الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
قال الرازي: أكثر العلماء اتفقوا على أن أمثال هذه الأخبار قد تفيد العلم
، سواء أكان إخبارا عن أمور جديدة في زماننا؛ كالإخبار عند البلدان الغائبة، أو عن أمور ماضية؛ كالإخبار عن وجود الأنبياء والملوك الذين كانوا في القرون الماضية.
وحكى عن السمنية: أن خبر التواتر عن الأمور الموجودة في زماننا لا يفيد العلم اليقيني ألبتة، بل الحاصل منه الظن الغالب القوي.
ومنهم: من سلم أن خبر التواتر عن الأمور الموجودة في زماننا يفيد العلم؛ لكن الخبر عن الأمور الماضية في القرون الحالية لا يفيد العلم ألبتة.
لنا: أنا نجد أنفسنا جازمة ساكنة بوجود البلاد الغائبة، والأشخاص الماضية؛ جزما خاليا عن التردد، جاريا مجرى جزمنا بوجود المشاهدات، فيكون المنكر لها كالمنكر للمشاهدات؛ فلا يستحق المكالمة.
فال الخصم: أنا لا ننكر وجود الظن الغالب القوي الذي لا يكاد يتميز عند الأكثرين عن اليقين التام، لكن الكلام في أنه، هل حصل اليقين أو لا؟! والذي يدل على انه الحاصل ليس بيقين وجهان.
الأول: أنا إذا عرضنا على عقولنا أن الواحد نصف الاثنين، وعرضنا على عقولنا وجود جالينوس وفلان وفلان، عند هذه الأخبار المتواترة، وجدنا الجزم الأول أقوى وآكد من الجزم الثاني، وقيام التفاوت يدل على احتمال تطرق
النقيض إلى الاعتقاد الثاني، وقيام هذا الاحتمال فيه، كيف كان، يخرجه عن كونه يقينا.
الثاني: أن جزمي بوجود هذه المخبرات ليس أقوى من جزمي بأن ولدي الذي أراه في هذه الساعة هو الذي رأيته بالأمس، ثم هذا الجزم ليس بيقين؛ لأنه يجوز أن يوجد شخص مساو لولدي، في الشخص والصورة من كل الوجوه؛ إما لأن القادر المختار خلقه، أو لأن شيئا من التشكلات الفلكية يقتضي وجوده عند منكري القادر؛ فثبت أن هذا الجزم ليس بيقين، بل ظن، فكذلك الجزم الحاصل عقيب خبر التواتر.
فإن قلت: لو جوزنا أن يكون هذا الشخص الذي أراه الآن غير الذي رأيته بالأمس أدى ذلك إلى الشك في المشاهدات.
قوله: (لعل القادر خلق مثله، أو الشكل الغريب الفلكي اقتضاه):
قلنا: بل هاهنا قام برهان مانع منه؛ وهو أن الله تعالى لو فعل ذلك، لأفضى إلى اشتباه الشخص؛ وذلك تلبيس، وهو على الله تعالى محال.
قلنا: لا نسلم أن تجويزه يفضي إلى الشك في المشاهدات؛ لأن المشاهد هو وجود هذا الذي أراه الآن، فإما أن هذا هو الذي رأيته بالأمس، فهو غير مشاهد؛ فلا يلزم من تطرق الشك إلى هذا المعنى تطرقه إلى المشاهدات.
وأما البرهان الذي ذكره على امتناع هذا الاحتمال: فلا يدفع الإلزام؛ لأن هذا الجزم لو كان بناء على ذلك البرهان، لكان الجاهل بذلك البرهان خالياً عن
ذلك الجزم؛ لكن العوام لا يعرفون هذا البرهان؛ فيجب ألا يحصل لهم ذلك الجزم.
والجواب: أن هذا تشكيك في الضروريات، فلا يستحق الجواب، كما أن شبه منكري المشاهدات لا تستحق الجواب؛ لمثل هذا السبب.
المسألة الثانية
(التواتر يفيد العلم)
قال القرافي: قوله: (قيام التفاوت بين الجزمين يدل على احتمال تطرق النقيض):
قلنا: نحن نجد بالضرورة التفاوت بين الجزم يكون الواحد نصف الاثنين، وبين المشاهدات وجميع الحسيات، ومع ذلك فاليقين حاصل في الكل، فعلمنا أن التفاوت لا يخل باليقين، وهي مسألة خلاف بين العلماء: هل العلوم تقبل التفاوت أم لا؟
وكذلك قال أهل الحق: رؤية الله- تعالى- عبارة عن خلق علم به- تعالى- هو أخلق من مطلق العلم، نسبته إليه كنسبة إدراك الحس إلى الحسيات، وكذلك في سماع كلامه النفساني سبحانه وتعالى، وهذه عقائد لا تتأتى على القول بتفاوت العلوم، ووقعت هذه المسألة من أفضل الدين الخونجي، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، واختار الشيخ عز الدين عدم التفاوت، وأفضل الدين التفاوت،
قوله: (يجوز أن الله- تعالى- خلق مثل ولدي من كل الوجوه، فلا يحصل الجزم):
قلنا: الاحتمالات العقلية لا تخل بالعلوم العادية، والعلوم العادية يقين