الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة
قال الرازي: إجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم حجة؛ خلافًا للنظام، والشيعة، والخوارج
.
لنا وجوه:
الأول: قوله تعالى:} ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين {[النساء:115] الآية؛ جمع - الله تعالى - بين مشاقة الرسول، وإتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد؛ فلو كان إتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا، لما جمع بينه وبين المحظور، كما لا يجوز أن يقال:(إن زنيت، وشربت الماء، عاقبتك) فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة.
ومتابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى غير قولهم وفتواهم، وإذا كانت تلك محظورة، وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبةً؛ ضرورة أنه لا خروج من القسمين.
فإن قيل: لا نسلم أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة على الإطلاق؛ ولم لا يجوز أن يكون كونها محظورة مشروطًا بمشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تكون محظورة بدون هذا الشرط، خرج على هذا قوله:(إن زنيت، وشربت الماء، عاقبتك) لأن شرب الماء غير محظورٍ لا مطلقًا، ولا بشرط الزنا.
فإن قلت: إذا كان إتباع غير سبيل المؤمنين حرامًا عند حصول المشاقة، وجب أن يكون إتباع سبيل المؤمنين واجبًا عند حصول المشاقة؛ لأنه لا خروج عن القسمين، لكن ذلك باطل؛ لأن المشاقة ليست عبارة عن المعصية، كيف كانت،
وإلا لكان كل من عصى الرسول صلى الله عليه وسلم مشاقًا له، بل هي عبارة عن الكفر به وتكذيبه، وإذا كان كذلك، لزم وجوب العمل بالإجماع عند تكذيب الرسول، عليه الصلاة والسلام، وذلك باطل؛ لأن العلم بصحة الإجماع متوقف على العلم بالنبوة، فإيجاب العمل به حال عدم العلم بالنبوة يكون تكليفًا بالجمع بين الضدين، وهو محال.
قلت: لا نسلم أنه إذا كان إتباع غير سبيل المؤمنين حرامًا عند المشاقة، كان إتباع سبيل المؤمنين واجبًا عند المشاقة؛ لأن بين القسمين ثالثًا، وهو عدم الإتباع أصلا.
سلمنا أنه يلزم وجوب أتباع سبيل المؤمنين عند المشاقة؛ لكن لا نسلم أنه ممتنع.
قوله: (المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر به، وإيجاب العمل بالإجماع عند حصول الكفر محال):
قلنا: لا نسلم أن المشاقة لا تحصل إلا مع الكفر.
بيانه: أن المشاقة مشتقة من كون أحد الشخصين في شق، وكون الآخر في الشق الآخر، وذلك يكفي فيه أصل المخالفة، سواء بلغ حد الكفر، أو لم يبلغه. سلمنا أن المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر، فلم قلت: إن حصول الكفر ينافي تمكن العمل بالإجماع؟
بيانه: أن الكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم كما يكون بالجهل بكونه صادقًا، فقد يكون أيضًا بأمورٍ أخر؛ كشد الزنار، وليس الغيار، وإلقاء المصحف في القاذورات، والاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم مع الاعتراف بكونه نبيًا، وإنكار نبوته باللسان، مع
العلم بكونه نبيًا؛ وشيء من هذه الأنواع من الكفر لا ينافي العلم بوجوب الإجماع.
سلمنا هذه المنافاة؛ فلم قلت: إنها مانعة من التكليف؟
بيانه: أن الله - تعالى - كلف أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله - تعالى - في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه: أنه لا يؤمن فيكون أبو لهب مكلفًا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وذلك متعذر.
وهذا التوجيه ظاهر أيضًا في قوله تعالى:} إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون {[البقرة:6] فإن أولئك الذين أخبر الله عنهم بهذا الخبر كانوا مكلفين بالإيمان، فكانوا مكلفين بتصديق هذه الآية، وباقي التقرير ظاهر.
سلمنا أن هذه الآية تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين لا بشرط مشاقة الرسول؛ لكن بشرط تبين الهدى، أو لا بهذا الشرط؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع:
بيانه: أنه - تعالى - ذكر مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرط فيها تبين الهدى، ثم عطف عليها إتباع غير سبيل المؤمنين؛ فوجب أن يكون تبين الهدى شرطًا في التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين؛ لأن ما كان شرطًا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطًا في المعطوف، واللام في الهدى للاستغراق؛ فيلزم ألا يحصل التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى، ومن جملة أنواع الهدى ذلك الدليل الذي لأجله ذهب أهل الإجماع إلى ذلك الحكم؛ وعلى هذا التقدير لا يبقي للتمسك بالإجماع فائدة.
