الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل، ظاهره يقتضي كون الشيء سببًا لانتفاء نفسه بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه يقتضي أن نوعًا من القتل - وهو القصاص - سبب لنوع من أنواع الحياة.
وثالثها: أن قولهم الأجود تكرير لفظ القتل بخلاف لفظ القرآن.
ورابعها: أن قولهم الأجود لا يفيد إلا الردع عن القتل، بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه يفيد الردع عن القتل، والجرح فهو أفيد.
وخامسها: أن قولهم الأجود دال على ما هو المطلوب بالتبع، بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه دال على ما هو مقصود أصلي؛ لأن نفي القتل مطلوب تبعًا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة الذي هو مطلوب أصالة.
وسادسها: أن القتل ظلمًا أيضًا قتل، مع أنه ليس بناف للقتل بخلاف القصاص فظاهر قولهم باطل، وأما لفظ القرآن فصحيح ظاهرًا وباطنًا. (1)
الوجه الخامس: الإعجاز في المعنى (أي في معاني الألفاظ في القرآن الكريم)
.
وبيان ذلك كما يلي:
1 - الأعجمي إن لم يحدث له تحد عن طريق ألفاظ القرآن؛ فإنه يتحداه من جهة المعاني وترتيبها
.
قال الجصاص: معلوم أن العجم لا يُتحدون من طريق النظم، فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم الألفاظ (2).
قلت: فمن طلب العُلا في الأخلاق وجد القرآن يُرشد إلى معانٍ نبيلة، يعجز البشر عن الإتيان بمثلها، وهذا في باب الحقوق وغير ذلك.
2 - القرآن مشتمل على الفصيح والأفصح والمليح والأملح:
قال السيوطي: قال البارزي في أول كتابه أنوار التحصيل في أسرار التنزيل:
اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معاني
(1) إظهار الحق 2/ 34.
(2)
أحكام القرآن للجصاص 5/ 34.
الجمل أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذر على البشر في أكثر الأحوال؛ وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى؛ فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملًا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح.
- ولذلك أمثلة منها: قوله تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن: 54]، لو قال مكانه وثمر الجنتين قريب، لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجني والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يُجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل. ومنها قوله تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] أحسن من التعبير بـ تقرأ لثقله بالهمزة. ومنها قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] أحسن من - لاشك فيه - لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب، ومنها:{فَلَا تَهِنُوا} [محمد: 35] أحسن من - ولا تضعفوا - لخفته، و {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم: 4] أحسن من - ضعف - لأن الفتحة أخف من الضمة، ومنها {آمَنَ} [غافر: 30] أخفّ من - صدق - ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق، و {آثَرَكَ اللَّهُ} [يوسف: 91] أخفّ من - فضّلك، وآتى من قوله:{آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258] أخف من - أعطى - وأَنْذِر من قوله: {أَنْذِرِ النَّاسَ} [يونس: 2] أخفّ من - خوّف و {خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184] أخفّ من - أفضل لكم - والمصدر في نحو {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} [لقمان: 11] أخف من - مخلوق - وتَنْكِحَ من قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] أخف من - تتزوج - لأن تفْعل أخفّ من تفعَّل ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.
ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ الرحمة والغضب، والرضا، والحب، والمقت في أوصاف الله تعالى، مع أنه لا يوصف بها حقيقة؛ لأنه لو عبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام؛ كأن يقال: يعامله معاملة المحب والماقت؛ فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة لخفّته، واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ فإن قوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا