الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السادسة
قال الرازي: اختلفوا في نسخ الشيء قبل مضي وقت فعله
.
مثاله: إذا قال الله تعالى لنا صبيحة يومنا: (صلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة) ثم قال عند الظهر: (لا تصلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة) فهذا عندنا جائز، خلافًا للمعتزلة، وكثير من الفقهاء.
لنا: أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل، عليهما السلام ثم نسخ ذلك قبل وقت الذبح.
فإن قيل: لا نسلم أن إبراهيم عليه السلام كان مأمورًا بالذبح، بل لعله كان مأمورًا بمقدمات الذبح من الإضجاع، وأخذ المدية، مع الظن الغالب بكونه مأمورًا بالذبح؛ ولهذا قال:{قد صدقت الرؤيا} ] الصافات: 105 [، ولو كان قد فعل بعض ما أمر به، لكان قد صدق بعض الرؤيا.
فإن قلت: الدليل عليه ثلاثة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر} ] الصافات: 102 [، لا بد وأن يكون عائدًا إلى شيء، والمذكور هاهنا قوله:{أني أذبحك} فوجب صرفه إليه.
وثانيها: قوله تعالى: {إن هذا لهو البلاء المبين} ] الصافات: 106 [، ومقدمات الذبح لا توصف بأنها بلاء مبين.
وثالثها: قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} ] الصافات: 107 [، ولو لم يكن مأمورًا بالذبح، لما احتاج إلى الفداء.
قلت: الجواب عن الأول: أن الرؤيا لا تدل على كونه مأمورًا بذلك، وأما قوله:{افعل ما تؤمر} فإنما يفيد الأمر في المستقبل، فلا ينصرف إلى ما مضى من رؤياه في المنام.
وعن الثاني: أن إضجاع الابن، وأخذ المدية مع غلبة الظن أنه مأمور بالذبح بلاء مبين.
وعن الثالث: أنه إنما فدى بالذبح بسبب ما كان يتوقعه من الأمر بالذبح، سلمنا أنه أمر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نسخ ذلك، وبيانه من وجهين:
الأول: أنه كلما قطع موضعًا من الحلق، وتعداه على غيره وصل الله تعالى ما تقدم قطعه.
فإن قلت: حقيقة الذبح قطع مكان مخصوص تبطل معه الحياة، قلت: بطلان الحياة ليس جزءًا من مسمى الذبح؛ لأنه يقال: قد ذبح هذا الحيوان، وإن لم يمت بعد.
الثاني: قيل: إنه أمر بالذبح، وإن الله تعالى جعل على عنقه صفيحة من حديد، فكان إذا أمرّ إبراهيم عليه السلام السكين، لم يقطع شيئًا من الحلق.
سلمنا سلامة دليلكم؛ لكنه معارض بدليل آخر، وهو: أن ذلك يقتضي كون الشخص الواحد مأمورًا منهيًا عن فعل واحد، في وقت واحد، على وجه واحد، وذلك محال، فالمؤدى إليه محال.
بيان أنه يلزم ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المسألة مفروضة في هذا الموضع، فإنه لما أمر بكرة بركعتين من الصلاة عند غروب الشمس، ثم نهي وقت الظهر عن ركعتين من الصلاة عند غروب الشمس فقد تعلق الأمر والنهي بشيء واحد، في وقت واحد، من وجه واحد؛ حتى لو لم يتحقق شرط من هذه الشرائط، لم تكن هي المسألة التي تنازعنا فيها.
وثانيها: أن قوله: (صلوا عند غيبوبة الشمس) غير موضوع إلا للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لغة وشرعا، وقوله:(لا تصلوا عند غيبوبة الشمس) غير موضوع إلا للنهي عن الصاة في ذلك الوقت لغة وشرعًا.
وثالثها: هو أن النهي لو تعلق بغير ما تعلق به الأمر، لكان لا يخلو: إما أن يكون المنهي عنه أمرًا، يلزم من الانتهاء عنه وقوع الخلل في متعلق الأمر، أو لا يلزم ذلك:
فإن كان الأول: كان المتأخر رافعًا المتقدم استلزامًا، فيلزم توارد الأمر والنهي على شيء واحد، في وقت واحد، من وجه واحد، وإن كان الثاني: لم يكن ذلك هي المسألة التي تنازعنا فيها؛ لأنا توافقنا على أن الأمر بالشيء لا يمنع من النهي عن شيء آخر لا يلزم من الانتهاء عنه الإخلال بذلك المأمور.