وأيضًا: فالإنسان إذا قال لغيره: إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه، فهم منه تبين صدق قوله بشيء غير قوله، فكذا هاهنا يجب أن يكون تبين صحة إجماعهم بشيء وراء إجماعهم، وإذا كنا لا نتمسك بالإجماع إلا بعد دليلٍ منفصلٍ على صحة ما أجمعوا عليه، لم يبقي للتمسك بالإجماع أثر وفائدة.
سلمنا أنها تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين، ولكن عن متابعة كل ما كان غير سبيل المؤمنين، أو عن متابعة بعض ما كان كذلك؟!
الأول ممنوع، وبتقدير التسليم، فالاستدلال ساقط: أما المنع فلأن لفظ (الغير) ولفظ (السبيل) كل واحد منهما لفظ مفرد؛ يفيد العموم، وأما أن بتقدير التسليم، فالاستدلال ساقط؛ لأنه يصير معنى الآية:(إن كل من اتبع كل ما كان مغايرًا لكل ما كان سبيل المؤمنين يستحق العقاب) وهذا لا يقتضي أن يكون المتبع لبعض ما غاير سبيل المؤمنين مستحقًا للعقاب.
والثاني مسلم، ونقول بموجبه، فإن عندنا يحرم بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين، أو بعض ما غاير كل سبيل المؤمنين، أو كل ما غاير بعض سبيل المؤمنين، وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين، والذي يغايره هو الكفر بالله تعالى، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا التأويل متعين لوجهين:
أحدهما: أنا إذا قلنا: لا تتبع غير سبيل الصالحين، فهم منه المنع من متابعة غير سبيل الصالحين، فيما به صاروا غير صالحين، ولا يفهم منه المنع من متابعة سبيل غير الصالحين في كل شيء، حتى في الأكل والشرب.
وثانيهما: أن الآية نزلت في رجل ارتد، وذلك يدل على أن الغرض منها المنع من الكفر.
سلمنا حظر إتباع غير سبيلهم مطلقًا، لكن لفظ السبيل حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي، وهو غير مراد هاهنا بالاتفاق، فصار الظاهر متروكًا؛ فلابد من صرفه إلى المجاز، وليس البعض أولى من البعض، فتبقي الآية مجملة.
وأيضًا: فإنه لا يمكن جعله مجازًا عن اتفاق الأمة على الحكم؛ لأنه لا مناسبة ألبتة بين الطريق المسلوك، وبين اتفاق أمة محمد r على شيء من الأحكام، وشرط حسن التجوز حصول المناسبة.
سلمنا أنه يجوز جعله مجازًا عن ذلك الاتفاق، لكن يجوز أيضًا جعله مجازًا عن الدليل الذي لأجله اتفقوا على ذلك الحكم؛ فإنهم إذا أجمعوا على الشيء، فإما أن يكون ذلك الإجماع عن استدلال، أو لا عن استدلال:
فإن كان عن استدلال: فقد حصل لهم سبيلان: الفتوى والاستدلال؛ فلم كان حمل الآية على الفتوى أولى من حملها على الاستدلال على الفتوى؟
بل هذا أولى؛ فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم، وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة، فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق المسلوك توصل البدن إلى المطلوب، فكذا الحركة الذهنية في مقدمات ذلك الدليل توصل الذهن إلى المطلوب، والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز، وإذا كان كذلك، كانت الآية تقتضي إيجاب إتباعهم في سلوك الطريق الذي لأجله اتفقوا على الحكم، ويرجع حاصله إلى إيجاب الاستدلال بما استدلوا به على ذلك الحكم، وحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة.
وأما إن كان إجماعهم لا عن استدلال: والقول لا عند استدلال خطأ، فيلزم إجماعهم على الخطأ، وذلك يقدح في صحة الإجماع.
سلمنا دلالة الآية على تحريم متابعة غير قولهم؛ لكن لا نسلم أن كلمة (من) للعموم، وأن لفظ المؤمنين للعموم، فإنا لو حملناه على العموم، لزم تطرق التخصيص إلى الآية؛ لعدم دخول العوام والمجانين والنساء والصبيان في الإجماع.
سلمنا ذلك؛ لكن لم قلت: إنه يلزم من حظر إتباع غير سبيلهم وجوب إتباع سبيلهم؟
بيانه: أن لفظ (غير) وإن كان يستعمل في الاستثناء، لكنهم أجمعوا على أنه في الأصل للصفة، وإذا كان كذلك، كان بين إتباع غير سبيل المؤمنين، وبين إتباع سبيلهم قسم ثالث، وهو ترك الإتباع.
