الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بقوله فيه: " على وجه لولاه لكان ثابتا " وهذا إنما يحسن على القول بالرفع.
قلت: يحتمل قوله " على وجه لولاه لكان ثابتا " في الذهن والاعتقاد في نفس الامر، وهذا لا يناقض، وقد تقدم تقريره هناك.
قال النقشواني: ومثال النسخ وغيره في الإجارة، والبيع، والوقف، فالإجارة: معلومة الانتهاء، فهو كقوله تعالى:{ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]، والوقف: لا يقبل الرفع أصلا، فهو كالإجارة المتأبدة التي لا تنسخ؛ كالعقائد ونحوها، والبيع: هو نقيض دوام الملك في نفس الأمر؛ حتى يطرأ عليه عقد رافع، أو إقالة ونحوه، فهذا هو مثال النسخ.
قلت: هذا التمثيل يحسن باعتبار الاعتقاد، ولا نزاع فيه، ولا يحسن باعتبار الدوام في نفس الأمر؛ لورود سؤال العلم، والخبر في انقلابهما على تقدير النسخ.
(تنبيه)
قال سراج الدين: " لا نسلم عدم الأولوية؛ إذ العلة التامة لعدم الشيء تنافي وجوده، وبالعكس
، ولولا الأولوية، لامتنع حدوث العلى التامة لعدم أو وجود ".
يريد أن من جملة تمامها انتفاء جميع الموانع، وحوصل جميع الشروط، ثم قال:" وعن الثاني: لا نسلم أنه مشروط، ولا يلزم من منافاة الشيء لغيره كون وجوده مشروطا بزواله؛ كالعلة مع عدم المعلول ".
يريد أن عدم المعلول ينافيها؛ لاقتضائها وجوده، وليس عدم المعلول شرطا في العلة، بل اجنبى عنها، ثم قال:" وعن الثالث: أن إثبات العدم ليس إعدام المعدوم؛ كما أن إثبات الموجود ليس اتحاد موجود ".
يريد أن إثبات الوجود هو تحصيل الوجود، وذلك هو أول أزمنة الحدوث، وليس فيه تحصيل الحاصل؛ لأن من شرط تحصيل الحاصل بعد ذلك الزمان، وهو هاهنا متحد؛ كما تقدم بسطه، فكذلك إثبات العدم هو تحصيل العدم في أول أزمنة تحققه، فلا يلزم تحصيل الحاصل في الموضعين.
وقال التبريزي: حقيقة النسخ الرفع؛ خلافا للأستاذ، وإمام الحرمين، والمصنف، وجماعة المعتزلة، ولكل معتمد.
قال: أما مستند غير المعتزلة، فما تقدم، وأما مستند المعتزلة، فهو أن الرفع يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد في الزمن الواحد حسنا قبيحا، مصلحة مفسدة، مأمورا منهيا، ويلزم منه البداء والكل محال.
ثم قال: لنا أن الخطاب الأول، إذا استقل بإفادة دوام الحكم على القطع، فلولا الخطاب الثاني، لنفى الحكم، ودام، فإذا انقطع عند نزوله، تعين إسناد الإيقاع إليه، لا إلى عدم صلاحية البقاء، وقصور دلالة الخطاب الأول، وهذا هو الذي يعني بالرفع، فنسبة الرفع المرفوع من الرفع؛ كنسبة المكسور من الكسر، والمفسوخ من الفسخ، ولا شك أنا ندرك تفرقة بين بطلان الآنية؛ لتفرق أجزائها؛ بالاختلال، وتناهي قوة البقاء، وبين بطلانها بإبطال تأليفها بالكسر، وكذلك الفرق بين زوال ملك المبيع؛ لهلاكه، وبين زواله؛ لورود الفسخ على المبيع.
وقول المصنف: " الكلام قديم ".
قلنا: المرتفع ليس هو الكلام؛ بل الحكم، وليس الحكم هو الكلام، بل الثابت بالكلام.
قال: وعند هذا نقول: ينبغي للمحصل ألا يغفل عن مقاصد العلماء في مجاري الإطلاق؛ لئلا يزل بمداحض الاشتراك اللفظي، فيعلم بأنهم، وإن قالوا في حد الحكم في مواضع:" إنه الخطاب المتعلق بكذا " فلا يعنون بالحكم المنسوخ هذه الحقيقة المنقسمة إلى الوجوب، وما يقاسمه، وما ينقسم إليه، وهو حالة شرعية مستفادة من خطاب الشرع، تجري من الفعل مجرى الأوصاف ترجع إلى اعتبار ذهني، أو إضافة محضة، ولهذا نقول: نسخ وجوب كذا، ويشهد له أن القديم، كما لا يرتفع، لا ينعدم، ولا ينقطع، ولا يتصور له ابتداء وانتهاء، وقد اختلفوا في هذا النسخ؛ أنه بيان لمدة الحكم، ولو كان الحكم قديما، لاستحال أن يكون له مده منتهية، وما ذكره المصنف من تعذر إضافة الرفع إلى الطارئ ونسبتها بالحقائق، فلا تحقيق له؛ فإن الحكم وضعي يقبل الرفع كما في الشاهد، والرافع هو الله تعالى، وإنما إشكاله في حق الله تعالى من حيث إنه يوهم البدء، وسنجيب عنه.
