الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَيْعُه إلَّا أنْ يَبِيعَ الظّاهِرَ منه، بِشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ. وبذلك قال الشّافِعِيُّ. وَرُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ وعَطاءٍ. ورَخَّصَ مالِكٌ في أنْ يَشْتَرِىَ جَزَّتَيْنِ، وثلاثًا. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما في الأرضِ منه مَسْتُورٌ، وما يَحْدُثُ منه مَعْدُومٌ، فلا يجوزُ بَيْعُه، كما لا يجوزُ بَيْعُ ما يَحْدُثُ مِن الثَّمَرَةِ. فإذا ثَبَتَ هذا، فمتى اشْتَراها قَبْلُ (1)، لم يَجُزْ له إبقاؤها؛ لأنَّ ما لم يَظهَرْ منها أعيانٌ لم يَتَناوَلْها البَيْعُ، فيكونُ ذلك للبائِعِ إذا ظَهَرَ، فَيُفْضِى إلى اخْتِلاطِ المَبِيعِ بغيرِه، والثَّمَرَةُ بخلافِ ذلك. فإنْ أَخَّرَها حتى طَالَتْ (2)، فالحُكْمُ فيها كالثَّمَرةِ إذا اشْتَراها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ثم تَرَكَها حتى بدا صلاحُها.
فصل:
وإنِ اشْتَرَى قَصِيلًا مِن شَعِيرٍ، ونحوِه، فقَطَعَه، ثم عادَ فَنَبَتَ، فهو لصاحِبِ الأرضِ؛ لأنّ المُشْتَرِىَ تَرَكَ الأصلَ على سَبيلِ الرَّفْضِ لها، فسَقَطَ حَقُّه منها، كما يَسْقُطُ حَقُّ صاحِبِ الزَّرْعِ مِن السَّنابِلِ التى يُخَلِّفُها، ولذلك أُبِيحَ لِكُلِّ أحَدٍ (3) الْتِقاطُها. ولو سَقَطَ مِن الزَّرْعِ حَبٌّ، ثم نَبَتَ من العامِ المُقْبِلِ، فهو لصاحِبِ الأرضِ. نَصَّ أحمدُ على هاتَيْنِ المَسْأَلَتَيْنِ. وممَّا يُؤَكِّدُ ما قُلنا؛ أنّ البائِعَ لو أرادَ التَّصَرُّفَ في أرضِه، بَعْدَ فَصْلِ الزَّرْعِ، بما يُفْسِدُ الأُصُولَ ويَقْلَعُها، كان له ذلك، ولم يَمْلِكِ المُشْتَرِى مَنْعَه منه. ولو كان الباقى مُسْتَحَقًّا له، لمَلَكَ (4) مَنْعَه منه.
728 - مسألة؛ قال: (وَالْحَصَادُ عَلَى الْمُشْتَرِى. فَإنْ شَرَطَهُ عَلَى البَائِعِ بَطَلَ الْبَيْعُ)
الكلامُ في هذه المَسْأَلَةِ في فَصْلَيْنِ؛
الأوَّلُ، أنّ مَنِ اشْتَرَى زَرْعًا، أو جَزَّةً من الرَّطْبَةِ ونَحْوِها، أو ثَمَرَةً في أُصُولِها،
(1) سقط من: الأصل.
(2)
في الأصل: "طالب".
(3)
سقط من: م.
(4)
في الأصل: "ملك".
فإنّ حَصادَ الزَّرْعِ، وجَذَّ الرَّطْبَةِ، وجَزازَ الثَّمَرَةِ، وقَطْعَهَا، على المُشْتَرِى؛ لأنّ نَقْلَ المَبِيعِ، وتَفْرِيغَ مِلْكِ البائِعِ منه على المُشْتَرِى، كنَقْلِ الطَّعامِ المَبِيعِ من دارِ البائِعِ. ويُفارِقُ الكَيْلَ، والوَزْنَ، فإنَّهما على البائِعِ؛ لأنَّهما مِن مُؤْنَةِ التَّسْلِيمِ إلى المُشْتَرِى، والتَّسْلِيمُ على البائِعِ، وهاهُنا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بالتَّخْلِيَةِ بدُونِ القَطْعِ، بِدَلِيلِ جوازِ بَيْعِها، والتَّصَرُّفِ فيها. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشّافِعِيِّ. ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا.