فإن قلت: ترك متابعة سبيل المؤمنين غير سبيل المؤمنين، فمن ترك متابعة سبيلهم، فقد اتبع غير سبيلهم.
قلت: لم لا يجوز أن يقال: الشرط في كون الإنسان متابعا لغيره كونه آتيا بمثل فعل الغير؛ لأجل أن ذلك الغير أتي به؟ فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين، وهو إنما تركه لأجل أن غير المؤمنين تركوه، كان متبعًا في ذلك سبيل غير المؤمنين.
أما من تركه؛ لأن الدليل دل عنده على وجوب ذلك الترك، أو لأنه لما لم يدل شيء على متابعة المؤمنين، تركه على الأصل، لم يكن هاهنا متبعًا لأحدٍ؛ فلا يدخل تحت الوعيد.
سلمنا دلالة الآية على وجوب متابعة سبيل المؤمنين؛ لكن في كل الأمور، أو في بعضها؟
الأول ممنوع؛ لوجوهٍ:
أحدها: أن المؤمنين، إذا اتفقوا على فعل شيء من المباحات، فلو وجب إتباع سبيلهم في كل الأمور لزم التناقض؛ لأنه يجب عليهم فعله من حيث إنهم فعلوه، ولا يجب ذلك؛ لحكمهم بأنه غير واجب.
وثانيها: أن أهل الإجماع قبل اتفاقهم على ذلك الحكم، كانوا متوقفين في المسألة، غير جازمين بالحكم، بل كانوا جازمين بأنه يجوز البحث عنها، ويجوز الحكم لكل أحد بما أدى إليه اجتهاده، ثم إنهم بعد الإجماع قطعوا بذلك الحكم، فلو وجب متابعتهم في كل ما يقولونه، لزم إتباعهم في النقيضين، وهو محال.
فإن قلت: الإجماع الأول على تجويز التوقف، وطلب الدلالة، والحكم بما أدى إليه الاجتهاد ما كان مطلقًا، بل كان بشرط عدم الاتفاق على حكمٍ واحدٍ، فإذا حصل الاتفاق؛ زال شرط الإجماع؛ فزال بزواله.
قلت: المفهوم من عدم حصول الإجماع حصول الخلاف، فلو شرطنا تجويز الخلاف بعدم الإجماع، لزم أن يكون تجويز وجود الشيء مشروطًا بوجوده، وأيضًا: فلو جاز في أحد الإجماعين أن يكون مشروطًا بشرط، جاز أيضًا في الإجماع الثاني والثالث، ويلزم منه ألا يستقر شيء من الإجماعات.
وثالثها: أن اتفاق المجمعين على ما أجمعوا عليه: إما ألا يكون عن استدلالٍ، أو يكون عن استدلالٍ:
والأول باطل؛ لأن القول بغير استدلال خطأ، بالإجماع، فلو اتفق أهل الإجماع عليه كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك يقدح في كون الإجماع حجة. وإن كان الثاني، فذلك الدليل، إما الإجماع، أو غيره.
والأول باطل؛ لأن الإجماع: إما أن يكون نفس حكمهم، أو نتيجة حكمهم، والدليل على الحكم متقدم على الحكم.
والثاني: يقتضي أن يكون سبيل المؤمنين إثبات ذلك الحكم بغير الإجماع، فيكون إثباته بالإجماع ابتاعًا لغير سبيلهم، فوجب ألا يجوز.
فظهر أنا لو حملنا الآية على اقتضاء متابعة المؤمنين في كل الأمور، لزم التناقض، وإذا بطل ذلك؛ وجب حملها على اقتضاء المتابعة في بعض الأمور؛ وحينئذ نقول بموجبه، ونحمله على الإيمان بالله - تعالى- ورسوله، ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه:
أحدها: أن القائل إذا قال: اتبع سبيل الصالحين، فهم منه الأمر بإتباعهم فيما به صاروا صالحين، فكذا هاهنا.
وثانيها: أنا إذا حملنا الآية على ذلك، كان ذلك السبيل حاصلا في الحال، ولو حملناه على إجماعهم على الحكم الشرعي، كان ذلك مما سيصير سبيلا في المستقبل؛ لأنه لا يوجد إلا بعد وفاة الرسول، عليه الصلاة والسلام، فالحمل على الأول أولى.
وثالثها: أن السلطان، إذا قال:(ومن يشاقق وزيري من الجند، ولم يتبع سبيل فلانٍ - ويشير به إلى أقوامٍ متظاهرين بطاعة الوزير - عاقبتهم):
فإنه إنما يعني بالسبيل المذكور سبيلهم في طاعة الوزير، دون سائر السيل.
