الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رشدت وأنعمت ابن عمرو
…
وإنما توقيت تنورًا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله
…
وتركك جنان الجبال كما هيا
يقول إذ جاورت أرضًا مخيفة
…
حنانيك لا تظهر علي إلا عاديا
أدين لربي يستجيب ولا أدين
…
لمن لا يسمع الدهر داعيا
أقول إذا صليت في كل مسجد
…
تباركت قد أكثرت باسمك داعيا (1)
فما وصل إليه زيدٌ من التوحيد هو لتتبعه أقوال وأفعال إبراهيم عليه السلام التي تحصَّل عليها من نتاج بحثه، وما وصل إليه ورقة من حق إنما كان لتتبعه بعض ما كان عليه زيد، وما وصل إليه محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو من قِبَل الوحي.
الوجه الخامس: ورقة لم يكن مُوَفَّقًا في اتباعه النصرنية كما وُفِق زيد بن عمرو في إتباع الحنفية:
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث بن أسد، وعبد الله بن جحش - حضروا قريشًا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين إبراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع؟ فابتغوا لأنفسكم.
فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم (2).
(1) حسن لغيره. رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (773)؛ قال ابن أبي عاصم: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا ابن أبي أويس، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء ابنة أبي بكر.
ورجال إسناده على شرط البخاري.
وعبد الرحمن بن أبي الزناد: هو من رجال مسلم، وذكره البخاري في تعليقاته. قال ابن معين: هو أثبت الناس في هشام بن عروة (الكاشف 3193)
وإسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس. قال أبو حاتم: مغفل محله الصدق، وضعفه النسائي (الكاشف 3193) قال ابن حجر: صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه (التقريب 460)
قلت: والحديث السابق يعتبر شاهد له فيحسن.
(2)
الروض الأنف 1/ 379، وسيرة ابن هشام 1/ 242، والمنمق 175 - 176.
قال ابن كثير: ولم يكن فيهم - أي: في الأربعة الباحثين عن الحقيقة - أعدل أمرًا وأعدل ثباتًا من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين الحنيفية دين إبراهيم، يوحد الله ويخلع من دونه، ولا يأكل ذبائح قومه فأذاهم بالفراق لما هُم فيه (1).
فتنصروا كلهم؛ لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلا زيد بن عمرو بن نفيل؛ فإنه رأي فيه دخلًا وتخبيطًا وتبديلًا وتحريفًا وتأويلًا، فأبت فطرته الدخول فيه أيضًا، وبشره الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده، لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية (2).
وهذا يدل على أن ابن كثير احتج بهذه الرواية الموجودة في سيرة ابن إسحاق، لذلك نقول: إننا لو افترضنا أن ورقة اتبع النصرانية التي ليس بها شرك، ولكن اتباع زيد بن عمرو للحنفية كان أرشد، وهذا لإقرار ورقة فقد قال: رشدت وأنعمت ابن عمرو، وذلك بعد مقتل زيد بن عمرو، بل أشار ورقة أن زيدًا كان على العقيدة الصحيحة من توحيد الله وترك الشرك بجميع أنواعه، فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ يَبْكِيهِ:
رَشَدْت وَأنعَمْت ابْنَ عَمْرٍو وَإِنّمَا
…
تَجَنّبْت تَنّورًا مِنْ النّارِ حَامِيَا
بِدِينِك رَبّا لَيْسَ رَبّ كَمِثْلِهِ
…
وَتَرْكِك أَوْثَانَ الطّوَاغِي كَمَا هِيَا
وَإِدْرَاكِك الدّينَ الّذِي قَدْ طَلَبْته
…
وَلَمْ تَكُ عَنْ تَوْحِيدِ رَبّك سَاهِيَا
فَأَصْبَحْت فِي دَارٍ كَرِيمٍ مُقَامُهَا
…
تُعَلّلُ فِيهَا بِالْكَرَامَةِ لَاهِيَا
تُلَاقِي خَلِيلَ الله فِيهَا، وَلَمْ تَكُنْ
…
مِنْ النّاسِ جَبّارًا إلَى النّارِ هَاوِيَا
وَقَدْ تُدْرِكُ الْإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبّهِ
…
وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيَا (3)
فكان الذي ينبغي على ورقة أن يتبع ما سار عليه زيد للتمسك بالحنفية وذلك لعدة أمور:
(1) السيرة النبوية 1/ 155.
(2)
السيرة النبوية 1/ 396.
(3)
سبق تخريجه.