الفصلُ الثَّانى، إذا شَرَطَه على البائِعِ، فاخْتَلَفَ أصحابُنا؛ فقال الخِرَقِيُّ: يَبْطُلُ البَيْعُ. وقال ابنُ أبى مُوسَى: لا يجوزُ. وقيلَ: يجوزُ. فإنْ قُلْنا: لا يجوزُ. فهل يَبْطُلُ البَيْعُ لِبُطلانِ الشَّرْطِ؟ على رِوايَتَيْنِ. وقال القاضى: المذهبُ جوازُ الشَّرْطِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ، وأبو بَكْرٍ. ولم (1) أجِدْ هذا الذى ذَكَرَه الخِرَقِيُّ رِوايَةً في المذهبِ. واخْتَلَفَ أصحابُ الشَّافِعِيِّ أيضًا؛ فقال بعضُهم: إذا شَرَطَ الحَصادَ على البائِعِ فَسَدَ البَيْعُ، قولًا واحِدًا. وقال بعضُهم: يَكُونُ على قَوْلَيْنِ. فَمن أفْسَدَه (2) قال: لا يَصِحُّ لثلاثةِ مَعَانٍ؛ أحَدُها، أنَّه شَرَطَ العَمَلَ في الزَّرْعِ قبلَ أنْ يَمْلِكَه. والثَّاني، أنَّه شَرَطَ ما لا يَقْتَضِيه العَقْدُ. والثّالثُ، أنَّه شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ؛ لأنَّ معنى ذلك تَسْلِيمُه مَقْطُوعًا. ومَن أجازَه قال: هذا بَيْعٌ، وإجارَةٌ؛ لأنّه باعَهُ الزَّرْعَ، وآجَرَه نَفْسَه على حصادِه، وكُلُّ واحِدٍ مِنهما يَصِحُّ إفرادُه بالعَقْدِ، فإذا جَمَعَهُما جازَ، كالعَيْنَيْنِ. وقولُهم: شَرَطَ العَمَلَ فيما لا يَمْلِكُه. يَبْطُلُ بِشَرْطِ رَهْنِ المَبِيعِ على الثَّمَنِ في البَيْعِ. والثّاني، يَبْطُلُ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، والكَفِيلِ، والخِيارِ. والثّالثُ، ليس بِتَأْخِيرٍ؛ لأنّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه قائِمًا، ولأنَّ الشَّرْطَ مِن المُتَسَلِّمِ، فليس ذلك بِتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ. فإذا فَسَدَتْ هذه المعاني صَحَّ؛ لما ذَكَرْناه. فإنْ قيل: فالبَيْعُ يُخالِفُ حُكْمُه حُكْمَ الإِجارَةِ؛ لأنّ الضَّمانَ يَنْتَقِلُ في البَيْعِ بِتَسْلِيمِ العَيْنِ، بخِلافِ الإِجارَةِ، فكَيْفَ يَصِحُّ الجَمْعُ بينَهما؟ قُلنا: كما يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ، والسَّيْفِ،
(1) في الأصل: "قال: ولم".
(2)
في م: "أفسد".
وحُكْمُهُما مُخْتَلِفٌ؛ فإنّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ في الشِّقْصِ دُونَ السَّيْفِ، ويجوزُ الجَمْعُ بينهما. وقولُ الخِرَقِيِّ: إنَّ العَقْدَ هاهُنا يَبْطُلُ. يَحْتَمِلُ أنْ يَخْتَصَّ بهذه المَسْأَلَةِ وشِبْهِها، ممَّا يُفْضِى الشَّرْطُ فيه إلى التَّنازُعِ، فإنَّ البائِعَ رُبَّما أرادَ قَطْعَها مِن أعلاها، لِيَبْقَى له منها بَقِيَّةٌ، والمُشْتَرِى يُرِيدُ الاسْتِقْصاءَ عليها، لِيَزِيدَ له ما يأخُذُه، فَيُفْضِى إلى التَّنازُعِ، وهو مَفْسَدَةٌ، فيَبْطُلُ البَيْعُ مِن أجْلِه. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقاسَ عليه ما أشْبَهَه، مِن اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ؛ لما ذَكَرْنا في صَدْرِ المَسْأَلَةِ. والأوَّلُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنّه قال في مَوْضِعٍ آخَرَ: ولا يَبْطُلُ البَيْعُ بِشَرْطٍ واحدٍ. والثَّاني، أنّ المذهبَ، أنَّه يَصِحُّ اشْتِراطُ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ، مِثْلُ أنْ يَشْتَرِىَ ثَوْبًا، ويَشْتَرِطَ (3) على بائِعِه خِياطَتَه قَمِيصًا، أو فِلْعَةً (4)، ويَشْتَرِطَ حَذْوَها نَعْلًا، أو جُرْزَةَ (5) حَطَبٍ، ويَشْتَرِطَ حَمْلَها إلى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنَّا، وغيرِه. حتى قال القاضِى: لم أجِدْ بما قال الخِرَقِىُّ رِوايَةً في أنَّه لا يَصِحُّ. واحْتَجَّ أحمدُ بأنّ محمّدَ بن مَسْلَمَةَ (6) اشْتَرَى مِن نَبَطِىٍّ جُرْزَةَ حَطَبٍ، وشارَطَه على حَمْلِها. وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أنْ يَشْتَرِىَ فِلْعَةً، ويَشْتَرِطَ على البائِعِ تَشْرِيكَها (7). وحُكِىَ عن ابنِ أبى ثَوْرٍ، والثَّوْرِيِّ أنّهما أبْطَلا العَقْدَ بهذا الشَّرْطِ؛ لأنّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأشْبَهَ سائِرَ الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، ورُوِىَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّه نَهَى عن بَيْعٍ، وشَرْطٍ (8). ولَنا، ما تَقَدَّمَ، ولم يَصِحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم
(3) في الأصل: "ويشرط".
(4)
الفِلْعَة: القطعة مِن السَّنام. لسان العرب (ف ل ع).
(5)
الجُرْزة: الحُزْمة من القَتِّ ونحوِه. لسان العرب (ج ر ز).
(6)
محمد بن مَسْلَمَة بن سلمة الأنصارى، أبو عبد اللَّه. كان من أفضل الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه النبى صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته على المدينة، توفى سنة اثنتين وأربعين. أسد الغابة 5/ 112، الإصابة 6/ 33.
(7)
أشْرَك النعلَ وشَرَّكَها: جعل لها شِراكًا. والتَّشْرِيك مثلُه. والشِّراك: سَيْر النعل. لسان العرب (ش ر ك).
(8)
انظر: معالم السنن 3/ 146، في: باب شرط وبيع، من كتاب البيوع. والتلخيص الحبير 3/ 12، =