سلمنا دلالة الآية على وجوب المتابعة في كل الأمور، لكنها تدل على وجوب متابعة بعض المؤمنين، أو كلهم؟
الأول: باطل؛ لأن لفظ (المؤمنين) جمع، فيفيد الاستغراق، ولأن إجماع البعض غير معتبرٍ بالإجماع، ولأن أقوال الفرق متناقضة.
والثاني: مسلم، ولكن كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة، فلا يكون الموجودون في العصر كل المؤمنين، فلا يكون إجماعهم إجماع كل المؤمنين.
فإن قلت: المؤمنون هم المصدقون، وهم الموجودون، وأما الذين لم يوجدوا بعد، فليسوا بمؤمنين.
قلت: إذا وجد أهل العصر الثاني، ففي العصر الثاني لا يصح القول بأن أهل العصر الأول هم كل المؤمنين؛ فلا يكون إجماع أهل العصر الأول عند حصول أهل العصر الثاني قولا لكل المؤمنين، فلا يكون إجماع أهل العصر الأول حجة على أهل العصر الثاني.
سلمنا أن أهل العصر هم كل المؤمنين، لكن الآية إنما نزلت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم فلما لم يثبت أن الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية بقوا بأسرهم إلى ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه اتفقت كلمتهم على الحكم الواحد، لم تدل هذه الآية على صحة ذلك الإجماع، ولكن ذلك غير معلوم في شيءٍ، من الإجماعات الموجودة في المسائل، بل المعلوم خلافه؛ لأن كثيرًا منهم مات زمان حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فسقط الاستدلال بهذه الآية.
سلمنا دلالتها على وجوب متابعة مؤمني كل عصرٍ؛ لكن المراد متابعة كل مؤمني ذلك العصر، أو بعضهم؟
الأول باطل؛ وإلا لاعتبر في الإجماع قول العوام، بل الأطفال والمجانين.
والثاني نقول به؛ لأن عندنا: يجب في كل عصرٍ متابعة بعض من كان فيه من المؤمنين، وهو الإمام المعصوم.
سلمنا أن المراد متابعة جميع مؤمني العصر، لكن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، وهو أمر غائب عنا؛ فكيف يعلم في المجمعين كونهم مصدقين بقلوبهم؟ لاحتمال أنهم، وإن كانوا مصدقين باللسان، لكنهم كفرة بالقلب، وإذا جهلنا ذلك، جهلنا كونهم مؤمنين، وإذا كان الواجب علينا إتباعهم المؤمنين، فمتى جهلنا كونهم مؤمنين، لم يجب علينا إتباعهم، وهو أيضًا لازم على المعتزلة القائلين بأن المؤمنين هو المستحق للثواب؛ لأن ذلك غير معلومٍ أيضًا.
وأيضًا فالأمة متى أجمعت، لم نعلم كونهم مستحقين للثواب، إلا بعد العلم بكونهم محقين في ذلك الحكم، إذ لو لم نعلم لك، لجوزنا كونهم مخطئين، وأن يكون خطؤهم كثيرًا يخرجهم عن استحقاق الثواب واسم الإيمان.
فإذن إنما نعرف كون المجمعين مؤمنين، إذا عرفنا أن ذلك الحكم صواب، فلو استفدنا العلم بكونه صوابًا من إجماعهم، لزم الدور.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد من (المؤمنين) المصدقين باللسان، كما في قوله تعالى:} ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن {[البقرة: 221]؟
قلت: لا شك أن إطلاق اسم (المؤمنين) على المصدقين باللسان، دون
القلب - مجاز، فإذا جاز لكم حمل الآية على هذا المجاز، فلم لا يجوز لنا حملها على مجاز آخر، وهو أن نقول: المراد إيجاب متابعة السبيل الذي من شأنه أن يكون سبيلا للمؤمنين؟
كما إذا قيل: (اتبع سبيل الصالحين) لا يراد به وجوب إتباع سبيل من يعتقد فيه كونه صالحًا، بل وجوب إتباع السبيل الذي يجب أن يكون سبيلا للصالحين.
سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجةً؛ لكن دلالة قطعية أم ظنية؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكن المسألة قطعية، فلا يجوز التمسك فيها بالدلائل الظنية:
بيانه: ما تقدم في كتاب اللغات: أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين ألبتة.
فإن قلت: إنا نجعل هذه المسألة ظنية.
قلت: إن أحدًا من الأمة لم يقل: (إن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني) بل كلهم نفوا ذلك، فإن منهم من نفي كونه دليلا أصلا، ومنهم من جعله دليلا قاطعًا، فلو أثبتناه دليلا ظنيًا، لكان هذا تخطئةً لكل الأمة، وذلك يقدح في الإجماع.
