الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة
قال الرازي: إذا اتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، كان ذلك إجماعًا، لا تجوز مخالفته
؛ خلافًا لكثيرٍ من المتكلمين، وكثيرٍ من فقهاء الشافعية والحنفية.
لنا: أن ما أجمع عليه أهل العصر الثاني سبيل المؤمنين، فيجب إتباعه؛ لقوله عز وجل:} ويتبع غير سبيل المؤمنين {[النساء:115] ولأنه إجماع حدث بعد ما لم يكن، فيكون حجةً؛ كما إذا حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التفكر.
واعلم أن هذا المقيس عليه ينقض على المخالف أكثر أدلته.
احتجوا بأمورٍ:
أحدها: قوله عز وجل:} فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول {[النساء:59] أوجب الرد إلى كتاب الله تعالى عند التنازع، وهو حاصل؛ لأن حصول الاتفاق في الحال لا ينافي ما تقدم من الاختلاف؛ فوجب فيه الرد إلى كتاب الله تعالى.
وثانيها: قوله صلى الله عليه وسلم: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ظاهره يقتضي جواز الأخذ بقول كل واحدٍ من الصحابة، ولم يفصل بين ما يكون بعده إجماع، أو لا يكون.
وثالثها: أن في ضمن اختلاف أهل العصر الأول الاتفاق على جواز الأخذ بأيهما أريد، فلو انعقد إجماع في العصر الثاني، لتدافع الإجماعان.
ورابعها: لو كان قولهم، إذا اتفقوا بعد الاختلاف حجةً، لكان قول إحدى الطائفتين، إذا ماتت الأخرى حجة، وفيه كون قولهم حجةً بالموت.
وخامسها: لو كان اتفاق أهل العصر الثاني حجةً، لكانوا قد صاروا إليه؛ لدليلٍ، وذلك باطل؛ لأنه لو وجد ذلك الدليل، لما خفي على أهل العصر الأول.
وسادسها: أن أهل العصر الثاني بعض الأمة؛ فلا يكون اتفاقهم وحدهم إجماعًا.
وسابعها: أنه قد ثبت أن أهل العصر الأول، إذا اختلفوا على قولين، لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالثٍ؛ وأهل العصر الأول، لما اختلفوا لم يكن القطع بذلك الحكم قولا لواحدٍ منهم؛ فيكون القطع بذلك إحداثًا لقولٍ ثالثٍ، وإنه غير جائزٍ.
وثامنها: أن الصحابة - في الحادثة التي اختلفوا فيها - كالأحياء؛ ألا ترى أنه تحفظ في ذلك أقوالهم، ويحتج لها وعليها. وإذا لم ينعقد الإجماع مع تلك الأقوال حال حياة القائلين بها، وجب أيضًا ألا ينعقد حال وفاتهم.
وتاسعها: أن هذا الإجماع لو كان حجةً، لوجب ترك القول الآخر، ولكان إذا حكم به حاكم، ثم انعقد الإجماع على خلافه، وجب نقضه؛ لكونه واقعًا على مضادة دليلٍ قاطعٍ، لكن ذلك باطل؛ لأن أهل العصر الأول اتفقوا على نفوذ هذا القضاء، فنقضه يكون على خلاف الإجماع.
الجواب عن الأول: أن التعلق بالإجماع رد إلى الله والرسول، ولأن أهل
العصر الثاني، إذا اتفقوا، فهم ليسوا بمتنازعين، فلم يجب عليهم الرد إلى كتاب الله؟ لأن المعلق بالشرط عدم عند عدم شرطه.
وعن الثاني: أنه مخصوص بتوقف الصحابة في الحكم حال الاستدلال، مع أنه لا يجوز الاقتداء به في ذلك بعد انعقاد الإجماع؛ فوجب تخصيص محل النزاع عنه، والجامع ما تقدم.
وعن الثالث: ما مر غيره مرةٍ: أن ذلك الإجماع مشروط، ثم أنه منقوض باتفاقهم حال الاستدلال على التوقف، وتجويز الأخذ بأي قولٍ ساق الدليل إليه.
ولأنكم إذا جوزتم ألا يكون اتفاق أهل العصر الثاني حجة؛ فلم لا يجوز ألا يكون اتفاق أهل العصر الأول حجةً؟ إذ ليس أحد الاتفاقين أولى من الآخر؟! وإذا لم يكن الاتفاق الأول حجةً، لم يلزم من حصول الاتفاق الثاني ما ذكرتموه من المحذور؛ فثبت أن هذه الحجة متناقضة.
وعن الرابع: أنا نتبين بموت إحدى الطائفتين أن قول الطائفة الأخرى حجة؛ لاندراج قولهم تحت أدلة الإجماع، لا أن الموت نفسه هو الحجة.
