الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
716 - مسألة؛ قال: (فإِنْ كَانَ العَيْبُ دَخِيلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ الصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدًا)
يعنى إذا وَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَهُ مَغْشُوشًا بِغِشٍّ من غيرِ جِنْسِه، فيَنْظُرُ فيه؛ فإن كان الصَّرْفُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فهو فاسِدٌ؛ لما أسْلَفْناهُ. وإن كان بغير عَيْنٍ (1)، وعَلِمَ ذلك فى المَجْلِسِ، فرَدَّهُ، وأخَذَ بَدَلَهُ، فَالصَّرْفُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه عَيْنُ (2) المَعْقودِ عليه. وإنِ افْتَرَقا قَبْلَ رَدِّهِ، فَالصَّرْفُ فيه فاسِدٌ أيضًا؛ لأنَّهما تَفَرَّقا قبل قَبْضِ المَعْقودِ عليه، ولم يَقْبِضْ ما يَصْلُحُ عِوَضًا عن المَعْقودِ عليه. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقيل عن أحمدَ: إنَّه إذا أخَذَ البَدَلَ فى مَجْلِسِ الرَّدِّ، لم يَبْطُلْ، كما لو كان العَيْبُ من جِنْسِه. وهذا فيما إذا لم يَكُنْ مُشْتَرِى المَعيبِ عَالِمًا بِعَيْبِه، فأمَّا إن عَلِمَ بِعَيْبِه، فَاشْتَراهُ على ذلك، والعَيْبُ من جِنْسِه، جازَ، ولا خِيارَ له، ولا بَدَلَ. وإن كان من غير جِنْسِه، وكان الصَّرْفُ ذَهَبًا بِذَهَبٍ، أو فِضَّةً بِمِثْلِها، فالصَّرْفُ فيه فاسِدٌ؛ لأنَّه يُخِلُ بالتَّمَاثُلِ، إلَّا أن يَبيعَ ذَهَبًا أو فِضَّةً مَغْشُوشًا بمثلِ غِشِّهِ، كَبَيْعِه دِينَارًا صُورِيًّا بمثلِه، مع عِلْمِه بِتَساوِى غِشِّهما، وقد ذَكَرْنا أنَّ الظَّاهِرَ جَوازُه. وإن باعَ مَغْشوشًا بغيرِ مَغْشوشٍ، لم يَجُزْ، إلَّا أن يكونَ لِلْغِشِّ قِيمَةٌ، فيُخَرَّجُ على مسأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. وإن كانَ الصَّرْفُ فى جِنْسَيْنِ، كذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، انْبَنَى على إنْفاقِ المَغْشوشَةِ.
فصل:
وفى إِنْفاقِ المَغْشوشِ من النُّقودِ رِوايَتانِ؛ أظْهَرُهما، الجَوازُ، نَقَلَ صالِحٌ عنه فى دراهمَ يقال لها المُسَيَّبِيَّةُ، عامَّتُها نُحاسٌ إلَّا شَيْئًا فيها فِضَّةٌ، فقال: إذا كان شَيْئًا اصْطَلَحوا عليه، مثلَ الفُلُوسِ، واصْطَلَحوا عليها، فأَرْجو ألَّا يكونَ بها بَأْسٌ. والثانيةُ، التَّحْريمُ، نَقَلَ حنبلٌ فى دراهمَ يُخْلَطُ فيها مَشٌّ (3) ونُحاسٌ يُشْتَرَى بها ويُباعُ، فلا يَجوزُ أن يَبْتاعَ بها أحَدٌ. كلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ الغِشِّ فالشِّراءُ به
(1) فى الأصل: "عينه".
(2)
فى الأصل: "غير".
(3)
المش: الخلط.
والبَيْعُ حَرامٌ. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: إن كان الغِشُّ ممَّا لا قِيمَةَ له، جازَ الشِّراءُ بها، وإن كان (4) ممَّا له قِيمَةٌ، ففى جَوَازِ إِنْفاقِها وَجْهانِ، واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفاقَ المَغْشوشَةِ بقَولِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"(5). وبأَنَّ عمرَ -رَضِىَ اللهُ عنه- نَهَى عن بَيْعِ نُفايَةِ بَيْتِ المالِ. ولأنَّ المَقْصودَ فيه مَجْهولٌ، أشْبَهَ تُرابَ الصَّاغَةِ، والأوْلَى أن يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ فى الجَوازِ على الخُصوصِ فيما ظَهَرَ غِشُّهُ، واصْطُلِحَ عليه، فإنَّ المُعامَلَةَ به جائِزَةٌ، إذ ليس فيه أكْثَرُ من اشْتِمالِه على جِنْسَيْنِ لا غَرَرَ فيهما، فلا يَمْنَعُ من بَيْعِهِمَا، كما لو كانا مُتَمَيِّزَيْنِ. ولأنَّ هذا مُسْتَفيضٌ فى الأعْصارِ، جَارٍ بينهم من غيرِ نَكيرٍ، وفى تحريمِهِ مَشَقَّةٌ وضَرَرٌ، وليس شِراؤُه بها غِشًّا لِلْمُسْلِمينَ، ولا تَغْريرًا لهم، والمَقْصودُ منها ظاهِرٌ مَرْئىٌّ مَعْلُومٌ، بخِلَافِ تُرابِ الصَّاغَةِ. ورِوايَةُ المَنْعِ مَحْمولَةٌ على ما يَخْفَى غِشُّه، ويَقَعُ اللَّبْسُ به، فإنَّ ذلك يُفْضى إلى التَّغْريرِ بالمُسْلِمينَ، وقد أشارَ أحمدُ إلى هذا فى رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عنده دراهمُ زُيُوفٌ، ما يَصْنَعُ بها؟ قال: يَسْبِكُها. قيل له: فَيَبيعُها بِدنانيرَ؟ قال: لا. قيل: يَبيعُها بِفُلوسٍ؟ قال: لا. قيل فبِسِلْعَةٍ؟ قال: لا، إنِّى أخافُ أن يَغُرَّ بها مُسْلِمًا. قيل لأبى عبدِ اللهِ: أيَتَصَدَّقُ بها؟ قال: إنِّى أخافُ أن يَغُرَّ بها مُسْلِمًا. وقال: ما يَنْبَغِى له؛ لأنَّه يَغُرُّ بها المُسْلِمينَ، ولا أقول إنَّه حَرَامٌ؛ لأنَّه على تَأْويلٍ، وذلك إنَّما كَرِهْتُه؛ لأنَّه يَغُرُّ بها مُسْلِمًا. فقد صَرَّحَ بأنَّه إنَّما كَرِهَهُ لما فيه من التَّغْريرِ
(4) فى م زيادة: "من".
(5)
أخرجه مسلم، فى: باب قول النبى صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 99. وأبو داود، فى: باب فى النهى عن الغش، من كتاب البيوع. سنن أبى داود 2/ 244. والترمذى، فى: باب ما جاء فى كراهية الغش فى البيوع، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذى 6/ 55. وابن ماجه، فى: باب النهى عن الغش، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 749. والدارمى، فى: باب فى النهى عن الغش، من كتات البيوع. سنن الدارمى 2/ 248. والإمام أحمد، فى: المسند 2/ 50، 242، 417، 3/ 466، 4/ 45.