وقول المعتزلة مبني على التحسين والتقبيح، وقد ابطلناه، وإن أرادوا الأمر والنهي، وأرادوا لزوم اجتماعهما، فليس كذلك؛ فغن عند تعلق الأمر، والنهي، وارادوا لزوم اجتماعهما، فليس كذلك؛ فإن عند تعلق الأمر، بطل تعلق النهي، وإن اراداوا أن ما كان مأمورا، يصير بعينه منهيا في ذلك الزمان، فمسلم؛ لكن لا نسلم أنه محال؛ لأنه مذهبنا.
قلت: وعليه مناقشات:
الأولى: قوله: " إنه أفاد الدوام على القطع، فلولا الخطاب الثاني، لدام الحكم ".
قلنا: لو حصل القطع بالدوام، لاستحال النسخ، وإلا لم يكن القطع قطعا، بل إنما يجوز النسخ، إذا كان الدوام غير قطعي، ففي زمانه عليه السلام لا يحصل القطع بالدوام؛ لإنكار نزول الوحي، وإنما حصل
القطع بالدوام بعد وفاته عليه السلام، لا جرم، استحال النسخ، فالجمع بين القطع بالدوام، وورود النسخ متعذر، فإن أراد انا نقطع بالدوام، لولا الناسخ، سلمناه؛ باعتبار الاعتقاد، لا باعتبار نفس الامر؛ لأن عندنا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فيجوز عندنا تكليف ما لا يطاق، وأن تنتهي مده الحكم، ولا يثبتها الله تعالى، وكذلك نقول في الكسر مع الانكسار في الآنية: إنه إنما يشبه النسخ؛ باعتبار الاعتقاد، لا باعتبار نفس الأمر، بل باعتبار نفس الأمر يمنع الشبه حينئذ؛ لأن الحكم عندنا في نفس الأمر مغيا بغاية معينة، وكذلك الملك في البيع، إنما يشبه بالنسخ؛ باعتبار الاعتقاد.
فقوله: " لا نعني بالرفع إلا هذا إن أراد باعتبار الاعتقاد ارتفع الخلاف بيننا وبينه، وإن اراد باعتبار نفس الأمر، منعناه.
الثانية: على قوله: " ليس الحكم هو الكلام، ومراد العلماء بالحكم في الحد غير مرادهم بالحكم هاهنا؛ لقولهم هاهنا: إن المرفوع هو حكم خطاب سابق، فجعلوا الخطاب دليل الحكم، لا جنسه الأعم ".
قلنا: هذا غير متجه؛ فإن مرادهم بالخطاب في الحد الكلام القديم، ومرادهم بالخطاب هاهنا دليل الحكم، وهذا لا ينافي قولهم: " إن الكلام القديم يستحيل رفعه، وأن الحكم هو الكلام هنا؛ باعتبار القديم، لا باعتبار الحادث الذي هو دليل الحكم، فهو رحمه الله أخذ يحذرنا من الاغترار بالاشتراك اللفظي، واغتر هو به في عين المسألة؛ فإنه توهم أن الحكم لفظ مشترك، وإنما وهمنا، فاعتقدنا أحد المعنيين، وهو عين المعنى الآخر، وليس كذلك، بل لفظ الخطاب مشترك، وهو انتقل من أحدهما إلى الآخر، ولم يشعر، فحذرنا من الوهم، فوقع فيه.
الثالثة: على قوله: " الحكم القابل للنسخ المنقسم للوجوب وغيره، وهو حالة شرعية، إلى قوله: " يرجع إلى اعتبار ذهني ".
قلنا: حاصل كلامكم يرجع إلى تفسير الحكم بالتعلق، والتعلق وحده لا يمكن أن يكون حكما، بل لابد من اعتبار المتعلق، فإن تعلقا بغير متعلق محال، وإذا أخذتم المتعلق، فهو الكلام القديم أو اللساني.
والثاني: محال؛ لأنه دليل الوجوب، وجميع الأحكام، لا نفس الأحكام؛ فتعين القديم، وهو معنى قول الجماعة: إن حكم الله تعالى هو الكلام القديم، أي القديم المتعلق تعلقا خاصا يغاير تعلق الخبر وغيره، وعندهم هذا المتعلق كان معينا في نفس الأمر، مستمرا في الاعتقاد، فهذا الكلام لا يبطل ما قاله الجاماعة، ولا يرد عليهم.
الرابعة: على قولهم: " القديم لا يتصور له انتهاء ".
قلنا: لا نسلم أن القديم لا يتصور له انتهاء، وإنما يلزم ذلك أن لو كان الحكم القديم هو كله لجميع اعتباراته وجوديا، وليس كذلك؛ لأن الحكم عندنا مركب من مفهومين:
أحدهما: الكلام القديم، وهو وجودي، والآخر التعلق، وهو نسبة عدمية، وهي قديمة، فالمجموع قديم، ولأجل كونه قديما باعتبار أجزائه، صح ارتفاعه، وأن يكون له غاية، امتنع عندنا الرعفا؛ لأجل العلم والخبر، وما يلزم فيهما من المحال، فاستحال بغيره، بقى كونه فعيا ونفيا قلنا به لتعينه.
وقال تاج الدين: " صورة المسألة بمثال، وهو نفس المسألة، وذكر مباحث الأعراض ".
فقوله: " وهو نفس المسألة " لم يقله الإمام، بل حوم عليه، فيكون ورود الإشكال على تاج الدين أتم، وإنما قال في (المحصول):" المثال الكاشف عن حقيقة المسألة " وقد يكشف عنها، ولا يكون عينها، ولا مساويا لها؛ فإن الأدلة مع المدلولات، والصنعة مع صانعها، كذلك مع عدم المساواة، فهذا التصريح أوجه في تحقيق الغلط، وأبعد عن الغلط.