الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قرأ به، فآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعُرف به، وقُصد فيه، وأُخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد (1).
الشبهة الرابعة: معنى الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع
نص الشبهة:
يقولون: إنه لا معنى للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إلا تلك القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة المعروفين عند القراء.
هذه شبهة تعرض كثيرا للعامة ومن في حكمهم ممن لم يأخذوا من علوم القرآن والحديث بحظ ولا نصيب. فإن ذلك المعنى الذي زعموه غير صحيح:
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: مقدمة
قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل.
وقال أبو العباس بن عمار: لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أنَّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد؛ ليزيل الشبهة. ووقع له أيضًا في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر وأصح وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر (2).
وقال أبو بكر بن العربي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش، ونحوهم؛ فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم، وكذا قال غير واحد، منهم مكي، وأبو العلاء الهمذاني، وآخرون من أئمة القراء. وقال مكي: من ظن أن قراءة
(1) النشر في القراءات العشر 1/ 66.
(2)
الإتقان 1/ 215.
هؤلاء القراء كنافع، وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطًا عظيمًا، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم ووافق خط المصحف ألا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم؛ فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل القاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدرا ومثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به؛ فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه؛ فأفردوا من كل مصر إمامًا واحدًا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات، ولا القراءة به كقراءة يعقوب وأبي جعفر وشيبة وغيرهم. قال: وقد صنف ابن جبير المكي قبل ابن مجاهد كتابًا في القراءات فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا وإنما اقتصر على ذلك؛ لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وجه بسبعة هذه الخمسة، ومصحفا إلى اليمن، ومصحفا إلى البحرين لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم تكن له فطنة فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع، والأصل المعتمد عليه صحة السند في السماع، واستقامة الوجه في العربية، وموافقة الرسم. وأصح القراءات سندًا نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمرو والكسائي.
وقال القراب في الشافي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر، وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد.
وقال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ.
وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية، وآخر من صرح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي فقال في "شرح المنهاج": قال الأصحاب: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع، ولا تجوز بالشاذة. وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ، وقد نقل البغوي الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة وهذا القول هو الصواب. (1)
قال القرطبي: وقد قيل: إن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "انزل القرآن على سبعة أحرف" القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة؛ لأنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه. لذا قال كثير من علمائنا كالداودي، وابن صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره. (2)
قال ابن تيمية: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن (الأحرف السبعة) التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن أُنزل عليها ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة؛ بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد، وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين والعراقين والشام؛ إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها عِلْم النبوة من القرآن وتفسيره، والحديث والفقه من الأعمال الباطنة
(1) الإتقان في علوم القرآن 1/ 215.
(2)
تفسير القرطبي 1/ 46.