الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الخامسة
قال الرازي: إجماع العترة وحدها ليس بحجةٍ؛ خلافًا للزيدية والإمامية
.
لنا: أن عليًا رضي الله عنه، خالفه الصحابة في كثير من المسائل، ولم يقل لأحد ممن خالفه:(إن قولي حجة، فلا تخالفني).
احتجوا بالآية والخبر والمعني:
أما الآية: فقوله تعالى:} إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرًا {[الأحزاب:33]؛ والخطأ رجس؛ فيجب أن يكونوا مطهرين عنه.
وأما الخبر: فقوله عليه الصلاة والسلام: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا: كتاب الله وعترتي).
وأما المعنى: فإن أهل البيت مهبط الوحي، والنبي صلى الله عليه وسلم منهم وفيهم، فالخطأ عليهم أبعد.
والجواب عن الأول: أن ظاهر الآية في أزواجه صلى الله عليه وسلم لأن ما قبلها، وما بعدها خطاب معهن؛ لأنه تعالى قال:} وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولي {[الأحزاب:33] ويجري هذا المجرى قول الواحد لأبنه: (تعلم وأطعني، إنما أريد لك الخير).
ومعلوم أن هذا القول لا يتناول إلا ابنه، فكذا هاهنا.
فإن قلت: هذا باطل من وجوهٍ:
أحدها: أنه لو أرادهن، لقال: إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس.
وثانيها: أن أهل البيت على، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضوان الله عليهم؛ لأنه لما نزلت هذه الآية، لف الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم كساء، وقال:(هؤلاء أهل بيتي).
وثالثها: أن كلمة (إنما) للحصر، فهي تدل على أنه تعالى ما أراد أن يزيل الرجس عن أحد إلا عن أهل البيت؛ وهذا غير جائزٍ؛ لأنه تعالى أراد زوال الرجل عن الكل، وإذا تعذر حمله على ظاهره، وجب حمله على زوال بعض الرجس عنهم؛ لأن ذكر السبب لإرادة المسبب جائز، وزوال الرجس هو العصمة.
فإذن هذه: الآية تدل على عصمة أهل البيت، وكل من قال ذلك، زعم أن المراد به علي، وفاطمة والحسن، والحسين، لا غير، فلو حملناه على غيرهم، كان ذلك قولا ثالثًا.
قلت: الجواب عن الأول: أن التذكير لا يمنع من إرادتهن بالخطاب، وإنما يمنع من القصر عليهن.
وعن الثاني: أنه معارض بما روى عن أم سلمة؛ أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ألست من أهل البيت؟ فقال: بلى، إن شاء الله) ولأن لفظ (أهل البيت) حقيقة فيهن لغةً، فكان تخصيصه ببعض الناس خلاف الأصل.
وعن الثالث: لا نسلم دلالة الآية على زوال كل رجسٍ؛ لأن المفرد المعرف لا يفيد العموم.
والجواب عن التمسك بالخبر: أنه من باب الآحاد؛ وعند الإمامية لا يجوز العمل به؛ فضلا عن العلم.
فإن قلت: بل هو صحيح قطعًا؛ لأن الأمة اتفقت على قبوله، بعضهم للاستدلال به على أن إجماع العترة حجة، وبعضهم للاستدلال به على فضيلتهم.
قلت: قد تقدم أن هذا لا يفيد القطع بالصحة.
سلمنا صحة الخبر؛ لكنه يقتضي وجوب التمسك بالكتاب، والعترة، وذلك مسلم؛ فلم قلتم: إن قول العترة وحدها حجة؟!
والجواب عن التمسك بالمعنى: أنه باطل بزوجاته صلى الله عليه وسلم، فإنهن شاهدن أكثر أحواله، مع أن قولهن ليس وحده بحجةٍ.
المسألة الخامسة
(إجماع العترة)
قال القرافي: قوله: (إن عليا خالفه الصحابة):
قلنا: المدعى إجماع العترة، وعلى وحده ليس إجماعًا.
قوله: (الخطأ رجس):
قلنا: لا نسلم؛ لأن الخطأ ليس لله - تعالى - فيه حكم، بل معفو عنه، كفعل البهيمة.
والرجس في الشرع ما كان مستبعدًا شرعًا، كما تستبعد النجاسة طبعًا، فيكون منهيًا عنه لقوله تعالى:} فأعرضوا عنهم أنهم رجس {[التوبة:95] ونحو ذلك.
قوله: (الآية في أزواجه عليه السلام:
قلنا: (الكاف) و (الميم) لا تكون إلا للمذكر لغة وحقيقة، والأصل في الكلام الحقيقة.
