلًا وعقلًا، وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل وعارية مسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثنتي عشرة أوقية ونشًا - وهو عشرون درهمًا والأوقية أربعون درهمًا -، وعند ذلك قال عمها عمرو بن أسد: هو الفحل لا يقدع كلاهما، وأنكحها منه. وقيل: قائل ذلك ورقة بن نوفل؛ أي: فإنه بعد أن
= الكتاب الكلام على سرايا النبي وشمائله وخصائصه وصفاته. . . إلا أن الحلبي تصرف في روايات وزاد في كتابه من الحشو المذموم؛ حيث تم إدخال روايات أخرى ليس لها أصل في الكتب المعتمدة في سيرته.
وللشيخ أكرم ضياء العمري مقالة وجيزة عن الكتاب نصها:
. . . ومنها (السيرة الحلبية) لبرهان الدين الحلبي ت 841 هـ، فيه حشو وقصص إسرائيلية (أحال الدكتور العمري هنا إلى كتاب: تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي)، وقد حذف الحلبي أسانيد الروايات، واكتفي بذكر راوي الخبر، وشرح بعض الغريب، وإضافة تعليقات أخرى.
(1)
عيون الأثر لابن سيد الناس 1/ 69؛ ذكر سفره عليه السلام إلى الشام مرة ثانية وتزويجه خديجة.
خطب أبو طالب بما تقدم خطب ورقة فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا ينكر العرب فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا عليَّ معاشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله وذكر المهر، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا عليَّ معاشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وأولم عليها صلى الله عليه وسلم ونحر جزورًا (1).
4 -
ادعاء أن ورقة هو ولي أمر خديجة، وهذا ما تنفيه كل كتب السيرة، كيف يكون ورقة ولي أمرها وعمها موجود؟
قال ابن سيد الناس: وذكر ابن إسحاق أن أباها خويلد بن أسد هو الذي أنكحها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك وجدته عن الزهري وفيه: وكان خويلد أبوها سكران من الخمر، فلما كلم في ذلك أنكحها فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق، فلما صحا من سكره قال: ما هذه الحلة والطيب فقيل له: أنكحت محمدًا خديجة وقد ابتنى بها فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه.
وقال محمد بن عمر: الثبت عندنا المحفوظ من أهل العلم أن أباها خويلد بن أسد مات قبل الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورأيت ذلك عن غير الواقدي، وقد قيل: إن أخاها عمرو بن خويلد هو الذي أنكحها منه، والله أعلم (2).
والراجح أن عمها الذي أنكحها:
قال محمد بن يوسف الصالحي الشامي: ما تقدم من أن عمها هو الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره أكثر علماء أهل السير.
قال السهيلي: وهو الصحيح؛ لما رواه الطبري عن جبير بن مطعم وابن عباس وعائشة كلهم قال: إن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن خويلد كان قد
(1) السيرة الحلبية 1/ 226، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي للعصامي 1/ 186.
(2)
(عيون الأثر 1/ 72، ذكر سفره عليه السلام إلى الشام مرة ثانية وتزويجه خديجة).
هلك قبل الفجار.
ورجحه الواقدي وغلَّط من قال بخلافه.
وقال عمر بن أبي بكر المؤملي: المجتمَع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه.
5 -
والذي يؤكد ذلك أن أبا طالب رفض حديث ورقة (الذي تكلم بصفته عضوًا في الوفد ليس أكثر)، والدليل على استياء أبي طالب من حديث ورقة قوله بعد أن أنهى ورقة حديثه؛ قال أبو طالب:"قد أحببتُ أن يشركك عمها" ولهذا لم يتم عقد الزواج إلا بعد موافقة عمها الصريحة.
6 -
اشتراط موافقة ولي أمر خديجة (عمها)، والمهر دليل على أن الزواج لم يكن حسب شريعة النصارى.
7 -
لاحظوا النص الذي ذكره: (أرسلت خديجة إلى أعمامها فحضروا) وورقة ليس من أعمامها بل لم يُذكر (رغم حضوره مع الوفد)؛ لأن وجوده أقل أهمية من وجودهم.
8 -
ليس لورقة كل تلك القداسة والمهابة والاحترام لدى قريش بل ولدى أقاربه.
9 -
أخفى صاحب الشبهة قول ورقة: "ولا يردُّ أحدٌ من الناس فخركم وشرفكم ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم"، بل حوّر الكلام بحيث يصبح الشرف والمكانة لورقة وأهله أسمى مما لبني هاشم كما هو متواتر في التاريخ.
10 -
كما حذف صاحب الشبهة اعتراض أبي طالب على حديث ورقة، فكيف دبر أمر الزواج إذن؟ ولماذا حذفه؟ !
11 -
هل التكليل لأمر الزواج يتم في بيت خديجة أم في الكنيسة؟
12 -
لماذا أصر أبو طالب أن يصدر الموافقة على الزواج من عم خديجة.
13 -
لا يوجد في كلام ورقة أي حرف يدل على النصرانية، وأين اختفت عبارات التكليل المعروفة؟