الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37].
الوجه الثامن عشر: الطعن في القرآن طعن في التوراة والإنجيل إن صح القول بالاقتباس
.
إذا كان القرآن مأخوذ من التوراة والإنجيل فلماذا هذا الطعن في كتاب مأخوذ منهما؟ ولماذا إذن هذه الحرب الشعواء عليه؟ أليس حقيقة هذا الأمر أنه طعن في الأصل المأخوذ منه؟ .
أم أن هؤلاء الطاعنين علموا في قرارة أنفسهم أنه كتاب عظيم منزل من الله تعالى، وأنه ناسخ للشرائع السابقة؛ فهالهم هذا الأمر وحاولوا تنفير الناس منه بأي طريق، فأخذوا يتكلمون بأي كلام، لا لشيء إلا بغضا لهذا الكتاب، فجرفهم الحماس حتى قالوا كلاما طعنوا به في التوراة والإنجيل - التي يدينون بها - وهم لا يشعرون (1).
لقد شهد المنصفون من المستشرقين بضد ذلك:
يقول المستشرق الإنجليزي لايتنر: (بقدر ما أعرف من دِينَيِ اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد ليس اقتباسًا، بل قد أوحى إليه ربه، ولا ريب بذلك).
ويقول هنري دي كاستري: (ثبت إذن أن محمدا لم يقرأ كتابا مقدسا، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه). (2)
الوجه التاسع عشر: مثال أخير فيما ذكره القرآن وما ذكرته التوراة والإنجيل عن عصمة الأنبياء، والبون الشاسع بينهما
.
فصفات الأنبياء في القرآن: أنهم معصومون، أما في الكتاب المقدس فلهم رذائل لم يتوبوا منها:
نوح عليه السلام في التوراة: فقد تحدثت التوراة عن سكر نوح وتعريه داخل خبائه فأبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما وسترا أباهما، فلما أفاق من سكرته وعرف ما فعل ابنه حام الصغير قال:"ملعون كنعان (ابن الجاني حام)، عبد العبيد يكون لإخوته. . . وليكن كنعان عبدًا لهم".
فبدلًا من أن يوجه ابنه الصغير للتصرف الصحيح مع الوالد حين سكره وعربدته، صب لعناته على كنعان ابن حام، كنعان الذي لعله لم يخلق بعد، فما ذنب هذا! بل وما ذنب أبيه الذي
(1) الرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري ص - 228.
(2)
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده ص - 149. نقلًا من الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري ص - 228 المطلب الثاني: نقله من غيره، والرد عليهم.
لم يكن ليستحق هذا كله؟ وماذا عن الأب الذي شرب الخمر. ما الذي يستحقه؟ ؟
لوط عليه السلام: وأما لوط عليه السلام النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، كما في (التكوين 19: 30 - 37).
ويذكر السفر تبريرًا لهذه الفاحشة أن الكبيرة منهما قالت لأختها: "أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. . . . نحيي من أبينا نسلًا"(التكوين 19: 31 - 32) فيصور النص الأرض وقد خلت من الرجال، أو أن المغارة سيمكث فيها لوط وابنتاه إلى الأبد.
موسى وهارون عليهما السلام: كما تسيء التوراة إلى موسى أعظم أنبياء بني إسرائيل، وتذكر كلمات لا يمكن أن تصدر من موسى لما فيها من إساءة أدب مع الله، منها:"فقال موسى للرب: لماذا أسأت إلى عبدك؟ ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي؟ ألعلي حبلت بجميع هذا الشعب؟ أو لعلي ولدته. . فإن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلًا، إن وجدتُ نعمة في عينيك فلا أرى بليتي"(العدد 11: 10 - 15)، فهل يتحدث عبد مع ربه بمثل هذا؟ .
سليمان عليه السلام: وحين يذكر اليهود سليمان عليه السلام، يذكره كثير منهم، على أنه ملك أو ساحر، كما في جرأة اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم (ألا تعجبون لمحمد يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًا! والله ما كان إلا ساحرًا) كما في بعض نصوص التوراة (1).
قال ابن تيمية: فإن كثيرًا من اليهود والنصارى يطعنون فيه منهم من يقول: كان ساحرًا وأنه سحر الجن بسحره، ومنهم من يقول سقط عن درجة النبوة فيجعلونه حكيمًا لا نبيًا. (2)
قال ابن كثير: وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان. (3)
وذمهم الله باتباعهم السحر ثم نسبته إلى نبي الله سليمان عليه السلام، واختلف هل المذموم اليهود
(1) انظر: القران والتوراة حسن الباش 1/ 340.
(2)
الجواب الصحيح 3/ 38.
(3)
تفسير ابن كثير (7/ 60).
الذين كانوا على عهد سليمان عليه السلام، أم المعاصرين لنبينا صلى الله عليه وسلم، والصواب أنه للجميع؛ "لأن المتبعة ما تلته الشياطين في عهد سليمان عليه السلام وبعده إلى أن بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالحق وأمر السحر لم يزل في اليهود. وكل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية."(1)
فقد جعلته التوراة عابدًا لأصنام نسائه اللاتي بلغن ألفًا، كما بنى المعابد لعبادتها، فغضب عليه الرب وسخط، تقول التوراة:"وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلَاثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. 4 وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. 5 فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. 6 وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. 7 حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ المُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. 8 وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ. 9 فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، 10 وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لَا يَتَّبِعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ. 11 فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ: "مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فَإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ." (الملوك (1) 11: 3 - 11). (2)
* * *
(1) تفسير الطبري 1/ 448 باختصار.
(2)
الأنبياء في التوراة 1/ 14، وانظر تفصيل ذلك في محله.