قال ابن عطية في تفسيره: أهل البيت هاهنا اختلف فيهم، فقال ابن عباس وعكرمة ومقاتل:(هم أزواجه خاصةً لا رجل معهن)، والمراد بالبيت: مساكن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الجمهور: أهل البيت: فاطمة، وعلي، والحسن والحسين.
قال عليه السلام: (نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي، وفاطمة، والحسن، والحسين). قال: وحجة الجمهور أن الضمير ضمير تذكير.
وقال الثعلبي: هم بنو هاشم، فيكون المراد بالبيت بيت النسب.
وقاله زيد بن أرقم.
قوله: (كلمة (إنما) للحصر، فتدل على أنه - تعالى - ما أراد أن يزيل
الرجس عن أحد إلا عن أهل البيت، وذلك غير جائز؛ لأنه أراد أن يزيل الرجس عن الكل، وإذا تعذر حمله على ظاهره حمل على زوال بعض الرجس عنهم؛ لأن ذكر السبب لإرادة المسبب جائز.
وزوال الرجس هو العصمة، وكل من قال بالعصمة قال: المراد على، وفاطمة، والحسن، والحسين فقط):
قلنا: هذه الآية مشكلة، فينبغي بسطها قبل الحديث عليها، ووجه إشكالها أن فعل (أراد) يتعدى بنفسه.
تقول: (أردت الخير)، وهاهنا عدى بـ (اللام) أو يكون المفعول محذوفًا، وكلاهما يحتاج لتقرير.
أما تعديته بـ (اللام) فقد وقع له نظائر في القرآن كثيرة.
منها: قوله تعالى:} يريدون ليطفئوا نور الله {[الصف:8]،} بل يريد الإنسان ليفجر أمامه {[القيامة:5].
قال الزمخشري في (الكشاف): دخلت (اللام) للتأكيد؛ لأن اللام إنما تكون في اللغة للغرض.
والغرض الإرادة، فصار بينهما وبين الإرادة مناسبة، فدخلت تأكيدًا للإرادة؛ لأنها في معناها.
والأصل: يريدون أن يطفئوا نور الله.
فحذفت (أن) لأنها لا تثبت مع لام (كي) ونظيرها دخول (اللام) في الإضافة نحو: [الطويل]:
..................... ......... لا أبالك ............
لأن (اللام) في معنى الإضافة، فدخلت تأكيدًا للإضافة، وذلك يتجه هاهنا، ويتجه هاهنا أن يكون المفعول محذوفًا، وتكون (اللام) لام (كي) على بابها من غير تأكيد.
تقديره: إنما يريد الله ذلك.
إشارة إلى ما تقدم من قرارهن في بيوتهن، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وعدم التبرج.
ويكون المراد بالإرادة الشرعية تقديره: إنما شرع لكم هذه المحاسن ليذهب عنكم العيوب، والإرادة تطلق للشرعية كما في قوله تعالى:} يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر {[البقرة:185]، أي يسر لكم ما تطيقون دون المعجوز عنه، كما عبر عن التكليف بالرضا بقوله تعالى:} ولا يرضى لعباده الكفر {[الزمر:7]، أي: لا يشرعه دينًا، وذلك من مجاز الملازمة؛ لأن من شرع شيئًا، فقد أراده ورضيه في العادة، فصار الرضا والإرادة لازمين للشرعية، فعبر بهما عن الشرعية، وكذلك صرح ابن عطية في (تفسيره) بحذف المفعول من قوله تعالى:} بل يريد الإنسان ليفجر أمامه {[القيامة:5]، وبالجملة الآية محتملة للوجهين، إذا تقرر هذا فعلى تقدير أن يكون المفعول محذوفًا، لا تدل الآية على أنه - تعالى - ما أراد إزالة الرجس عن أحد إلا عن أهل البيت، بل تدل على أنه - تعالى - إنما أراد شرعية تلك المحاسن لهذه الحكمة، وأنت إذا قلت:(إنما أعطيتك هذا المال ليتسع حالك) لا تدل على أنك لا توسع على غيره، بل على حصر غرضك في التوسعة عليه، لا أنك لا توسع على غيره، وكذلك إذا قلت: إنما اشتريت هذه السلعة لأربح فيها، لا تدل على أنك تقصد الربح في غيرها، وإن قلنا:(اللام) للتأكيد نقول: تقدير الكلام: إنما يريد الله أن يذهب الرجس عنكم، و (أن) مع الفعل بتأويل المصدر، فيصير التقدير: