الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السابعة
قال الرازي: انقراض العصر غير معتبرٍ عندنا في الإجماع؛ خلافًا لبعض الفقهاء والمتكلمين، منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك
.
لنا: قوله تعالى:} وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا {[البقرة:143] وصفهم بالخيرية، وإجماعهم لا على الصواب يقدح في وصفهم بالخيرية.
وأيضًا: فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على الخطأ) ينافي إجماعهم على الخطأ، ولو في لحظةٍ واحدةٍ.
ومما تمسكوا به في المسألة: أنا لو اعتبرنا الانقراض، لم ينعقد إجماع؛ لأنه قد حدث من التابعين في زمن الصحابة قوم من أهل الاجتهاد، فيجوز لهم مخالفة الصحابة؛ لأن العصر لم ينقرض، ثم الكلام في العصر الثاني كالكلام في العصر الأول؛ فوجب ألا يستقر إجماع أبدًا.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المعتبر انقراض عصر من كان مجتهدًا عند حدوث الحادثة، لا من يتجدد بعد ذلك. فلا يلزم اعتبار عصر التابعين، إذا حدث فيهم مجتهد بعد حدوث الحادثة؟
قلت: بتقدير أن يحدث في التابعين واحد من أهل الاجتهاد قبل انقراض عصر من كان مجتهدًا، عند حدوث الحادثة من الصحابة، ففي ذلك الوقت إجماع الصحابة غير منعقد؛ فوجب أن يجوز للتابعي مخالفتهم، وكذلك يحدث في تابعي التابعين قبل انقراض عصر من كان مجتهدًا من التابعين، وهلم جرا إلى زماننا؛ فيلزم ألا ينعقد الإجماع على ذلك التقدير.
ثم إنا نجوز هذا الاحتمال في كل الإجماعات، ولا نعلم عدمه؛ فوجب ألا ينعقد شيء من الإجماعات.
واحتج المخالف بأمورٍ:
أحدها: أن عليًا رضي الله عنه، سئل عن بيع أمهات الأولاد، فقال:(قد كان، رأيي، ورأي عمر ألا يبعن، ثم رأيت بيعهن).
فقال له عبيدة السلماني: (رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك)؛ فدل قول عبيدة على أن الإجماع كان حاصلا، مع أن عليًا رضي الله عنه خالفه.
وثانيها: أن الصديق كان يرى التسوية في القسم، ولم يخالفه أحد في زمانه، ثم خالفه عمر بعد ذلك.
وثالثها: أن الناس ما داموا في الحياة يكونون في التفحص والتأمل؛ فلا يستقر الإجماع.
ورابعها: قوله تعالى:} لتكونوا شهداء على الناس {[البقرة:143] ومذهبكم يقتضي أن يكونوا شهداء على أنفسهم أيضًا.
وخامسها: أن قول المجمعين لا يزيد على قول النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم شرطًا في استقرار الحجة من قوله؛ فلأن يعتبر ذلك في قول أهل الإجماع أولى.
والجواب عن الأول: أن قول السلماني: (رأيك في الجماعة) دل على أن المنع من بيعهن كان رأي جماعةٍ، ولم يدل على أنه كان رأي كل الأمة، وإنما أراد أن ينضم قول علي إلى قول عمر، رضي الله عنهما؛ لأنه رجح قول الأكثر على قول الأقل.
وعن الثاني: أنا لا نسلم انعقاد الإجماع على فعل أبي بكرٍ، رضي الله عنه، بل نقل أن عمر رضي الله عنه، نازعه فيه.
وعن الثالث: أنهم إن أرادوا بنفي الاستقرار أنه لا يحصل الاتفاق، فهو باطل؛ لأن كلامنا في أنه لو حصل، لكان حجةً، وإن أرادوا به أنه بعد حصوله لا يكون حجةً فهو عين النزاع.
وعن الرابع: أن كونهم:} شهداء على الناس {[البقرة:143] لا ينافي شهادتهم على أنفسهم.
وعن الخامس: أنه جمع بين الموضعين من غير دليلٍ، وبالله التوفيق.
المسألة السابعة
انقراض العصر غير معتبرٍ
قال القرافي: (فائدة)
(فورك) قال المحدثون: الصحيح فيه ضم الفاء.
قوله: (وصفهم بالخيرية؛ لقوله تعالى:} وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا {[البقرة:143] ينافي إجماعهم على الخطأ):
قلنا: قد تقدمت الأسئلة عليه، في أن الإجماع حجةً، وتوجيه التمسك بهذه النصوص على عدم اشتراط انقراض العصر.
أن اشتراطه إنما كان لاحتمال الرجوع قبل الانقراض عن الخطأ، فإذا كان قولهم صوابًا بظاهر النصوص، استحال الرجوع عنه، فلا معنى لاشتراط الانقراض، والمراد هاهنا بانقراض العصر موت المجمعين، لا انقراض تلك المائة من السنين.