وعن الخامس: أنه لا يجوز أن يخفى ذلك الدليل على كلهم، لكن يجوز حفاؤه على بعضهم.
عن السادس: أنه لو كان أهل العصر الثاني بعض الأمة، لوجب ألا يكون اتفاقهم الذي لا يكون مسبوقًا بالخلاف حجةً؛ وهذا يقتضي ألا يكون الحجة إجماع الصحابة فقط، بل إجماع الذين كانوا موجودين عند ظهور أدلة الإجماع، وهذا القائل لا يقول بهذه المذاهب.
وعن السابع: أنه لا يجوز إحداث قول ثالث، إذا كان الإجماع منعقدًا على عدم جوازه مطلقًا، أما إذا كان مشروطًا بشرطٍ، جاز ذلك عند عدم ذلك الشرط؛ كما ذكرنا أنهم حال الاستدلال مطبقون على جواز التوقف، وعدم القطع، مع أن ذلك لا ينافي اتفاقهم على القطع بعده.
وعن الثامن: قوله: (أقوال الصحابة باقية بعد وفاتهم)؛ إن عني بذلك: كونها مانعةً من انعقاد الإجماع، فهذا عين النزاع.
وإن عني به: علمنا بأنهم ذكروا هذه الأقوال، فلم قلت: إن ذلك ينفي انعقاد الإجماع؟ وإن عنيتم ثالثًا، فبينوه.
وعن التاسع: أنا لا ننقض ذلك الحكم؛ لأنه صار مقطوعًا به في زمان عدم هذا الإجماع، ونحن إنما ننقض الحكم الذي حكم به القاضي، إذا وقع ذلك الحكم في زمن قيام الدلالة القاطعة على فساده، والله أعلم.
المسألة الرابعة
إذا اتفق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول
قال القرافي: قوله: (لأنه إجماع حدث بعد ما لم يكن، فيكون حجةً، كما إذا حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التفكر):
قلنا: عليه أسئلة:
الأول: أن هذا قياس، وهو أضعف من الإجماع، فيلزم إثبات الإجماع بالقياس الأضعف منه.
الثاني: سلمنا أن القياس ليس أضعف، لكن لا نسلم أن القياس الشبهي شرعه الشرع حجة إلا في الفروع.
أما في قواعد أصول الفقه فلم قلتم: إن هذا القياس الشبهي شرعه الشرع حجة فيها؟
الثالث: سلمنا صحة التمسك بالقياس في قواعد الأصول، لكن الفارق أن في هذه المسألة صرح فيها بعض الأئمة، أو سطرها بقول مجزوم به بعد نظر معتبر، وبذلك جهدٍ ممن هو أهل للاجتهاد، فكان ظاهره الحق بخلاف مهلة النظر، لم يصرح فيها أحد بشيء.
فلم يتقدم حق نلاحظه بعد ذلك لاسيما إذا قلنا: إن قول الميت معتبر.
فالقائل في العصر الأول بالقول المتروك في العصر الثاني في تقدير كونه حيًا موجودًا، ولو كان موجودًا ما انعقد الإجماع بدونه، فكذلك إذا مات.
قوله: (حصول الاتفاق في الحال لا ينافي ما تقدم من الاختلاف):
تقريره: أن الآية في قوله تعالى:} فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله {[النساء:59]، وهذا الحكم المجمع عليه في العصر الثاني كان متنازعًا فيه
في العصر الأول، فيرد إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، إن دل منهما شيء عليه، ولا يتعين إتباع العصر الثاني فيه.
قوله: (أهل العصر الثاني ليسوا متنازعين حتى يتعين الرد إلى الله - تعالى - وإلى رسوله).
قلنا: الشرط في الآية إنما هو حصول المنازعة، وهذا الشرط قد حصل، فيترتب عليه التكليف بالرد إلى الله - تعالى - وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وحصول الاتفاق بعد ذلك لا ينافي حصوله بعد ذلك، كما إذا قال السيد لعبده: إن خالفتني فأنت حر، وأمره، فخالف عتق وإن حصلت منه الموافقة بعد ذلك في كثير من الأوامر.
قوله: (في قوله عليه السلام: (أصحابي كالنجوم): خص عنه توقف الصحابة في الحكم حال الاستدلال، مع أنه لا يجوز الاقتداء بهم في ذلك بعد انعقاد الإجماع):
قلنا: يرد عليه سؤالان:
الأول: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والتوقف في الاستدلال، وعدم التوقف حالتان لا يعمهما اللفظ، إذا بطل التعميم بطل التخصيص.
الثاني: سلمنا العموم، لكن مقصود الخصم حاصل؛ لأنه لا يلزم من تخصيص العموم بصورة ألا يكون حجة في صورة النزاع؛ لأن الأصل التمسك بالعموم بحسب الإمكان.
* * *