والعجب من الفقهاء أنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر ولا يفسق، إذا كان ذلك الإنكار لتأويل، ثم يقولون: الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفه كافر، أو فاسق؛ فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل، وذلك غفلة عظيمة.
سلمنا دلالة هذه الآية على أن الإجماع حجة، لكنها معارضة بالكتاب، والسنة، والمعقول:
أما الكتاب: فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول الباطل، والفعل الباطل؛ كقوله عز وجل:} وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون {[البقرة:169]} ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل {[البقرة:188] والنهي عن الشيء لا يجوز إلا إذا كان المنهي عنه متصورًا.
أحدها: قصة معاذ، وأنه لم يجر فيها ذكر الإجماع، ولو كان ذلك مدركًا شرعيًا، لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي).
وثالثها: قوله عليه الصلاة السلام: (لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعضٍ).
ورابعها: قوله عليه السلام: (إن الله لا يقبض العلم؛ انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا).
وخامسها: قوله عليه الصلاة والسلام: (تعلموا الفرائض، وعلموها الناس؛ فإنها أول ما ينسى.
وسادسها: قوله عليه الصلاة والسلام: (من أشراط الساعة أن يرتفع العلم، ويكثر الجهل).
وهذه الأحاديث بأسرها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات.
وأما المعقول: فمن وجهين:
الأول: أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه، فوجب جوازه على الكل، كما أنه لو كان كل واحدٍ من الزنج أسود، كان الكل سودًا.
الثاني: أن ذلك الإجماع: إما أن يكون لدلالة، أو لأمارة، أو لا لدلالة، ولا لأمارة، فإن كان لدلالة، فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العالم تكون واقعةً عظيمةً، ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا، فكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة، وحينئذ لا يبقي للتمسك بالإجماع فائدة، وإن كان لأمارة، فهو محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها، فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها، ولأن في الأمة من لم يقل بكون الأمارة حجة؛ فلا يمكن اتفاقهم؛ لأجل الأمارة، على حكم، وإن كان لا لدلالة، ولا لأمارة كان ذلك خطأ قادحًا في الإجماع، ولو اتفقوا عليه، لكانوا متفقين على الباطل، وذلك قادح في الإجماع.
والجواب: قوله: (الآية تقتضي التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين بشرط المشاقة):
قلنا: هذا باطل؛ لأن المعلق على الشرط، إن لم يكن عدمًا عند عدم الشرط، فقد حصل غرضنا.
وإن كان عدمًا عند عدم الشرط، فلو كان التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين مشروطًا بالمشاقة، لكان عند عدم المشاقة إتباع غير سبيل المؤمنين جائزًا مطلقًا، وهذا باطلٌ؛ لأن مخالفة الإجماع، إن لم تكن خطًا، لكن لا شك في أنه لا يكون صوابًا مطلقًا، فبطل ما ذكروه.
قوله: (تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين مشروط بتبين الهدى): قلنا: لا نسلم؛ لأن تبين الهدى شرط في الوعيد عند المشاقة، لا عند إتباع غير سبيل المؤمنين، ولا نسلم أنه يلزم من العطف اشتراك إحدى الجملتين بما كانت الجملة الأخرى مشروطة به.
سلمنا: أن العطف يقتضي الاشتراك في الاشتراط، لكن الهدى الذي نتبينه شرطًا في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول، هو الدليل الدال على التوحيد والنبوة، لا الدليل الدال على أحكام الفروع، وإذا لم يكن تبين الدليل على مسائل الفروع شرطًا في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وجب ألا يكون ذلك شرطًا أيضًا في لحوق الوعيد على إتباع غير سبيل المؤمنين، وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطةً بالشرط المعتبر في الجملة الأولي، بل بشرطٍ لم يدل عليه الدليل أصلا.
سلمنا: أن مقتضي العطف ما ذكرتموه، لكن معنا دليل يمنع منه؛ من وجهين:
الأول: أن هذه الآية خرجت مخرج المدح للمؤمنين، وتمييزهم عن غيرهم، ولو حملناه على ما ذكره السائل، لبطل ذلك؛ ألا ترى أن اليهود والنصارى إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى، فإنه يلزمنا أن نقول بمثله مع أنه لا تبعية لهم فيه.
الثاني: أن إتباع المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم؛ لأجل أنهم قالوه، لا لأنه صح ذلك بالدليل؛ ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود والنصارى في قولنا بإثبات الصانع، ونبوة موسى وعيسي، عليهما السلام، وإن شاركناهم في ذلك الاعتقاد؛ لأجل أنا لم نذهب إلى ذلك؛ لأجل قولهم؟!
