الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
وهل يجوزُ للمرأةِ الصَّدَقَةُ من مَالِ زَوْجِها بالشىءِ اليَسِيرِ، بغير إِذْنِه؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، الجَوَازُ؛ لأنَّ عَائِشَةَ قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَا أَنْفَقَتِ الْمرأةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِها، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُها، وَلَهُ مِثْلُه بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، ولِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ، مِنْ غَيْرِ أن يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ". ولَم يَذْكُرْ إِذْنًا. وعن أسماءَ، أنَّها جَاءَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسولَ اللهِ ليس لِى شىءٌ إلَّا ما أدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ أن أرْضَخَ (10) مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فقال:"ارْضَخِى ما اسْتَطَعْتِ، ولا تُوعِى (11)، فَيُوعَى (12) عَلَيْكِ". مُتَّفَقٌ عليهما (13). ورُوِىَ أن امرأةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: يا رسول اللهِ إنَّا كَلٌّ على أزْوَاجِنا وآبائِنا، فما يَحِلُّ لنا من أَمْوَالِهِمْ؟ قال: "الرَّطْبُ (14) تَأْكُلِينَه،
(10) أى: أعطى شيئا قليلا.
(11)
أى: لا تشحى بالنفقة.
(12)
فى صحيح مسلم: "فيوعى اللَّه".
(13)
أخرج الأوَّل، البخارى فى: باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه، وباب أجر الخادم إذا تصدق. . .، وباب أجر المرأة إذا تصدقت. . .، من كتاب الزكاة، وفى باب قول اللَّه تعالى:{أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} . من كتاب البيوع. صحيح البخارى 2/ 139، 141، 142، 3/ 73. ومسلم، فى: باب أجر الخازن الأمين والمرأة إذا تصدقت، من كتاب الزكاة. صحيح مسلم 2/ 710.
كما أخرجه أبو داود، فى: باب المرأة تتصدق من بيت زوجها، من كتاب الزكاة. سنن أبي داود 1/ 391، 392. والترمذى، فى: باب فى نفقة المرأة من بيت زوجها، من أبواب الزكاة. عارضة الأحوذى 3/ 177. والنسائي، فى: باب صَدَقَة المرأة من بيت زوجها، من كتاب الزكاة. المجتبى 5/ 49. وابن ماجه، فى: باب ما للمرأة من مال زوجها، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 770. والإِمام أحمد، فى: المسند 6/ 44.
والثاني أخرجه البخارى، فى: باب الصدقة فى ما استطاع، من كتاب الزكاة، وفى: باب هبة المرأة لغير زوجها. . .، من كتاب الهبة. صحيح البخارى 2/ 141، 3/ 203. ومسلم، فى: باب الحث فى الإنفاق وكراهة الإحصاء، من كتاب الزكاة. صحيح مسلم 2/ 714.
كما أخرجه النسائي، فى: باب الإحصاء فى الصدقة، من كتاب الزكاة. المجتبى 5/ 55. والإِمام أحمد، فى: المسند 6/ 345، 346، 353.
(14)
الرّطْبُ: ما لا يدخر ولا يبقى كالفواكه والبقول.
وتُهْدِينَهُ" (15). ولأنَّ العَادَةَ السَّمَاحُ بذلك، وطِيبُ النَّفْسِ، فجَرَى مَجْرَى صَرِيحِ الإذْنِ، كما أنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بين يَدَىِ الأَكَلَةِ قَامَ مَقامَ صَرِيحِ الإذْنِ فى أَكْلِهِ. والرِّواية الثانية، لا يجوزُ؛ لما رَوَى أبو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقولُ: "لَا تُنْفِقُ الْمَرْأةُ شَيْئًا من بَيْتِها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها". قيل: يا رسول اللَّه ولا الطَّعَامَ؟ . قال: "ذاكَ أفْضَلُ أموَالِنا". رَوَاهُ سَعِيدٌ فى "سُنَنِه" (16). وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (17). وقال: "إنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِى شَهْرِكُمْ هذَا، فِى بَلَدِكُمْ هذا" (18). ولأنَّه تَبَرَّعَ بمَالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كغيرِ الزَّوْجَةِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأحادِيثَ فيها خَاصَّةٌ صَحِيحَةٌ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العَامِّ ويُبَيِّنُه، ويُعَرِّفُ أنَّ المُرادَ بالعَامِّ غيرُ هذه الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ، والحَدِيثُ الخاصُّ لهذه الرِّوَايَةِ ضَعِيفٌ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ المرأةِ على غيرِها؛ لأنَّها بِحُكْمِ العادَةِ تَتَصَرَّفُ فى مالِ زَوْجِهَا، وتَتَبَسَّطُ فيه، وتَتَصَدَّقُ منه، لِحُضُورِها وغَيْبَتِه، والإِذْنُ العُرْفِيُّ يَقُومُ مَقامَ الإِذْنِ الحَقِيقِيِّ، فصارَ كأنَّه قال لها: افْعَلِى هذا. فإنْ مَنَعَها ذلك، وقال: لا تَتَصَدَّقِى بشَىْءٍ، ولا تَتَبَرَّعِى من مَالِى بِقَلِيلٍ، ولا كَثِيرٍ. لم يَجُزْ لها ذلك؛ لأنَّ المَنْعَ الصَّرِيحَ نَفْىٌ للإِذْنِ العُرْفِيِّ. ولو كان فى بَيْتِ الرَّجُلِ من يَقُومُ مَقَامَ امْرَأَتِه كجارِيَتِه، أو أُخْتِه. أو غُلَامِهِ المُتصَرِّفِ فى بَيْتِ سَيِّدِه وطَعَامِه، جَرَى
(15) أخرجه أبو داود، فى: باب المرأة تتصدق من بيت زوجها، من كتاب الزكاة. سنن أبي داود 1/ 392. وابن أبي شيبه، فى: باب المرأة تصدق من بيت زوجها، من كتاب البيوع والأقضية. المصنِّف 6/ 585.
(16)
وأخرجه أبو داود، فى: باب فى تضمين العارية، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 266. والترمذى، في: باب فى نفقة المرأة من بيت زوجها، من أبواب الزكاة، وفى: باب ما جاء لا وصية لوارث، من أبواب الوصايا. عارضة الأحوذى 3/ 176، 177، 8/ 276 وابن ماجه، فى: باب ما للمرأة من مال زوجها، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 770 والإِمام أحمد، فى: المسند 5/ 267.
(17)
أخرجه الإِمام أحمد، فى: المسند 5/ 72. والدارقطني، فى: كتاب البيوع. سنن الدارقطنى 3/ 26.
(18)
انظر تخريج حديث جابر فى: 5/ 156.