بيان أن ذلك محال: أن ذلك الفعل في ذلك الوقت لا بد وأن يكون: إما حسنًا وإما قبيحًا، وكيفما كان. فإما أن يقال: المكلف ما كان عالمًا بحاله، ثم بدا له ذلك؛ فلذلك اختلف الأمر والنهي، وذلك محال؛ لاستحال البداء على الله تعالى.
وإما أن يقال: إنه كان عالمًا بحاله، فيلزم منه: إما الأمر بالقبيح، أو النهي عن الحسن، وذلك أيضًا محال.
والجواب: الدليل على أنه كان مأمورًا بالذبح: أنه لو لم يكن مأمورًا به، بل كان مأمورًا بمجرد المقدمات، وهو قد أتى بتمام تلك المقدمات، فوجب أن يحتاج معها إلى الفدية؛ لأن الآتي بمأمور يجب خروجه عن العهدة، والخارج عن العهدة لا يحتاج إلى الفداء، فحيث وقعت الحاجة إليه، علمنا أنه لم يدخل تمام المأمور به في الوجود.
وهذا هو الجواب عن قوله: كلما قطع موضعًا من الحلق، وتعداه إلى غيره، وصل الله تعالى ما تقدم قطعه؛ لأن على هذا التقدير: يكون كل المأمور به دخلا في الوجود، فوجب ألا يحتاج معه إلى الفداء.
وأما قوله تعالى: {قد صدقت الرؤيا} ] الصافات: 105 [، فغير دال على أنه أتى بكل المأمور به، بل يدل على أنه عليه السلام صدقها وعزم على الإتيان بها، فأما أنه فعلها بتمامها، فليس في الآية دلالة عليه.
قوله: إن الله تعالى جعل على عنقه صفيحة من حديد:
قلنا: إن اعترفتم بأنه كان مأمورًا بنفس الذبح، لم يجز ذلك على قولكم، وإلا فهو تكليف ما لا يطاق.
وإن قلتم: إنه كان مأمورًا بالمقدمات، فهو عود إلى السؤال الأول.
وأما المعارضة فالجواب عنها من وجهين:
الأول: وهو الذي يحسم المنازعة أنها مبنية على القول بالحسن والقبح، ونحن لا نقول به.
الثاني: سلمنا ذلك، ولكنا نقول: كما يحسن الأمر بالشيء، والنهي عن الشيء، لحكمة تتولد من المأمور به، والمنهي عنه، فقد يحسنان أيضًا لحكمة تتولد من نفس الأمر والنهي؛ فإن السيد قد يقول لعبده: اذهب إلى القرية غدًا راجلًا، ويكون غرضه من ذلك حصول الرياضة له في الحال، وعزمه على أداء ذلك الفعل، وتوطين النفس عليه، مع علمه بأنه سيرفع عنه غدًا ذلك التكليف.
وإذا ثبت هذا، فنقول: الأمر بالفعل إنما يحسن إذا كان المأمور به منشأ المصلحة، والأمر به أيضًا منشأ المصلحة.
فأما إذا كان المأمور به منشأ المصلحة، لكن الأمر به لا يكون منشأ المصلحة، لم يكن الأمر به حسنًا، وعند هذا يظهر الجواب عما قالوه؛ لأنه حين أمر بالفعل كان المأمور به منشأ المصلحة، وكان الأمر به أيضًا منشأ المصلحة؛ فلا جرم حسن الأمر به.
وفي الوقت الثاني، بقي المأمور به منشأ المصلحة، لكن ما بقي الأمر به منشأ المصلحة؛ فلا جرم حسن النهي عنه.
فإن قلت: لما بقي الفعل منشأ المصلحة، كما كان، فالنهي عنه يكون منعًا عن منشأ المصلحة، وذلك غير جائز.
قلت: إنه يكفي في المنع عن الشيء اشتماله على جهة واحدة من جهات المفسدة، فهاهنا المأمور به، وإن بقي منشأ المصلحة، إلا أن الأمر به، والحث عليه لما صار منشأ المفسدة، كان الأمر به - وإن كان حسنًا نظرًا - إلى المأمور به، لكنه قبيح؛ نظرًا إلى نفس الأمر، وذلك كاف في قبحه، والله أعلم.