قوله: (لفظ الغير والسبيل ليس للجمع؛ فلا يقتضي تحريم كل ما كان غيرًا لكل ما كان سبيلا للمؤمنين):
قلنا: العموم حاصل من حيث اللفظ، ومن حيث الإيماء:
أما اللفظ: فلوجهين:
الأول: أن القائل، إذا قال: 0من دخل غير داري، ضربته) فهم منه العموم؛ بدليل صحة الاستثناء لكل واحد من الدور المغايرة لداره.
الثاني: أنا لو حملنا الآية على سبيل واحد، مع أنه غير مذكورٍ، صارت الآية مجملةً، ولو حملناها على العموم، لم يلزم ذلك، وحمل كلام الله، عز وجل، على ما هو أكثر فائدة أولى؛ لاسيما إذا كانت هذه اللفظة، إنما تستعمل في العرف؛ لإفادة العموم.
أما الإيماء: فلما سيأتي في باب القياس، إن شاء الله عز وجل، أن ترتيب الحكم على الاسم مشعر بكون المسمي علة لذلك الحكم؛ فكانت علة التهديد كونه إتباعًا لغير سبيل المؤمنين؛ فيلزم عموم الحكم، لعموم هذا المقتضي.
قوله: (إذا حملناه على الكل، سقط الاستدلال):
قلنا: ذلك إنما يلزم، لو حملناه على الكل من حيث هو كل، أما لو حملناه على كل واحد، لم يلزم ذلك، ولا شك أنه هو المتبادر إلى الفهم؛ لأن من قال:(من دخل غير داري، فله كذا) لا يفهم منه أنه أراد به: من دخل جميع الدور المغايرة لداره.
قوله: (المراد منه المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير مؤمنين، وهو الكفر):
قلنا: لا نسلم؛ بل الأصل إجراء الكلام على عمومه، وأيضًا: فلأنه لا معنى لمشاقة الرسول إلا إتباع سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير مؤمنين، فلو حملنا قوله:} ويتبع غير سبيل المؤمنين {[النساء:115] على ذلك، لزم التكرار.
قوله: (نزلت في رجلٍ ارتد):
قلنا: تقدم بيان أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
قوله: (السبيل: هو الطريق الذي يحصل المشي فيه):
قلنا: لا نسلم؛ لقوله تعالى:} قل هذه سبيلي {[يوسف:108] وقوله:} ادع إلى سبيل ربك {[النحل:125].
سلمناه؛ لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك غير مراد هاهنا، ولا نزاع في أن أهل اللغة يطلقون لفظ (السبيل) على ما يختاره الإنسان لنفسه في القول، والعمل، وإذا كان ذلك مجازًا ظاهرًا، وجب حمل اللفظ عليه؛ لأن الأصل عدم المجاز الآخر؛ وحينئذ يحمل اللفظ على هذا المعنى؛ إلى أن يذكر الخصم دليلا معارضًا، وبه نجيب عن قولهم:(لا مناسبة بين الاتفاق على الحكم، وبين الطريق الذي يحصل المشي فيه).
قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد وجوب متابعتهم في الاستدلال بالدليل الذي لأجله أثبتوا ذلك الحكم):
قلنا: هب أن الأمر كذلك، ولكن لما أمر الله تعالى بإتباع سبيلهم في الاستدلال بدليلهم، ثبت أن كل ما اتفقوا عليه صواب، وأيضًا: فمن أثبت الحكم لدليل، لم يكن متبعًا لغيره.
قوله: (لم قلت: إن لفظة (من) و (المؤمنين) للعموم)؟:
قلنا: لما تقدم في باب العموم.
قوله: (لم قلت: إنه يلزم من حظر إتباع غير سبيلهم وجوب إتباع سبيلهم)؟
قلت: لأنه يفهم في العرف من قول القائل: لا تتبع غير سبيل الصالحين الأمر بمتابعة سبيل الصالحين، حتى لو قال: لا تتبع غير سبيل الصالحين، ولا تتبع سبيلهم أيضًا، لكان ذلك ركيكًا، بلى، لو قال: لا تتبع سبيل غير الصالحين، فإنه لا يفهم منه الأمر بمتابعة سبيلهم، ولذلك لا يستقبح أن يقال: لا تتبع سبيل غير الصالحين، ولا سبيلهم.
وبالجملة: فالفرق معلوم بالضرورة في العرف بين قولنا: (لا تتبع غير سبيل الصالحين) وبين قولنا: (لا تتبع سبيل غير الصالحين).
قوله: (يجب إتباع سبيل المؤمنين في كل الأمور، أو في بعضها):
قلنا: بل في كلها، ولذلك يصح الاستثناء؛ لأنه لما ثبت النهي عن متابعة كل ما هو غير سبيل المؤمنين، وثبت أنه لا واسطة بينها، وبين إتباع سبيل المؤمنين، لزم أن يكون إتباع سبيل المؤمنين واجبًا في كل شيءٍ.
قوله: (يلزم وجوب إتباعهم في فعل المباحات):
قلنا: هب أن هذه الصورة مخصوصة للضرورة التي ذكرتموها، فتبقي حجةً فيما عداها.
قوله: (الناس قبل حصول الإجماع كانوا مجمعين على التوقف في الحكم، وطلب الدليل):
قلنا: الإجماع على ذلك مشروطٌ بألا لا يحصل الاتفاق.
قوله: (عدم الإجماع هو الاختلاف؛ فيلزم أن يكون جواز الاختلاف مشروطًا بوقوع الاختلاف).
قلنا: هب أنه كذلك، فأي محالٍ يلزم منه؟
قوله: (لو جاز أن يكون هذا الإجماع مشروطًا، لجاز مثله في سائر الإجماعات):
قلنا: ذلك جائز، ولكن أهل الإجماع حذفوا هذا الشرط عند حصول الاتفاق على الحكم، ولم يحذفوه عند الاتفاق على جواز الاختلاف.
قوله: (أهل الإجماع أثبتوا ذلك الحكم بغير الإجماع، وإثباته بالإجماع مغاير لسبيل المؤمنين):
قلنا: لما أثبتوا الحكم بدليل سوى الإجماع، فقد فعلوا أمرين:
أحدهما: أنهم أثبتوا ذلك الحكم بدليلٍ.
والآخر: أنهم تمسكوا بغير الإجماع، والآية لما دلت على وجوب متابعتهم في كل الأمور، كانت متناولة للصورتين، إلا أنه ترك العمل بمقتضي الآية في إحدى الصورتين، لانعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الاستدلال بما استدل به أهل الإجماع، فبقي العمل بها في الباقي.
قوله: (إذا قال: اتبع سبيل الصالحين، فهم منه إيجاب إتباع سبيلهم فيما به صاروا صالحين):
قلنا: لا نسلم؛ لأن سبيل الصالح شيء مضاف إلى الصالح، والمضاف إلى الشيء خارج عنه، والصلاح جزء من ماهية الصالح، وداخل فيها، والخارج عن الشيء لا يكون نفس الداخل فيه.
سلمنا، لكن المتابعة في الصلاح ممكنة، أما في الإيمان، فلا؛ لأنه لا يحصل بالتقليد، وقد بينا أن الإتباع هو الإتيان بمثل فعل الغير، لأجل أن ذلك الغير فعله.
قوله: (إذا حملناه على الإيمان، كان ذلك السبيل حاصلا في الحال، ولو حملناه على الإجماع، لم يكن حاصلا في الحال):
قلنا: لما دللنا على أنه لا يجوز حمله على الإيمان، وجب حمله على ذلك.
غايته أنه يفضي إلى المجاز، لكنه مجاز سائغ؛ لن تسمية الشيء باسم ما يئول إليه مشهور.
قوله: (السلطان، إذا قال: (ومن يشاقق وزيري، ويتبع غير سبيل فلانٍ .....) ويعني به المطيعين لذلك الوزير، فهم منه أنه أراد بذلك سبيلهم في طاعته):
قلنا: لا نسلم؛ فإن اللفظ يقتضي العموم، وما ذكرتموه قرينة عرفية، تقتضي الخصوص، والدلالة اللفظية راجحة على القرينة العرفية.
قوله: (المراد إيجاب إتباع كل المؤمنين، أو بعضهم؟):
قلنا: الكل.
قوله: (كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة):
قلنا: هذا مدفوع؛ لوجهين:
الأول: أن جميع المؤمنين هم الذين دخلوا في الوجود؛ لأن المؤمن: هو المتصف بالإيمان، والمتصف بالإيمان يجب أن يكون موجودًا، وما سيوجد في المستقبل، ولم يوجد في الحال، فهو غير موجودٍ.
قوله: (الموجودون في العصر الأول لا يصدق عليهم في العصر الثاني: أنهم كل المؤمنين):
قلنا: لكن لما صدق عليهم في العصر الأول: أنهم كل المؤمنين، وهم في العصر الأول اتفقوا على أنه لا يجوز لأحد من سائر الأعصار مخالفتهم، وجب أن يكون ذلك الحكم منهم صدقًا في العصر الأول، فإذا ثبت في العصر الأول: أن ذلك الحكم حق في كل الأعصار، ثبت ذلك في كل الأعصار؛ غذ لو لم يكن حقًا في العصر الثاني، لما صدق في العصر الأول: أنه حق في كل الأعصار، مع أنا فرضنا أن ذلك حق.
الثاني: أن الله عز وجل علق العقاب على مخالفة كل المؤمنين؛ زجرًا عن مخالفتهم، وترغيبًا في الأخذ بقولهم؛ فلا يجوز أن يكون المراد جميع المؤمنين إلى قيام الساعة؛ لأنه لا فائدة في التمسك بقولهم بعد قيام الساعة.
قوله: (إذا كان المراد من (المؤمنين الموجودين في ذلك العصر، كانت الآية دالةً على أن إجماع الموجودين في وقت نزول الآية حجة):
قلنا: لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى إيجاب إتباع مؤمني ذلك العصر؛ لأن قول المؤمنين حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، إن كان مطابقًا لقوله، كانت الحجة في قوله، لا في قولهم؛ فيصير قولهم لغوًا، ولما بطل ذلك، ثبت أن المراد إيجاب العمل بقول المؤمنين، في أي عصرٍ كان.
قوله: (المراد: كل مؤمني العصر، أو بعضهم؟):
قلنا: ظاهره الكل، إلا ما أخرجه الدليل المنفصل، وهم العوام، والأطفال والمجانين، فبقي غيرهم، وهم جمهور العلماء، داخلا تحت الآية.
قوله: (نحمله على الإمام المعصوم):
قلنا: هذا باطل؛ لأن الوعيد على مخالفة المؤمنين، فحمله على الواحد ترك للظاهر.
قوله: (المراد بالمؤمن: المصدق في الباطن، وهو غير معلوم الوجود):
قلنا: المؤمن في اللغة هو: المصدق باللسان؛ فوجب حمله عليه إلى قيام المعارض.
والذي يدل عليه: أنه تعالى، لما أوجب علينا إتباع سبيلهم، فلابد وأن نكون متمكنين من معرفتهم، والإطلاع على الأحوال الباطنة ممتنع؛ فوجب حمله على التصديق باللسان.
قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد إيجاب اتباع السبيل الذي من شأنه أن يكون سبيلا للمؤمنين)؟:
قلنا: هذا عدول عن الظاهر، من غير ضرورةٍ.
قوله: (هذه الدلالة ظنية، فلا يجوز إثبات الحكم القطعي بها):
قلنا: عندنا أن هذه المسألة ظنية، ولا نسلم انعقاد الإجماع على أنها ليست ظنية.
قوله: (أعظيتم الفرع من القوة ما ليس للأصل):
قلنا: نحن لا نقول بتكفير مخالف الإجماع، ولا بتفسيقه، ولا نقطع أيضًا به؛ وكيف، وهو عندنا ظني؟!
قوله: (هذه الدلالة معارضة بالآيات الدالة على النهي عن الباطل):
قلنا: لا نسلم أن ذلك النهي خطاب مع الكل؛ بل خطاب مع كل واحدٍ منهم، والفرق بين الكل، وبين كل واحدٍ منهم معلوم، ونحن إنما ندعى عصمة الكل، لا عصمة كل واحد.
سلمنا كونه خطابًا للكل لكن؛ النهي لا يقتضي إمكان المنهي عنه من كل وجه؛ لأن الله، عز وجل، ينهي المؤمن عن الكفر، مع علمه بأنه لا يفعله، وما علم أنه لا يوجد، فهو محال الوجود، وأما حديث معاذ: فهو إنما ترك ذكر الإجماع؛ لأنه لا يكون حجةً في زمان حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي): فهو يدل على حصول الشرار في ذلك الوقت، فأما أن يكونوا بأسرهم شرارًا، فلا، وكذا القول في سائر الأحاديث، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:(لا ترجعوا بعدى كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض): ففي صحته كلام.
سلمناه؛ لكن لعله خطاب مع قومٍ مخصوصين.
قوله: (جاز الخطأ على كل واحدٍ، فيجوز على الكل):
قلنا: لا نسلم أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد، والمثال الذي ذكره يدل على أن ذلك قد يكون كذلك، ولا يدل على أنه لابد، وأن يكون كذلك.
سلمنا أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد؛ ولكن عندنا يجوز الخطأ على الكل أيضًا، لكن ليس كل ما جاز وقع، والله - تعالى - لما أخبر عنهم أن ذلك لا يقع، علمنا أنهم لا يتفقون على الخطأ.
قوله: (اتفاقهم: إما أن يكون لدلالة أو لأمارةٍ):
قلنا: لم لا يجوز أن يكون لدلالةٍ إلا أنهم ما نقلوها اكتفاءً منهم بالإجماع؟ فإنه متى حصل الدليل الواحد، كان الثاني غير محتاج إليه، والله أعلم.