الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الرابع
فيما يصدر عنه الإجماع
قال الرازي:
المسألة الأولي: لا يجوز حصول الإجماع إلا عن دلالةٍ، أو أمارةٍ، وقال قوم: يجوز صدوره عن التبخيت
.
لنا: أن القول في الدين بغير دلالةٍ، أو أمارةٍ خطأ؛ فلو اتفقوا عليه، لكانوا مجمعين على الخطأ؛ وذلك يقدح في الإجماع.
احتج المخالف بأمرين:
الأول: أنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن دليلٍ، لكان ذلك الدليل هو الحجة، ولا يبقي في الإجماع فائدة.
الثاني: أن الإجماع لا عن الدلالة، ولا عن الأمارة قد وقع؛ كإجماعهم على بيع المراضاة وأجرة الحمام.
والجواب عن الأول: أن ذلك يقتضي ألا يصدر الإجماع عن دلالةٍ، لا عن أمارةٍ ألبتة، وأنتم لا تقولون به.
ولأن فائدة الإجماع: أنه يكشف عن وجود دليلٍ في المسألة، من غير حاجةٍ إلى معرفة ذلك الدليل، والبحث عن كيفية دلالته على المدلول.
وعن الثاني: أن الصور التي ذكرتموها، غايتكم أن تقولوا: لم ينقل إلينا فيها دليل، ولا أمارة، ولا يمكنكم القطع بأنهما ما كانا موجودين؛ فلعلهما كانا موجودين، لكن تركوا نقلهما للاستغناء بالإجماع عنهما.
القسم الرابع
فيما عنه يصدر الإجماع
قال القرافي: قوله: (يجوز صدوره عن التبخيت):
قلت: هذه اللفظة اختلفت تأويلات الناس لها، ونقلتها في أنواع التصحيف.
فقال سراج الدين: (لا يجوز صدور الإجماع عن الشبهة)، ففسرها بالشبهة، كأنه رأي أن معناها (التبحيت) بالحاء المهملة، ولا شك أن هذا مشكل؛ لأن الأمارة تصيب وتخطئ، وهو قد قال: لا يجوز صدور الإجماع عن غير دلالة وأمارة، فجعل محل النزاع فيما عدا الأمارة، مع أن الشبهة هي أمارة تحتمل الصواب والخطأ.
هذا ما على هذا التفسير، ويعضد هذا التفسير قول المصنف بعد هذا في الجواب:(يلزم صدور الإجماع لا عن دلالة، ولا عن أمارة، وأنتم لا تقولون به)، فجعل قولهم لا يخرج عن الأمارة، وهو مناقض لما قاله في أول المسالة.
وقال سيف الدين في (الإحكام): اتفق الكل على أن الأمة لا تجمع إلا عن مأخذ يوجب اجتماعهم خلافًا لمن شذ.
فقال: يجوز الإجماع توفيق لا توقيف، بأن يوفقهم الله - تعالى - لاختيار الصواب من غير مستند، فصرح بما تقتضي الحاء المعجمة.
وقال أبو الحسين في (المعتمد): (لا تجتمع الأمة تبخيتًا) كلفظ
المصنف، غير أنه قال بعده:(وأجازه قوم بالتوفيق لا بالتوقيف)، فكان المصنف، والله أعلم اقتصر على لفظه الأول دون الثاني، فدخله التصحيف والتحريف، وكذلك اقتصر عليه القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص).
وقال: (لا يجوز إجماعهم لغير مدرك شرعي بالتبخيت)، وقال ابن برهان في (الأوسط): قال: جماعة من المتكلمين: يجوز أن يجمعوا لغير مستندٍ، بل يوفقهم الله - تعالى - للصدق والصواب.
قوله: (القول في الدين بغير دلالة، أو أمارة خطأ9:
قلنا: لا نسلم؛ لأن مذهب الخصم أن الله - تعالى - وفقهم للصواب، فلا خطأ حينئذ.
قوله: (لو كان الإجماع عن دليل لم يبق فيه فائدة):
قلنا: لا نسلم، بل الإجماع يكون قطعيًا، والمستند الذي لهم لا يفيد القطع، فحصلت الفائدة؛ ولأن الناس لم يزالوا يستدلون على المطلب الواحد بعدة أدلة، كان عقليًا، أو نقليًا، فلا يلزم من حصول دليل امتناع دليل آخر، هو الإجماع أو غيره، ثم إنه منقوض بقول الرسول عليه السلام؛ فإنه لا يقول ما نقوله إلا عن دليل، وهو حجة بالاتفاق.
قوله: (ولأنهم أجمعوا لا عن دليل كبيع المراضاة، وأجرة الحمام):
وزاد سيف الدين في هذه الحجة: ناصب الحباب على الطريق، وأجره الحلاق، وأخذ الخراج، ولم يذكر بيع المرضاة.
وقال أبو الحسين في (المعتمد): أجمعوا على بيع المراضاة من غير عقد، والاستبضاع، وأجره الحمام، وأخذ الخراج، وأخذ زكاة من الخيل.
ثم قال: والجواب أن كل ذلك ما وقع إلا عن دليل، وإن لم ينقل، وأما الاستبضاع فقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكره، وتقريره عليه السلام دليل، وبيع المراضاة جرت العادة به في الأخذ والإعطاء، وذلك يجري مجرى القول، وكذلك أجرة الحمام مقدرة بالعادة.
وأما قسمة أراضي (العراق) فللإمام التصرف بحسب المصلحة، ولهذا لم يقسم عليه السلام منازل (مكة)، ولا آبار (هوازن)، وأما أخذ الزكاة من الخيل فغير مجمع عليه؛ ولأن من أوجبها بلغة حديث فيها.
قلت: بيع المراضاة لا إجماع فيه؛ لأنه بيع المعاطاة، والشافعي وجماعة من العلماء يمنعونه، فلا إجماع حينئذ، ونصب الحباب من المعروف، فيدل عليه قوله تعالى:} وافعلوا الخير {[الحج:77]، ونحوه، وهو كثير في الكتاب والسنة.
* * *
............................................................................