الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسالة السادسة
(في النسخ قبل مضي الوقت)
قال القرافي: قلت: المسائل في هذا المعنى أربع:
إحداهن: إن توقت الفعل بزمان مستقبل، فينسخ قبل حضوره.
وثانيتهن: أن يؤمر به على الفور، فينسخ قبل الشروع فيه.
وثالثتهن: أن يشرع فيه، فينسخ قبل كماله.
ورابعتهن: إذا كان الفعل يتكرر، ففعل مرارًا، ثم نسخ، فإن الثلاثة الأول في الفعل الواحد غير المتكرر.
أما الرابعة: فوافقنا عليها المعتزلة لحصول مصلحة الفعل بتلك المرات الواقعة في الأزمنة الماضية، ومنه نسخ القبلة وغيرها، ومنعوا قبل الوقت وقبل الشروع لعدم حصول المصلحة من الفعل، وترك المصلحة عندهم يمنعه قاعدة الحسن والقبح، والنقل في هاتين المسألتين في هذا الموضع قد نقله المصنف.
وأما بعد الشروع وقبل الكمال، فلم أر فيه نقلًا، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ مطلقًا فيه وفي غيره، ومقتضى مذهب المعتزلة ما أنا ذاكره من التفصيل، لا المنع مطلقًا، ولا الجواز مطلقًا؛ فإن الفعل الواحد قد لا يحصّل مصلحته إلا باستيفاء أجزائه كذبح الحيوان، وإنقاذ الغريق؛ فإن مجرد قطع الجلد لا يحصل مقصود الذكاة من إخراج الفضلات، وزهوق الروح على وجه السهولة، وإيصال الغريق إلى قريب الشط، وتركه هنالك لا يحفظ عليه حياته، بل يموت بقرب الشط، كما يموت في لجة البحر،
وقد تكون مصلحته متوزعة على أجزاء كسقي العطشان، وإطعام الجوعان، وكسوة العريان؛ فإن كل جزء من ذلك يحصل جزءًا من الريّ، أو الشبع، أو الستر، ففي القسم الأول مقتضى مذهبهم المنع لعدم حصول المصلحة.
وفي الثاني: الجواز لحصول بعض المصلحة المحسنة للأمر، وخروجه عن العبث بذلك، كما انعقد الإجماع على حسن النهي عن القطرة الواحدة من الخمر مع أن الإسكار لا يحصل إلا بعدة من القطرات، لكنه لا يتعين له بعضها دون بعضها، بل هو متوزع عليها، فكذلك هاهنا، وتنزل الأخرى منزلة الجزئيات.
(المسألة الرابعة)
فكما لا يمتنع النسخ، وإن فاتت المصلحة في الجزئيات المستقبلة، واكتفى بحصولها في الجزئيات الماضية، كذلك يكتفى ببعض الأجزاء، غير أن هاهنا فرقًا أمكن ملاحظته، وهو أن المصلحة في الجزئيات الماضية مصالح تامة أمكن أن يقصدها العقلاء قصدًا كليًا دائمًا بخلاف جزء المصلحة في نقطة الماء ولبابة الخبز ونحوهما فإن القصد إليها نادر، مع هذا الفرق أمكن أن يقولوا بالمنع في هذا القسم مطلقًا من غير تفصيل، إذا تقرر هذا، فأقول: المصنف رحمه الله فهرس المسألة بقوله: (قبل مضي الوقت) وذلك يحتمل الأقسام الثلاثة الأول، ثم مثلها بما إذا أمرنا أول النهار بركعتين عند غروب الشمس، ونسختا عند الزوال، وهذا التمثيل بعين المسألة الأولى، ثم استدل في المسالة بذبح إسماعيل عليه السلام وهو من المسألة الثانية؛ فإن ذبح إسحق عليه السلام لم يجعل له وقت مستقبل، فلم يطابق دليله تمثيله، ولا مقصوده المسألة، بل كان ينبغي له أن يفرض كل مسألة وحدها، بل وقع البحث غير ملخص، متدافعًا.
قوله: "لنا: أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل عليهما السلام".
قلنا: حكى جماعة من العلماء أن الصحيح عند العلماء أن الذبيح هو إسحق عليه السلام لا إسماعيل، واستدلوا على ذلك بأمور،
.................................................
.............................................
وأجابوا عن قوله عليه السلام: (أنا ابن الذبيحين) وليس هذا موضعه؛ لأنها مسألة أخرى غير ما نحن فيه.
قوله: "إن قوله تعالى: {افعل ما تؤمر}] الصافات: 102 [ينصرف للمستقبل دون رؤياه".
قلنا لو كان ما ذكرتموه المراد لكان حيدة منه عليه السلام عن الإجابة والموافقة؛ فإنه أذن وأمر بغير ما عنه أخبر، فإنه أخبر به في المنام وهو أمر بمستقبل، وذلك ينافي ما أجمع عليه المسلمون من مدحه عليه السلام بالصبر، وينافي أيضًا منصبه، وجلالته في نفسه، وثناء الله تعالى عليه بذلك، بل يتعين أن يكون الفعل المضارع هاهنا عبّر به عن الحالة المستمرة