الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة
قال الرازي: إذا استدل أهل العصر بدليلٍ، أو ذكروا تأويلا، ثم استدل أهل العصر الثاني بدليل آخر، أو ذكروا تأويلا آخر، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز إبطال التأويل القديم
؛ لأنه لو كان ذلك باطلا، وكانوا ذاهلين عن التأويل الجديد الذي هو الحق، لكانوا مطبقين على الخطأ؛ وهو غير جائزٍ.
وأما التأويل الجديد: فإن لزم من ثبوته القدح في التأويل القديم، لم يصح، كما إذا اتفقوا على تفسير اللفظ المشترك بأحد معنييه، ثم جاء من بعدهم، وفسره بمعناه الثاني، لم يجز ذلك؛ لأنا قد دللنا على أن اللفظ الواحد لا يجوز استعماله لإفادة معنييه جميعًا، فصحة هذا التأويل الجديد تقتضي فساد القديم؛ وأنه غير جائزٍ.
أو يقال: إنه تعالى تكلم بتلك اللفظة مرتين؛ وهو باطل؛ لانعقاد الإجماع على ضده.
وأما إذا لم يلزم من صحة التأويل الجديد فساد التأويل القديم، جاز ذلك، والدليل عليه: أن الناس يستخرجون في كل عصرٍ أدلةً، وتأويلاتٍ جديدة، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا.
وللمانع أن يحتج بأمورٍ:
أولها: أن الدليل الجديد مغاير لسبيل المؤمنين؛ فوجب أن يكون محظورًا؛ لقوله تعالى:} ويتبع غير سبيل المؤمنين {[النساء:115].
وثانيها: أن قوله تعالى:} كنتم خير أمةٍ {[آل عمران:110] خطاب مشافهة؛ فلا يتناول إلا أهل العصر الأول.
ثم قوله:} تأمرون بالمعروف {[آل عمران:110] يقتضي كونهم آمرين بكل معروفٍ، فكل ما لم يأمروا به، ولم يذكروه، وجب ألا يكون معروفًا؛ فكان منكرًا.
وثالثها: أن الدليل الثاني، والتأويل الثاني لو كان صحيحًا لما جاز ذهول الصحابة مع تقدمهم في العلم - عنه.
والجواب عن الأول: أن قوله:} ويتبع غير سبيل المؤمنين {[النساء:115] خرج مخرج الذم، فيختص بمن اتبع ما نفاه المؤمنون؛ لأن ما لم يتكلم فيه المؤمنون بنفيٍ، ولا بإثباتٍ، لا يقال فيه: إنه إتباع لغير سبيل المؤمنين.
وأيضًا: فالحكم بفساد ذلك الدليل ما كان سبيلا للمؤمنين؛ فوجب كونه باطلا.
وعن الثاني: أن قوله:} وتنهون عن المنكر {[آل عمران: 110] يقتضي نهيهم عن كل المنكرات، فكل ما لم ينهوا عنه، وجب ألا يكون منكرًا؛ لكنهم ما نهوا عن هذا الدليل الجديد؛ فوجب ألا يكون منكرًا.
وعن الثالث: أنه لا استبعاد في أنهم اكتفوا بالدليل الواحد، والتأويل الواحد، وتركوا طلب الزيادة، والله أعلم.
المسألة الثالثة
(إذا ذكر أهل العصر تأويلا)
قال القرافي: قوله: (قد دللنا على أنه لا يجوز استعمال المشترك في معنييه):
قلنا: وقد تقدم تقرير ضده أيضًا، وهو مذهب الشافعي ومالكٍ، وجماعة عظيمة من العلماء.
فإذا فرعنا عليه جاز أن يفسره العصر الأول بأحد المعنيين المرادين للمتكلم، ولا يخطر لهم الآخر؛ لأنهم لم يكلفوا به لعدم حضور سببه، وإنما حضر سبب ما فسروه به، والأمة يجوز عليها أن تشترك في الجهل فيما لم تكلف به، وإنما المحذور الجهل بما كلفت به، أو تفتى بخلاف الواقع.
أما ترك الواقع مع عدم التكليف، فلا يقدح في العصمة؛ فإنه ليس من لوازم العصمة الإحاطة بجميع المعلومات.
ولما جاء العصر الثاني حضر سبب المعني الآخر، فألهمه الله - تعالى - للعصر الثاني، وأعرضوا عن الأول، لانعدام سببه.
فتتجه حينئذ المسألة، وقد ذكرت آخر كتاب الإجماع مباحث من هذه المسألة عن القاضي عبد الوهاب تناسب هذه المسألة، فلتطالع من هناك.
* * *