الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة العاشرة
قال الرازي: الخبر: إما أن يكون خبرًا عما لا يجوز تغيره
؛ كقولنا: العالم محدث، وذلك لا يتطرق إليه النسخ، أو عما يجوز تغيره، وهو: إما أن يكون ماضيًا، أو مستقبلا، والمستقبل: إما أن يكون وعدًا أو وعيدًا، أو خبرًا عن حكم؛ كالخبر عن وجوب الحج، ويجوز النسخ في الكل، وقال أبو علي وأبو هاشم: لا يجوز النسخ في شيء منه، وهو قول أكثر المتقدمين.
لنا: أن الخبر، إذا كان عن أمر ماض؛ كقوله:(عمرت نوحًا ألف سنة) جاز أن يبين من بعده: أنه أراد ألف سنة إلا خمسين عامًا، وإن كان خبرًا مستقبلا، وكان وعدًا، أو وعيدًا، كقوله:(لأعذبن الزاني أبدًا) فيجوز أن يبين من بعد: أنه أراد ألف سنة، وإن كان خبرًا عن حكم الفعل في المستقبل، كان الخبر كالأمر في تناوله للأوقات المستقبلة، فيصح إطلاق الكل مع أن المراد بعض ما تناوله بموضوعه، فثبت أن حكم النسخ في الخبر كهو في الأمر.
احتجوا بوجهين:
الأول: أن دخول النسخ في الخبر، يوهم أنه كان كاذبًا.
والثاني: أنه لو جاز نسخ الخبر، لجاز أن يقول:(أهلك الله عادًا) ثم يقول: (ما أهلكهم) ومعلوم أنه لو قال ذلك، كان كذبًا.
والجواب عن الأول: أن دخول النسخ على الأمر يوهم البداء أيضًا، فإن قالوا: لا يوهم؛ لأن النهي إنما دل على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت، قلنا:
وهاهنا أيضًا لا يوهم الكذب؛ لأن الناسخ يدل على أن الخبر ما تناول تلك الصورة.
وعن الثاني: أن إهلاكهم غير متكرر؛ لأنهم لا يهلكون إلا مرة واحدة فقط، فقوله:"ما أهلكهم" رفع لتلك المرة، فيلزم الكذب، وأما إن أراد بقوله:"ما أهلكهم" أنه ما أهلك بعضهم، كان ذلك تخصيصًا بالأشخاص، لا بالأزمان، فلم يكن نسخًا، والله أعلم.
المسالة العاشرة
يجوز نسخ الخبر
قال القرافي: قال سيف الدين: إما أن ينسخ نفس الخبر، أو مدلوله، أو ثمرته، والأول إما أن ينسخ تكليفًا به بأن نكلف بأن نخبر بشيء، فينسخ عنا التكليف بذلك الإخبار، أو تلاوته، وكلاهما جائز عند من يجيز النسخ بالإتفاق منهم، كان ما نسخت تلاوته ماضيًا، أو مستقبلا، كان المخبر عنه مما يقبل التغيير أم لا، كالوحدانية، وكفر زيد؛ لأن ذلك كله من الأحكام الشرعية، فجاز أن يكون مصلحة في وقت مفسدة في وقت، لكن هل يجوز، نسخ تكليفنا بالغخبار عما لا يتغير بتكليفنا بالإخبار به بنقيضه؟ ومنعه المعتزلة؛ لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح.
وعندنا: يجوز التكليف بالإخبار بنقيض الحق.
وإن كان النسخ لمدلول الخبر، وفائدته، فلذلك المدلول إن امتنع تغييره كحدوث العالم، فنسخه محال إجماعًا، أو يقبل التغيير، فقال القاضي أبو بكر، والجبائي، وأبو هاشم، وجماعة من المتكلمين، والفقهاء: يمتنع رفعه، كان ماضيًا كالإخبار عن كفر زيد، أو مستقبلًا، ووعدًا، أو وعيدًا، أو حكمًا
شرعيًا، وجوزه أبو عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري.
ومنهم من فصّل فمنع في الماضي، وجوزه في المستقبل.
قال: والمختار جوازه ماضيًا، أو مستقبلًا إذا كان مما يتكرر، والخبر عام فيه، فتبين أن الناسخ إخراج ما لم يتناوله اللفظ.
قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) عن أبي بكر الدقّاق الشافعي: يمتنع نسخ الخبر، وإن كان عن حكم شرعي نحو:{يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] نظر اللفظة، فيتحصل في المسألة اربعة أقوال:
المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والتفرقة بين الماضي والمستقبل، والفرق بين الإخبار عن الحكم الشرعي وغيره.
قوله: "يجوز نسخ الخبر عما يجوز تغييره، ماضيًا كان، أو مستقبلًا، أو عن حكم شرعي كقوله تعالى: عمرت نوحًا ألف سنة، فيجوز أن يبين بعد ذلك أنها ألف إلا خمسين عامًا".
قلنا: عليه ثلاثة أسئلة:
الأول: تفرقتكم بين ما لا يجوز تغييره كحدوث العالم، وما يجوز تغييره كالتعمير وغيره من الممكنات، غير متجه؛ لأن الممكن وإن جاز تغييره بالنظر إلى ذاته، لكنه لأجل خبر الله تعالى يصير واجبًا لغيره؛ والواجب لغيره يستحيل رفعه، وليس لأحد أن يقول: يجوز تغييره ورفعه؛ لحصول الفرق بينه وبين الواجب لذاته، كما أن المستحيل لغيره لا يمكن أحد أن يجوز رفعه لحصول الفرق بينه وبين المستحيل لذاته، وإذا جوزتم ذلك في الواجب لأجل الخبر، يلزمكم أن تجوزوا أن الله تعالى إذا علم وجود
شيء لا يلزم أن يقع، بل يجوز عدمه في الوقت الذي علم وجوده، أو علم عدمه أو يجوزوا وجوده في الوقت الذي علم عدمه؛ لأنه لا فرق بين الوجوب المعتبر باعتبار الخبر، أو باعتبار العلم، لكن خلاف المعلوم متفق على عدم تجوزوا، فكذلك خلاف الخبر الثاني أن الله تعالى إذا قال: عمرته ألف سنة، فإما أن يستعمل اللفظ ابتداءً في الألف ن ويكون واقعه أو لا يكون الواقع إلا الأقل، فإن كان الأول كان البناء بعد ذلك محالًا غير مطابق، وهو على الله تعالى محال.
وإن كان الثاني لزم أن يكون لفظ العدد يقبل المجاز، والمنقول أن اسماء الأعداد نصوص لا تقبل المجاز.
الثالث: سلمنا صحة ذلك جميعه، لكن يكون ذلك من باب المجاز والحقيقة، والنسخ إنما هو فيما إذا استعمل اللفظ حقيقة في شيء، ثم نسخ، كما أوجب عاشوراء، وأراد باللفظ ظاهره، ثم نسخه، فالحق المقطوع به الذي لا يتجه غيره أن النسخ في الخبر محال، إلا أن يكون خبرًا عن حكم؛ فإن الخبر عن الحكم يجوز نسخه، كلفظ الأمر، هذا إذا كان متعلق ثبوت الحكم في المستقبل مثل قوله تعالى:{ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97].
أما لو أخبر عن ثبوت حكم في الماضي بأن يقول: أوجبت على بني إسرائيل خمسين صلاة، فإن هذا لا يجوز نسخه؛ لأنه يلزم منه الخلف المستحيل على الله تعالى كالإخبار عن حدث العالم بأنه قديم، ولا فرق.
قوله: "وإن كان خبرًا عن مستقبل كقوله: (لأعذبن الزاني ابدًا) يجوز أن يبين أن عذابه ألف سنة".
قلنا ك هذا صحيح، لكنه يرجع إلى إطلاق العام، وإرادة الخاص، فهذا ليس من باب النسخ في شيء، بل هذا من باب المجاز والحقيقة.
ولذلك قلنا: العام يدخله التخصيص ما لم يعمل به، فيصير نسخًا؛ لأنه يتعين أنه ليس من باب المجاز، بل اللفظ حينئذ مستعمل في غير موضوعه، فتغييره نسخ.
فهذه المثل كلها غرور لا حجة فيها، بل الحق استحالة النسخ في الخبر المحض.
قوله: "دخول النسخ في الأمر يوجب البداء".
قلنا: بل الله تعالى عالم بغاية الحكم المنسوخ من قبل أن يشرعه، فلابداء، لأن البدء هو الظهور بعد الخفاء لقوله تعالى:{وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} [الزمر: 47]{ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] أي: ظهر، وذلك إنما يكون مع الجهل، والله تعالى بكل شيء عليم، فالبداء في حقه محال، والنسخ يوهمه؛ لأنه عالم بغاية الحكم قبل شرعيته.
وأما نسخ الخبر، فيلزم منه الخلف قطعًا كما تقدم بيانه.
وأما قولكم: إن نسخ الخبر يبين أن تلك الصورة غير مرادة بذلك الخبر فهو مجاز، وليس من باب النسخ في شيء؛ لأن النسخ هو رفع الشيء بعد أن تحققت فيه إرادة المتكلم بالإجماع، سواء فسرناه بالرفع، أو بالانتهاء؛ فإن المنتهى ثبتت إرادته باعتبار الزمن الماضي.
أما ما لم يرد أصلًا، فكيف يصح أن يكون فيه نسخ، وإنما ذلك من باب المجاز الصرف.
قوله: "إهلاك عاد لا يتكرر".
قلنا: وإذا كان الفعل مما يتكرر يئول أمره للتخصيص، وقد بينا أنه ليس بنسخ، فإذا سلمتم ذلك فيما لا يتكرر، فقد سلمتم؛ لأن الإرداة حينئذ موجودة هنالك، وهو موضع النزاع.
أما ما لم يتصف بالإرادة أصلًا، فلا نزاع فيه، وليس كل التخصيص في الأزمان نسخًا على القول بأن النسخ تخصيص في الأزمان؛ لأن لنا عمومات في الأزمان كالعمومات في الأشخاص، كقولنا: الأيام، والليالي، والأزمنة، والدهور؛ فإن (الألف واللام) تعم ما دخلت عليه، كان أشخاصًا أو أزمنة، ويدخل التخصيص في عموم الأزمنة، ولا يكون نسخًا، فإذا قال الحالف:(والله لا كلمته في جميع الأيام)، واراد أيامًا مخصوصة كان ذلك تخصيصًا، وصحت نيته في ذلك، ولا يقول أحد: هو نسخ، وإن كان تخصيصًا في الأزمان، والكذب في الخبر لا يتوقف على كون المخبر عنه متكررا، أو غير متكرر، بل إذا قال الرجل:(رايت إخوتك)، وصمت جميع أيام الشهر، وأراد حقيقة اللفظ وعمومه، ولم يكن الواقع كذلك كان كذبًا قطعًا، ولا يخاصه أنه يقول: أردت النسخ والإبطال فيما قلته، وذلك معلوم بالضرورة.